لماذا يُعدّ منهج الوسطية هو الطريق الأقصر للاستقامة في الإسلام، وكيف قدّم النبي نموذجًا عمليًا يوازن بين العبادة والحياة، وما مخاطر الغلو والتفريط على الفرد والمجتمع، وهل يمكن أن يكون الاعتدال سرّ الاستقرار النفسي والاجتماعي؟
الوسطية غاية الكمال وأساس الاعتدال؛ {وَكَذلكَ جَعلنَاكُم أمَّة وَسطًا}
[البقرة: 143]، وعن عبد الله بن مسعود -رضيَ الله عَنه- قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم :
«هَلكَ
المتنطعون»[1]؛
أي: المُشدِّدون في غير موضع التَّشديد.
والإسلام دين اليسر؛ فقد أجاز للعاجز عن القيام أن يصلِّي قاعدًا، وأجاز لمن يصعب
عليه الصِّيام أن يفطر، وكذا للمريض والمسافر. ودعا إلى التَّيمُّم في حال المرض
والبرد الشَّديد... وهذا كلُّه رفق بالإنسان، وتيسير عليه؛ فمَن أفرط، فذلك غلوٌّ
لا يرضاه الله -عزَّ وَجلَّ-؛ قال الله -تعَالى-: {يَا أَهلَ الكتَابِ لا
تَغْلُوا فِي دِينِكمْ وَلا تَقولُوا عَلى الله إلّا الحقّ} [النِّساء: 171]،
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«إيّاكمْ
وَالغُلوّ فِي الدِّين؛ فَإنَّما أَهلكَ مَن كَانَ قَبلكُم: الغُلوّ فِي الدِّين»[2].
ومِن أخطار الغلوِّ في الدِّين: التَّقصير في الحقوق والواجبات؛ ولذا جاء في
الحديث:
«إنَّ
لِربِّك عَليكَ حقًّا، وَلِنفْسكَ عَليكَ حقًّا، وَلِأهْلكَ عَليكَ حقًّا؛ فَأعطِ
كلَّ ذِي حقٍّ حقَّه»[3].
ومِن أخطار الغلوّ: الانقطاع عن الطَّاعة؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«إنَّ
هَذا الدِّين يُسْر، وَلَن يُشَادَّ الدِّينَ أَحدٌ إلّا غلبَه؛ فَسدِّدوا
وَقَارِبوا، وَأَبشِروا وَيسِّروا..»[4].
ومِن مظاهر الغلوّ: الاشتغال بالفروع على حساب الأصول، وبذل الجهد في المختلَف فيه
على حساب المُجمَع عليه، والتَّعصُّب للرَّأي، والغلظة والجفاء، وسوء الظَّنِّ
بالآخرين.
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن كلِّ ما فيه غلوّ، كما في قصَّة
الثَّلاثة الَّذين عزموا على الصِّيام الدائم، وقيام الليل كله، وهجر النِّساء مدى
الحياة؛ ففي صحيح البخاريّ جاءَ ثَلاثةُ رَهطٍ إلى بُيوتِ أزواجِ النَّبيِّ صلى
الله عليه وسلم ، يَسألونَ عن عِبادةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فلَمّا
أُخبِروا كَأنَّهم تَقالُّوها، فقالوا: وأينَ نَحنُ مِنَ النَّبيِّ صلى الله عليه
وسلم ؟! قد غُفِرَ له ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِه وما تَأخَّرَ. قال أحَدُهم: أمّا أنا
فإنِّي أُصَلِّي اللَّيلَ أبَدًا، وقال آخَرُ: أنا أصومُ الدَّهرَ ولا أُفطِرُ،
وقال آخَرُ: أنا أعتَزِلُ النِّساءَ فلا أتَزَوَّجُ أبَدًا، فجاءَ رَسولُ اللهِ صلى
الله عليه وسلم إليهم، فقال:
«أنتُمُ
الذينَ قُلتُم كَذا وكَذا؟! أما واللهِ إنِّي لَأخشاكُم للهِ وأتقاكُم له، لَكِنِّي
أصومُ وأُفطِرُ، وأُصَلِّي وأرقُدُ، وأتَزَوَّجُ النِّساءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي
فليسَ مِنِّي»[5].
وقال -عليهِ الصَّلاة وَالسَّلام:
«إنَّما
بُعِثْتُم مُيسِّرين، وَلمْ تُبعثُوا مُعسِّرين»[6].
وقال صلى الله عليه وسلم :
«بُعثتُ
بِالحَنيفيَّة السَّمحَة»[7]،
وما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرَين إلّا أخذ بأيسرهما، ما لم يكن
إثمًا.
