• - الموافق2026/03/15م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
البوصلة بين شعارات المقاومة والاستسلام

هل رفع شعارات المقاومة ضد الغرب وإسرائيل يكفي لتصنيف أي قوة كحامية للأمة، أم أن السياسات العملية لبعض الأطراف، التي تستثمر في صراعات داخلية عربية وإسلامية، تكشف هشاشة هذه البوصلة وتعيد تعريف الولاء الحقيقي للوحدة الوطنية والدينية؟


في اللحظات التاريخية الحَرِجة تتعرّض البوصلات أحيانًا للاهتزاز، ويغدو التمييز بين العدو والصديق أكثر تعقيدًا مما يبدو في الشعارات. فالحروب الكبرى لا تُربك الجيوش وحدها، بل تُربك كذلك العقول والاصطفافات، وتدفع كثيرين إلى إعادة تعريف الولاءات وفق معايير سطحية قائمة على الشعارات أو الإغراق في التوهمات السياسية والمخططات الإستراتيجية، وبين التسطيح الفكري أو التعمُّق السياسي تضيع البوصلة إذا فقدت جذورها العقدية ومسالكها الإيمانية.

وهنا يبرز السؤال: هل مقاومة الغرب والصهيونية -شعارًا أو فعلًا- كافٍ كي يصبح فاعلٌ ما جزءًا من معسكر الأُمّة وداعمًا لوحدتها؟ وهل يمكن لخطاب المواجهة مع «إسرائيل» -اللفظي أو بلغة الصواريخ- أن يمحو سجلًا طويلًا من الصراعات الداخلية التي مزَّقت المجتمعات العربية والإسلامية؟

هذه الأسئلة لا تُطرَح بدافع الخصومة أو الاصطفاف الأيديولوجي، بل بدافع استعادة التوازن في قراءة المشهد، حين تتكاثر السرديات الدعائية وتغدو الحقيقة أسيرة الاستقطاب الحاد.

لقد قدمت إيران الخمينية نفسها بوصفها رأس حربة في مواجهة المشروع الغربي-الصهيوني في المنطقة، غير أن المسار العملي للسياسات الإقليمية الإيرانية يكشف صورة أكثر تعقيدًا. فبدل أن تتَّجه الجهود إلى بناء جبهة إسلامية واسعة في مواجهة الهيمنة الخارجية، انخرطت طهران في سلسلة من الصراعات التي كان مسرحها الأساسي المجتمعات العربية نفسها.

في العراق مثلًا، لم تكن لحظة الغزو الأمريكي عام 2003م مجرد حدث عابر في تاريخ المنطقة، بل كانت نقطة تحوُّل كبرى أعادت رسم الخريطة السياسية والمذهبية للدولة. وقد اعترف قادة إيرانيون مرارًا بأن طهران وجدت في إسقاط نظام بغداد فرصة إستراتيجية لتوسيع نفوذها في المشرق العربي، حتى وإن تم ذلك في سياق الاحتلال الأمريكي ذاته. وهنا تتجلّى إحدى مفارقات السياسة الإقليمية: مواجهة الخطاب مع واشنطن، مقابل تقاطعات ميدانية مع نتائج سياساتها.

وتتكرر الصورة، بدرجات مختلفة، في أفغانستان وسوريا واليمن ولبنان؛ حيث لم يكن الحضور الإيراني مجرد دعم سياسي أو تحالف دبلوماسي، بل تحوَّل في كثير من الأحيان إلى انخراط مباشر في صراعات داخلية عميقة. والنتيجة أن مساحات واسعة من العالم العربي تحوَّلت إلى ساحات صراع مفتوح بين قوى إقليمية ودولية، بينما كانت المجتمعات المحلية تدفع الثمن الأكبر.

ولعل المفارقة الأكثر إثارة للتأمل أن الضحايا المباشرين لكثير من تلك الصراعات كانوا من المجتمعات السُّنية العربية نفسها، وهو ما غذَّى شعورًا متزايدًا بأن طهران لا تنظر إلى المنطقة من زاوية وحدة الأمة بقَدْر ما تنظر إليها من زاوية توازنات النفوذ والهيمنة.

وهنا يظهر السؤال الجوهري: هل كانت وحدة الأمة الإسلامية يومًا ضمن أولويات المشروع الإيراني؟

يصعب، عند مراجعة مسار العقود الأربعة الماضية، العثور على مؤشرات قوية تدل على أن طهران تبنّت رؤية جامعة للعالم الإسلامي تتجاوز الاصطفافات المذهبية. بل والحقيقة أن الخطاب السياسي الإيراني كثيرًا ما قدّم الصراع في المنطقة ضمن ثنائية مزدوجة: عدو خارجي يتمثل في الغرب وإسرائيل، وعدو داخلي يتمثل في القوى السُّنية العربية التي يُنظَر إليها باعتبارها الحاجز الأكبر أمام تمدُّد النفوذ الإيراني.

