• - الموافق2026/04/21م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
التربية الإسلامية ووقاية المجتمع من الانحراف

لماذا انهارت منظومة القيم في بعض المجتمعات الإسلامية رغم وضوح المنهج، وكيف أسهمت التربية النبوية والمسجد في صناعة جيلٍ قيادي متوازن، وما الذي نحتاجه اليوم لاستعادة هذا النموذج وبناء شخصية مسلمة قادرة على مواجهة الانحرافات الفكرية والسلوكية؟


تشكو أغلب الأُسَر المسلمة انحلال الأخلاق والتفلُّت من الدين بسبب إهمال التربية الإسلامية الصحيحة، وتحجيم مواد التربية الإسلامية، وعدم اعتبارها في سُلَّم الدرجات للطلاب والطالبات في جُلِّ البلدان الإسلامية، فلا شفقة لصغير، ولا تقدير لكبير، واختلت الموازين، وأصبح الأمر فوضى، واستخف الناس بشعائر الله، وأصبح المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، وسيطرت الأنانية، وانعدم الإيثار أو كاد، وضلّ الناس طريقهم، فذُلَّ المسلمون بعد عزّ، وضعفوا بعد قوة، وأصبحوا فِرَقًا وأحزابًا بعد أن كانوا أُمَّة واحدة قوية فَتِيَّة لها وضعها ومكانتها.

إن غرس مبادئ التربية الإسلامية في نفوس الصغار يعمل على تحقيق الهدف المنشود من وجود الإنسان على الأرض؛ وهو عبادة الله وتزكية النفوس، وجعل مستوى العبادة في مستوى الاستحقاق، إلى جانب تحقيق معنى الأخوة والمودة والمحبة بين المسلمين، والعمل على تكوين أجيال مؤمنة بالله، متمسكة بقِيَم الإسلام وتعاليمه، مُسايرة لروح العصر، صامدة أمام التحديات التي تُواجه المجتمعات الإسلامية، ومن المعلوم لدى القاصي والداني تأثير البيئة المباشر على سلوك الفرد وتوجهاته، كتأثير التربة في النبات، فالنشء وُلِدَ على الفطرة السليمة، ونور الهداية في قلبه، فإن تُرِكَ وشأنه فإنه على الفطرة، لكنّه بحاجة إلى مَن يُنمِّي تلك الفطرة ويُقوّيها؛ ولن يتم هذا إلا من خلال تعليمه مبادئ التربية الإسلامية الصحيحة المُستمَدة من تعاليم القرآن الكريم والسنة الصحيحة.

بناء الشخصية المسلمة في المرحلة المكية

قام النبي صلى الله عليه وسلم  ببناء الشخصية المسلمة القادرة على تحمُّل الصعاب والصبر، وكان الهدف من بناء هذه الشخصية هو إعداد الركن الأول من أركان الدولة الإسلامية؛ ألا وهو الشعب المسلم، وقد أثمرت هذه التربية أبطالًا خلَّد التاريخ بطولاتهم، وثباتهم على عقيدتهم، مهما كلفهم ذلك من الثمن، حتى ولو كان الثمن إزهاق أرواحهم الطاهرة.

ومن أبرز الأهداف التي غرسها النبي صلى الله عليه وسلم  في نفوس أصحابه: تحقيق الوحدانية المطلقة لله -عز وجل-، وتحرير عقولهم من أغلال الخرافة والأوهام، وربط حياتهم بالأقدار الإلهية، وتزكية أنفسهم وتحليتها بالأخلاق الحسنة، وتطهيرها من دنس الشرك، وسيئ الأخلاق، فعن عبد الله بن معاوية -رضي الله عنه-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «ثلاثٌ مَنْ فَعَلَهنَّ فقد طَعِمَ طَعْمَ الإيمان؛ مَنْ عَبَدَ الله وحدَه وأنَّه لا إله إلا الله، وأعطى زكاةَ مالِه طيبةً بها نفسُه، رافدةً عليه كل عام، وَلَا يُعْطِي الْهَرِمَةَ[1]، وَلَا الدَّرِنَةَ[2]، وَلَا الْمَرِيضَةَ، ولا الشَّرَطَ اللَّئيمةَ[3]، وَلَكِنْ مِنْ وسَطِ أَمْوَالِكُمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهَ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بشرِّه»[4]، وزاد الطبراني: «وَزَكَّى نَفْسَهُ»، فَقَالَ رَجُلٌ: وَمَا تَزْكِيَةُ النَّفْسِ؟ فَقَالَ: «أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- مَعَهُ حَيْثُ كَان»[5].