والتَّيسير هنا هو الَّذي لا يُصادم نصًّا مُحكمًا، وإنَّما يسير في ضوء القواعد
العامَّة للإسلام.
ومن تأمَّل في الفلسفة الإغريقيَّة، يجد أنَّ
«أرسطو»
قد آمَن بفرديّة الإنسان، فيما كان أستاذه
«أفلاطون»
يؤمن بالجماعيَّة؛ كما يتَّضح ذلك في كتابه
«الجمهوريّة»،
وبهذا، لم تستطع هذه الفلسفة الشَّهيرة أن تُخرج النَّاس مِن الحَيرة؛ فجاءت
الشّرائع السَّماويَّة؛ لتقيم التَّوازن في الحياة، والقسط بين النَّاس، كما قرَّر
ذلك القرآن الكريم.
وكان الرسول -عليه الصَّلاة وَالسَّلام- يحثّ على الوسطية، فيتمثَّل الدُّعاء
القرآنيّ؛ {ربَّنا آتنا في الدُّنيا حَسنةً وَفي الآخرةِ حَسنةً وَقنَا عَذابَ
النَّار} [البقَرة: 201]، وكان صلى الله عليه وسلم يقول:
«اللَّهمَّ
أَصلِح لي دِيني الَّذي هوَ عِصمةُ أمْري، وَأَصلِح لي دُنيَايَ الَّتي فيهَا
معَاشِي، وَأَصلِح لي آخرَتي الَّتي إِليهَا معَادِي، وَاجْعلِ الحَياةَ زِيادةً لي
في كلّ خَير، وَاجْعلِ المَوتَ رَاحةً لي مِن كلّ شَر»[8].
ويُنسَب إلى عليّ بن أبي طالب -رضيَ الله عَنه-:
«اعْمَلْ
لِدُنْيَاكَ كَأَنَّكَ تَعِيشُ أَبَدًا، وَاعْمَلْ لِآخِرَتِكَ كَأَنَّكَ تَمُوتُ
غَدًا».
وقال البلغاء في حِكَمهم:
«خير
الأمور الوسط».
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل مِن طيّبات الحياة الدُّنيا، ولم
يُحرِّمها على نفسه، ولكنَّه لم يجعلها محور تفكيره، وكان مِن دعائه:
«وَلا
تَجعَل الدُّنيا أَكبرَ همِّنا، وَلا مَبلغَ عِلمنَا»[9].
وفي القرآن الكريم: {وَلا تَجعلْ يَدكَ مَغلُولةً إلَى عُنقكَ وَلا تَبسطْها
كلَّ البَسطِ فَتقْعدَ مَلومًا محسُورًا} [الإسرَاء: 29].
والصِّراط المستقيم، هو أعلى درجات الوسطيَّة، وهو الطَّريق السَّوي، وحتَّى في
عالم الرِّياضيَّات؛ فإنَّ الخطَّ المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين، والمسلم يسأل
ربَّه أن يهديه الصِّراط المستقيم كلّ يوم سبع عشرة مرَّة على الأقلّ؛ وذلك عندما
يقرأ في صلاته: {اِهدنَا الصِّراطَ المُستَقيم * صِراطَ الَّذينَ
أَنعَمتَ عَليْهمْ غيرِ المغْضوبِ عَليْهمْ وَلَا الضَّالِّين} [الفَاتحة: 6-
7]. والمغضوب عليهم هم الَّذين أفرطوا، والضَّالُّون هم الَّذين فرَّطوا.
أما أهل الوسطية فهم أهل الاستقامة؛ قال تعَالى: {إنَّ الَّذينَ قَالُوا ربُّنا
الله ثمَّ اسْتقَامُوا تَتنزَّل عَليهِم المَلائكةُ ألّا تَخافُوا وَلا تَحزَنوا
وَأَبشِروا بِالجنَّة الَّتي كُنتمْ تُوعَدون} [فصِّلت: 30]. وفي صحيح مسلم،
أمر بالاستقامة بعد الإيمان؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«قُل
آمنتُ بِالله؛ ثمَّ استَقمْ»[10].
وقال الله -عزَّ وَجلَّ-: {إنَّ الَّذينَ قَالُوا ربُّنا الله ثمَّ استَقامُوا
فَلا خَوفٌ عَليْهمْ وَلا همْ يَحزنُون * أُولَئكَ أصْحابُ الجنَّة
خَالدِينَ فِيها جَزاءً بما كَانُوا يَعمَلون} [الأحقَاف: 13- 14].