ولذلك لم يكن غريبًا أن تكون الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية حاضرة بكثافة في ساحات عربية مختلفة، وأن تكون المدن العربية في كثيرٍ من الأحيان هي الميدان الفعلي لتجارب القوة والنفوذ.

فالمجتمعات العربية السُّنية ساحة للتمزيق الأيديولوجي إبّان المواجهة الباردة مع الغرب، وهي نفسها ساحة للحرب والقصف وميدان للتفجيرات والصواريخ إذا غدت المواجهة مع الغرب لغتها هي القنابل والمسيّرات. وكأن رسالة طهران لجيرانها أن لا سبيل للسلامة من الأذى، كنافخ الكير إما أن يحرق ثيابك أو تجد منه ريحًا خبيثة.

إن إدراك هذه الحقيقة لا يعني، بطبيعة الحال، التقليل من طبيعة المشروع «الإسرائيلي» في المنطقة، ولا التخفيف من خطورته التاريخية والإستراتيجية. فـ«إسرائيل»، بما تُمثّله من مشروع استيطاني توسُّعي، تبقى التهديد الأكثر وضوحًا للحقوق الفلسطينية وللاستقرار الإقليمي.

غير أن مواجهة هذا المشروع لا تُبرّر في المقابل التغاضي عن مشاريع أخرى تُسهم، بطرق مختلفة، في تفكيك المجال العربي والإسلامي من الداخل.

فالمشكلة الكبرى في لحظات الاستقطاب الحادّ أن بعض القوى تحاول احتكار خطاب المقاومة؛ بحيث يصبح مجرد رفع الشعار كافيًا للحصول على شرعية سياسية وأخلاقية، حتى وإن كانت السياسات الواقعية تسير في اتجاه مختلف تمامًا.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة ضبط البوصلة الفكرية والإستراتيجية معًا. فالأُمة التي فقدت قدرتها على التمييز بين المشاريع المختلفة، أو التي تقيس مواقفها بمعيار واحد أُحادي، ستجد نفسها عاجلاً أو آجلاً أسيرة صراعات الآخرين.

إن معيار الانتماء الحقيقي إلى قضايا الأمة لا يُقاس بالشعارات، ولا بطبيعة العدو المشترك، بل بالسياسات التي تحفظ وحدة المجتمعات الإسلامية وتمنع تحويلها إلى ساحات حروب بالوكالة.

وفي هذا الإطار، لا يبدو المشهد الإقليمي مجرد صراع بين محورين متقابلين بقدر ما يبدو شبكة معقّدة من المصالح والتنافسات؛ حيث تتقاطع المشاريع الكبرى أحيانًا حتى وإن اختلفت شعاراتها.

ولهذا فإن تصوير الصراع في المنطقة باعتباره مواجهة بسيطة بين محور مقاومة ومحور استسلام قد يكون من أكثر السرديات تضليلًا؛ لأنه يحجب حقيقة أن بعض القوى التي ترفع راية المقاومة قد تكون -في ممارساتها العملية- جزءًا من عملية إعادة تشكيل المنطقة وفق توازنات جديدة لا تقلّ خطورة عن المشاريع الأخرى.

إن استعادة البوصلة في مثل هذه اللحظات لا تعني الاصطفاف مع طرف ضد آخر بقدر ما تعني إعادة تعريف الأولويات على أساس مصلحة الأمة ووحدتها، لا على أساس الدعاية السياسية.

والحقيقة التاريخية تقول: إن الكيان الإسرائيلي، رغم قوته العسكرية والتكنولوجية، حتى إن طال به الزمن، يظل مشروعًا هشًّا من حيث بِنيته الإستراتيجية طويلة المدى؛ لأنه قائم على معادلة صراع دائم مع محيطه، وهي معادلة يصعب أن تستمر إلى ما لا نهاية.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه اللحظات هو أن تضيع البوصلة بين عدوين، فيتحوّل الصراع من معركة تحرّر إلى مجرد إعادة توزيع للنفوذ.

إن وضوح البوصلة العقدية والسياسية معًا هو الشرط الأول لأيّ مشروع نهضوي حقيقي. فالأمة التي تعرف عدوّها جيدًا تعرف كذلك كيف تُميّز بين مَن يشاركها معركتها ومن يستثمر في جراحها.

وفي عالمٍ يموج بالمشاريع المتنافسة، يبقى المعيار الأصدق بسيطًا في جوهره: كل مشروع يُفتّت الأُمّة ويُغذّي صراعاتها الداخلية، مهما رفع من شعارات المقاومة، لا يمكن أن يكون طريقًا إلى نهضتها.

 

أعلى