 هذه الأهداف كانت نتيجة للقدوة الحسنة؛ حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم  بادئًا بتطبيقها على نفسه قبل غيره، لقد كان نموذجًا بشريًّا متكاملًا في جميع المراحل، قادرًا -بفضل الله- على صياغة تعاليم الإسلام إلى واقع مُشاهَد، يُعرَف من خلال أقواله وأفعاله؛ فهو الداعي إلى الله -عز وجل- بالحكمة والموعظة الحسنة، لا يتفوق عليه أحدٌ في ذلك، وهو المُعلِّم، والزوج المثالي، وفوق ذلك فهو أعدل القضاة، وأشجع المجاهدين.

 إن أثر تربية النبي صلى الله عليه وسلم  للصحابة من خلال القدوة الحسنة كبير؛ أدّت إلى ظهور جيل كامل من القادة والمربين الذين حملوا رسالة الإسلام إلى العالم، فقد ربَّى النبي صلى الله عليه وسلم  جيلًا ربانيًّا تميَّز بعلوّ الهمة، والإيمان الراسخ، والمحبة والتعاون، وقد انعكس ذلك في قدرتهم على الدعوة والقيادة والإدارة والجهاد، مما أسَّس لنهضة الأمة الإسلامية.

دور المسجد في تحقيق التربية الأخلاقية والاجتماعية

إن المسجد النبوي الذي أُسِّس على التقوى هو مصدر الانطلاقة الأولى لدعوة الإسلام، على منبره يُعلَّم الإيمان والعمل الصالح، وعلى أرضه الطاهرة تُؤدَّى الصلوات. وكان مصدر التوجيه الروحي والمادي؛ فهو ساحة للعبادة، ومدرسة للعلم، تنصهر فيه النفوس، وتتجرد من علائق الدنيا وفوارق الرتب والمناصب، وحواجز الكِبْر والأنانية، وسكرة الشهوات والأهواء، ثم تتلاقى في ساحة العبودية الصادقة لله -عز وجل-، لذلك حضَّ النبي صلى الله عليه وسلم  على أداء الصلاة في جماعة، فعن أبي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، قال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِد، لاَ يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلاَةُ، لَمْ يَخْطُ خطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ المَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْه، مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْه، اللَّهُمَّ ارْحَمْه، وَلاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاَة»[6].

وذلك لأن من أهم أهداف الصلاة في جماعة داخل المسجد: مضاعفة الأجر، وتعليم الجاهل، وتحقيق التعارف والتآلف بين المسلمين، وغرس أصول المحبة والودّ في قلوبهم، وتغذية أرواحهم بالقرآن، وتربية نفوسهم بالإيمان، والصبر على الأذى، والإعانة على نوائب الدهر، والسُّموّ بالمسلم إلى مصافِّ الملائكة المقربين.

إن الصحابة الأجلاء الذين بذلوا الغالي والنفيس فداءً لهذا الدين قد تمَّت تربيتهم في المسجد، وكانوا بحق على مستوى المسؤولية، صدقًا في الكلام والفعل، طهارة في القلب، نظافة في اليد، نقاءً في السريرة، وفاءً بالعهد، شجاعة في الحق، ولهذا نصرهم الله على أنفسهم وأعدائهم، واستحقوا بذلك ثناء الله -عز وجل- عليهم، قال الله -عز وجل-: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23).

