لماذا تنجح بعض الدول في كسب العقول قبل المعارك، بينما تخسر أخرى رغم تفوقها العسكري؟ وهل يكشف ذلك أن معركة الوعي والمشروع هي الحاسمة، وأن غياب الفكرة الجامعة أخطر من أي تهديد عسكري مباشر في المنطقة اليوم؟
في كل مرة يشتعل فيها التوتر بين واشنطن وطهران، تنصرف الأبصار -على نحو شِبه
تلقائي- إلى خرائط القواعد العسكرية، ومدى وقوة وتنوُّع الصواريخ، وحسابات الردع
المتبادل. غير أن هذه الزاوية، على أهميتها، تُخفي خلفها ميدانًا أكثر اتساعًا وأشد
أثرًا؛ ميدان
«تشكيل
الوعي»
وصناعة المشروع.
لقد أثبتت التجربة أن المعارك الكبرى لا تُحْسَم فقط حين تُطلَق الصواريخ، بل حين
تُزْرَع الأفكار وتُبنَى المشاريع الجامعة. وأن التفوق الحقيقي لا يُقاس بعدد
الطائرات، وإنما يُقاس بقدرة دولة ما على تحويل رؤيتها إلى سردية عابرة للحدود،
تتبنّاها جماعات، وتدافع عنها مجتمعات، وتضحي في سبيلها أجيال.
في هذا السياق، تبدو إيران مثالًا لافتًا؛ فهي -بعيدًا عن الجدل حول سياساتها- لم
تكتفِ ببناء قدراتها العسكرية، بل اشتغلت، بصبرٍ إستراتيجي، على ما يمكن تسميته
«المفاعلات
الإعلامية والفكرية»؛
هذه المفاعلات لم تكن أدوات دعاية عابرة، بل منظومات متكاملة لإنتاج الخطاب، وإعادة
تشكيل المفاهيم، وبناء الولاءات.
لقد فهمت طهران مبكرًا أن النفوذ المستدام لا يُفرَض بالقوة الصلبة وَحْدها، وإنما
يُبنَى عبر القوة الناعمة المُؤدلجة، القادرة على اختراق الخصوم قبل الحلفاء. ومن
هنا، لم يكن تمدُّدها في الإقليم مجرد انتشار عسكري أو سياسي، بل كان -في جوهره-
انتشارًا سرديًّا؛ حيث تحوَّلت
«الفكرة»
إلى جِسْر تَعْبُر عليه السياسة، وتستقر عبره المصالح.
ولعل أكثر ما يَكشف عن عُمق هذا النهج، هو قدرة إيران على إنشاء شبكة من
«الأذرع»
التي لا تتحرك فقط بدافع المصلحة، بل بدافع القناعة. فحين يُقدِّم فاعلون غير
دوليين تضحيات باهظة، ويستمرون في ذلك رغم التكلفة، فإننا لا نكون أمام تحالفٍ
تقليدي، بل أمام
«مشروع»
نجح في إنتاج حُلْم يتجاوز الحسابات الآنية.
لقد خسر
«حزب
الله»
مجموعات من عناصره قتلى في أتون المعركة؛ هؤلاء ضحّوا -وسيظلون- لأن مشروعًا جامعًا
ملك أفئدتهم، وهم وغيرهم من الحشد الشعبي والحوثيين، وإن انتُزِعَت أسلحتهم، ولم
تتغيّر أفكارهم؛ سيظلون حِرابا
في ظهر المسلمين وهم لا يشعرون.
هنا تكمن المفارقة المؤلمة!
ففي مقابل هذا النموذج -بصرف النظر عن تقييمه- تبدو كثير من الدول العربية وكأنها
لا تزال أسيرة تصوُّر ضيّق للأمن، تختزله في صفقات السلاح، أو ترتيبات الحماية، أو
تحالفات عسكرية، أو اقتصادية، أو حتى في مؤشرات النمو الاقتصادي. وهي -في سعيها
المشروع للاستقرار-، تغفل عن حقيقة أن الأمن الحقيقي لا يُشتَرى فقط، بل يُبنَى؛
وأن الاستقرار لا يهبط فوقنا بمظلات من الخارج، بل يُصاغ من الداخل عبر مشروع جامع.
ولعل من أخطر مظاهر الخلل: أن تتحوّل أدواتنا الإعلامية إلى منصات لتدجين الوعي، لا
لتحريره؛ تشغل الشباب بالتفاهات، وتُغرقهم في الاستهلاك، بينما تترك عقولهم فارغة
من القِيَم الحقيقية التي تستحق أن يُعاش من أجلها. وفي ظل هذا الفراغ، يُصبح أيّ
خطابٍ مُنظَّم -ولو كان منحرفًا- قادرًا على ملء المساحة، واستقطاب الطاقات.
إن المشكلة ليست في غياب الموارد، ولا في ضعف الإمكانات، وإنما في غياب
«الفكرة
الكبرى»
التي تُلهِم، وتُحفِّز، وتُجنِّد الطاقات. فالشباب في أيّ مجتمع، لا يتحرّكون فقط
بدافع الرواتب وحدها، بل بدافع الأفكار المُلهمة. وإذا لم يجدوا هذا المعنى في
أوطانهم، بحثوا عنه في مشاريع أخرى، قد تكون في كثير من الأحيان، على النقيض من
مصالح دولهم.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي الذي يُواجه المنطقة اليوم ليس عسكريًّا فحسب، وإنما
حضاري بالدرجة الأولى. إنه سؤال: ماذا نريد أن نكون؟ وما المشروع الذي نُقدِّمه
للعالم، ولشعوبنا قبل ذلك؟
إن بناء مشروع متكامل يتجاوز الاقتصاد، ويتجاوز الرفاه إلى الرسالة، لم يَعُد ترفًا
فكريًّا، بل أصبح ضرورة إستراتيجية. مشروع يُعيد تعريف الهوية، ويصوغ سردية قادرة
على المنافسة، وينتج أدوات إعلامية لا تكتفي بالدفاع، وإنما تبادر بالهجوم الناعم،
فتخترق ولا تنغلق، وتؤثر ولا تكتفي برد الفعل.
ولا يقل عن ذلك أهميةً بناء النُّخَب القادرة على حمل هذا المشروع؛ نُخَب تجمع بين
الفقه والفكر، بين الأصالة والمعاصرة، بين العُمْق والقدرة على التأثير؛ فالمشاريع
الكبرى لا تُبنَى بالجماهير وحدها، وإنما بقيادات فكرية تُحْسِن توجيهها، وتملك
وضوح الرؤية.
لقد آن الأوان للانتقال من منطق
«التحالفات
الحامية»
إلى منطق
«المشاريع
الملهمة».
من الاكتفاء بإدارة الأزمات، إلى صناعة المستقبل. ومن استيراد الأمن، إلى إنتاجه.
ففي عالم اليوم، قد تُكسبك الصواريخ معركة- لكن الذي يُكسبك التاريخ هو الفكرة
والمشروع.