• - الموافق2026/02/17م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
ذهبتُ للغرب فوجدت  «إبستين»

بعد انكشاف شبكات الاستغلال التي تورطت فيها نخب غربية نافذة، هل ما زال من المقبول تسويق النموذج الغربي بوصفه مرجعية أخلاقية، أم أن اللحظة تستدعي إعادة تقييم جذري لصورة حضارة رُفعت شعاراتها عاليًا بينما ظلت تناقضاتها مستترة؟


قديمًا ذاعَت عبارة مشهورة «ذهبت للغرب فوجدتُ إسلامًا ولم أرَ مسلمين»، نُسبت هذه العبارة إلى الشيخ محمد عبده، وإن كان لا يوجد نصّ في كُتبه أو مَقالته على التحقيق يؤكد أن الرجل صرَّح بتلك العبارة، لكنّ الأكيد أنها انتشرت وتكرَّرت وصارت عنوانًا لمرحلة مهمة في تاريخ تصوراتنا أو بالأحرى تصوُّرات نُخَبنا لوقتٍ طويل من الزمن عن الغرب وقِيَمه الحضارية، وتسرَّبت إلى عقول جيل كامل فشكَّلت وأثَّرت في وعيهم وما زالت.

والسؤال: هل حقًّا -في ذلك الزمن- «إبستين» لم يكن حاضرًا، أم ثمة عملية خداع نفسي أفرزت حالة من الضبابية الثقافية فلم يستطيعوا رؤية «إبستين» القابع في كل زاوية من زوايا الحضارة الغربية منذ نشأتها وحتى يومنا هذا؟

حين ذهب رفاعة الطهطاوي -الشيخ الأزهري المُعمَّم إلى الغرب-، رأى بأم عينيه ما لا يَخْفى على بصير؛ عهرًا مُنظَّمًا، واختلاطًا مُريبًا، وتهتُّكًا واضحًا. لكنَّه بدلًا من أن يُسمِّي الأشياء بمُسمّياتها راحَ يُلْبِس الرذيلة ثوب الفضيلة.

الطهطاوي الذي ذهب إلى فرنسا في عشرينيات القرن التاسع عشر، وعاد بعد خمس سنوات قضاها في عاصمة النور -كما كان يُطلَق على باريس وقتها-، ورأى طرفًا من عُهْر «إبستين» ناضحًا في جوانب المجتمع الباريسي وقتها، لكنه صار يُخادع نفسه عن نفسه؛ ولذا قال -في براءة مصطنعة أو غفلة مريبة عن رقص البالية-: «فلذلك كان دائمًا غير خارج عن قوانين الحياء -بخلاف الرقص في أرض مصر-، ولا يُشَمّ منه رائحة العُهْر أبدًا».

لم يكن الأمر مجرد سذاجة أو غفلة، بل كانت بداية لمنهج في التفكير سيطر على عقول النُّخَب لعقود طويلة: منهج الانبهار الذي يُعْمِي البصر والبصيرة، ويجعل صاحبه يرى الأشياء لا كما هي، بل كما يريد لها هو أن تكون، ليتصالح مع نفسه المنكسرة أولًا، فيكسر قواعد الدين والأخلاق لدى أُمّته تبعًا.

لم يكن الطهطاوي استثناءً في هذا المسار، بل كان رائدًا لجيل كامل من المفكّرين الذين ساروا على نَهْجه. من محمد عبده إلى طه حسين، ومن قاسم أمين إلى أحمد لطفي السيد، كلهم ذهبوا للغرب ورأوا «إبستين» بأُمّ أعينهم، لكنهم أنكروه، صمتوا أحيانًا، وزيَّفوا وبرَّروا كثيرًا.

كانوا يرون سفور المرأة تحرُّرًا، والاختلاط تمدُّنًا، والتفلُّت من قيود الدين تنويرًا. ولم يُدْركوا -أو ربما لم يريدوا أن يدركوا- أن ما يرونه «تقدُّمًا» في الغرب إنما هو في حقيقته انحطاط مُغلَّف بغلاف برَّاق من الحداثة والتقدُّم التقني.

الحقيقة التي أرادوا إخفاءَها -أو ربما لم يريدوا رؤيتها- أن «إبستين» لم يكن غائبًا عن الحضارة الغربية يومًا. كان حاضرًا في استعباد الملايين من الأفارقة، وفي استعمار بلادنا ونَهْب خيراتها والذي ما يزال حتى يومنا هذا، وإن اختلفت صُوَره.

وفي المجازر التي ارتُكِبَت باسم «التمدين» وما زالت الأرض تُرْوَى كل يوم من دماء إخواننا في غزة.

وفي النخاسة التي تحوَّلت إلى «تجارة»، واقرأ إن شئتَ عن الرقيق الأبيض، وعن الدّعارة المُنظَّمة التي صارت «صناعة»، وعن استغلال الأطفال الذي لم ينقطع يومًا.

كان «إبستين» حاضرًا في حروب الأفيون التي شُنَّت على الصين لإيقاع شعبها في الإدمان، وفي الهنود الحمر التي أبادت شعبًا بأكمله، وفي القنابل الذرية التي أُلقيت على هيروشيما وناجازاكي ومعسكرات غوانتانامو وأبو غريب. القائمة طويلة، والمقال أقصر من أن يُحْصِي «إباسيتانهم» عددًا، والتاريخ شاهد على ذلك.

لقد كان القيح يسيل في شرايين تلك الحضارة فيُعطِّره هؤلاء وينثروا فوقه الورود!!

قضية «إبستين» وماكسويل ليست استثناءً، بل هي القاعدة التي طالما أُخفيت عن الأنظار. إنها الوجه الحقيقي لحضارة قامت على الاستغلال والإباحية المُقنَّنة، حضارة لا تُقيم وزنًا للأخلاق إلا بقَدْر ما تَخْدم مصالحها. حضارة تتاجر بالأجساد وتُلْقِي بالأطفال والضعفاء في أتون الاستغلال الجنسي والإباحية تحت دعاوى الحرية.

والأدهى من ذلك أن تلك الفضائح لم تُكْشَف إلا بعد عقود من الممارسة، ولم تُكْشَف إلا حين تعارَضَت مصالح أصحابها. أما كم من «إبستين» لا يزال يعيث في الأرض فسادًا تحت حماية المؤسسات والقوانين البالية؟! فهذا لا يعلمه إلا الله. وأما كم من الضحايا أخذ حقه، وكما من الجلادين تمَّت محاكمتهم؟ فإلى الآن لا أحد.

واليوم وبعد أن كُشِفَتْ الأستار عن شبكات الاستغلال الجنسي التي تورَّط فيها كبار النُّخَب الغربية، ساسةً، وأمراء، ورجال أعمال، وعلماء، ومشاهير، وبعد أن صارت الوثائق والصور والشهادات تملأ الدنيا، وبعد الانحطاط الذي وصل إلى دَرك تترفَّع عنه حتى البهائم؛ هل لنا أن نزيح الستار عن الحقيقة؟

هل لنا أن نَخْرج من دائرة الانبهار الأعمى، وأن نقرأ الغرب بعين الواثق من قِيَمه لا الهارب من ذاته؟!

هل لنا أن نضع العنوان الحقيقي للحضارة الغربية فنقول: «ذهبت للغرب فوجدت إبستين».

 

أعلى