دور القِيَم الدينية ونظام الحسبة في وقاية الفرد والمجتمع من الجريمة

إن الإسلام يهدف إلى إعمار الدنيا بالدين، وتفعيل الجانب المعنوي لإعمار الجانب المادي، فلا تظهر بركة النور الإلهي إلا في الأعمال الصالحة، واجتناب التصرفات الطالحة، ولقد اهتم الإسلام اهتمامًا خاصًّا بتهذيب الأفراد والجماعات من براثن الجريمة، والاعتداء على الغير بالقول والفعل، يؤكد هذا النبي صلى الله عليه وسلم  قائلًا: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْه»[7]؛ فالدين فِعْل وتَرْك، عَمَلٌ وكَفّ، فالمنهيات لم تُشرَع إلا ليسود الأمن، ويُحفظ النظام، وتحيا الفضيلة، وتصح الأجسام والعقول، وتُصان الحقوق والأموال.

ولا يقترف المسلم هذه المنهيات إذا كان في داخله وازع ديني يدفع صاحبه لاجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، حتى يُنَقِّي نفسه ويزكيها أمام الله -عز وجل-، لأنه يستشعر أن الله مُطّلع عليه، ومحيط به، وبذلك يصل المسلم باجتنابه لهذه المنكرات إلى مقام الإحسان الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم  حينما سُئل عنه قائلًا: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»[8].

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أساس التربية الإسلامية، به تُدفَع أسباب الهلاك، ويتحقق الأمن والاستقرار، ويُقضَى على الجرائم والمنكرات؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَان»[9].

وقال أبو حامد الغزالي: «والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المُهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طُوِي بساطه، وأُهمل عِلْمه وعَمَله لتعطَّلت النبوة، واضمحلَّت الديانة، وعمت الفترة، وفشَت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد واتَّسع الخرق، وخرُبت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد»[10].

إن التربية الإسلامية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما سفينة المجتمع التي تحميه من الغرق، وتأخذ بيده إلى شاطئ النجاة، ولا صلاح ولا فلاح لأُمَّة الإسلام إلا إذا تمسكت بهذين الأمرين.

اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 


 


[1] الْهَرِمَة: الضعيفة من الكِبَر. (تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم لمحمد بن فتوح الأزدي، ص36، مكتبة السنة، القاهرة، مصر، ط: الأولى، 1995م).

[2] الدرنة: أَرَادَ الدون الردية. (الفائق في غريب الحديث للزمخشري، 2/361، دار المعرفة، لبنان، ط: الثانية).

[3] وَلَا الشَّرَط اللَّئيمة: أَي: رُذَال المال، وَقِيل: صِغاره وشِرَاره. (النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 2/460، المكتبة العلمية، بيروت، 1979م).

[4] أخرجه أبو داود في سننه، كتاب: الزكاة، باب: في زكاة السائمة، 3/32، ح رقم: (1582)، دار الرسالة العالمية، ط: الأولى، 2009م، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، وقال: حديث صحيح.

[5] أخرجه الطبراني في المعجم الصغير 1/334، ح رقم: (555)، المكتب الإسلامي، دار عمار- بيروت، عمان، ط: الأولى، 1985م.

[6] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الجماعة والإمامة، باب: فضل صلاة الجماعة، 1/131، ح رقم: (647)، دار طوق النجاة، ط: الأولى، 1422هجرية.

[7] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الإيمان، باب: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، 1/11، ح رقم: (10)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

[8] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الإيمان، باب: سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة، 1/19، ح رقم: (50)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[9] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: الإيمان، باب: بَيَانِ كَوْنِ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبَان، 1/69، ح رقم: (49)، عن أبي سعيد الْخُدْرِي رضي الله عنه، دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.

[10] أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين ٢/٣٠٦.

أعلى