{ثمَّ استَقامُوا}؛
علِموا أنَّه لا رجاء إلّا مِن الله، ولا خشية إلّا لله، ولا اعتماد إلّا على الله،
ولا ثقة إلّا بالله، ولا حُبَّ ولا بُغْض إلّا في الله، ولا مَنْع ولا عطاء إلّا
لأجل الله:
«مَن
أَحبَّ لله، وأَبغضَ لله، وأَعطَى لله، وَمَنعَ لله؛ فقَد اسْتكملَ الإِيمَان»[11].
واستقامة القلب تأتي أوَّلًا؛ لأنَّ القلب هو مُحرِّك بقيّة الأعضاء:
«أَلا
وَإنَّ في الجَسدِ مُضغةً، إذَا صَلحتْ صَلحَ الجَسدُ كلّه، وَإذَا فَسدتْ فَسدَ
الجَسدُ كلّه؛ أَلا وَهيَ القَلب»[12].
ثمَّ بعد ذلك تأتي استقامة اللِّسان؛ روى أحمد في مُسنده مِن حديث أنس -رضيَ الله
عَنه-:
«لا
يَستَقيمُ إِيمَانُ عَبدٍ؛ حتَّى يَستَقيمَ قَلبُه، وَلا يَستَقيمُ قَلبُه حتَّى
يَستَقيمَ لِسانُه»[13].
وقال -عزَّ وَجلَّ-: {فَاسْتقمْ كمَا أُمرتَ ومَن تَابَ مَعك وَلا تَطغَوا إنَّه
بِما تَعمَلونَ بَصير * وَلا تَركنُوا إلَى الَّذينَ ظَلمُوا فَتمَسَّكمُ
النَّار وَمَا لَكم مِن دُونِ الله مِن أَوليَاء ثمَّ لا تُنْصَرون} [هُود:
112- 113].
لا تطغَ... لا تظلمْ... كن مع العدل، والعدل إن دام عَمَّر.
والوسطيَّة تُمثِّل القوَّة؛ لأنَّ الوسط مركز القوَّة، وخطّ الوسط في عالم
الرياضيات هو محور الارتكاز، والشَّمس تكون أقوى تأثيرًا عندما تكون في وسط
السَّماء في رائعة النَّهار، والقمر يكون أكمل نورًا في وسط الشَّهر، والإنسان لا
يكون في أقوى مراحل حياته إلّا في مرحلة الشَّباب، والشَّباب وسط قويّ بين ضَعف
الطُّفولة وضَعف الكهولة، ومركز الدَّائرة في وسطها.
وهكذا، كلَّما تأمَّلنا الوسطيَّة عملًا، وقولًا؛ وجدناها الخير كلَّه؛ فالصَّامت
دائمًا والمهذار؛ كلاهما ثقيل المحضر. لكنَّ المرء الوسط الَّذي يتكلَّم حين يلزم
الكلام، ويتحدَّث حين يكون لذلك لزام، هو المقبول عند النَّاس. ثمَّ إنَّ
المتقوقعين على أنفسهم، والمُطلقين لعنان أنفسهم لقاءً بالآخرين في كلِّ وقت،
كلاهما غير مرغوب به، وخير الأمور الوسط.
[1] صحيح مسلم، كتاب العِلم، حديث 6955.
[2] سنن النَّسائي، كتاب مناسك الحجّ، حديث 3070.
[3] صحيح البخاريّ، كتاب الصوم، حديث 1968.
[4] سنن النَّسائي، كتاب الإيمان وشرائعه، حديث 5051.
[5] صحيح البخاريّ، كتاب النِّكاح، حديث 5063.
[6] سنن أبي داود، كتاب الطَّهارة، حديث 380.
[7] مسند أحمد، حديث أبي أمامة الباهلي، 22951.
[8] صحيح مسلم عن أبي هريرة، كتاب الذِّكر والدُّعاء والتَّوبة، حديث 7078.
[9] سنن التِّرمذيّ عن ابن عمر، كتاب الدَّعوات، حديث 3841.
[10] رواه مسلم في الإيمان، عن سفيان بن عبد الله الثَّقفي، حديث 38.
[11] رواه أبو داود في السُّـنَّة، حديث 4681.
[12] جزء مِن حديث متَّفق عليه، عن النّعمـان بن بشير رضيَ الله عنهُما، وأوَّله:
«الَحلال
بيِّن وَالحرَام بيِّـن..»،
البخاريّ في الإيمان 52، ومسلم في المساقاة 1599.
[13] رواه أحمد عن أنس، حديث 13047، وقال محقّقو المسند: حديث صحيح.