كيف استطاعت إيران، عبر تاريخها الطويل وثقافة التفاوض القائمة على الصبر وتعدد مراكز القرار، تحويل المفاوضات مع القوى الكبرى إلى أداة استنزاف سياسي وزمني تحفظ بها نفوذها وتمنع خصومها من تحقيق حسم أو فرض شروط قاطعة؟
إيران ليست مجرد دولة، فرغم شيعيتها وحَنقها على محيطها الإقليمي؛ إلا أن ذلك لا
يُخرجها عن كونها حضارة ذات جذور، صهرت جيناتها في بوتقة الحروب والصراعات، فصارت
تنتقل من جيل إلى جيل.
لذلك فإن تحليل اللحظة الآنية من الحرب الدائرة بينها وبين الولايات المتحدة،
يستدعي التاريخ بقَدْر ما يستدعي كل الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية في ذلك
الصراع.
غير أننا سنركّز على نَسَق التفاوض؛ فإدارة الصراع السياسي في شقّه التفاوضي لا يقل
أبدًا عن إدارته في معاركه العسكرية.
في آخر تصريحاته يقول الرئيس الأمريكي ترمب: «الإيرانيون يتفقون معنا على أشياء، ثم
يتراجعون عنها. إيران لديها معتدلون ومجانين كما هو الحال في الولايات المتحدة.
إيران أبلغتني بوضوح أنها تعتزم أن تمنحنا الغبار النووي».
وإشكالية الرئيس ترمب أنه يبدو منقطعًا عن إرث أسلافه من الرؤساء الذين دأب على
السخرية منهم والاستهزاء بهم، لكنّه لم يُكلِّف نفسه الاستفادة من إخفاقاتهم؛ إذا
تم التسليم بأنها إخفاقات.
ونعني بذلك أن المفاوضات بين أمريكا وإيران لم تكن حدثًا طارئًا جديدًا؛ فقد استمرت
قبل دخول ترمب للبيت الأبيض أكثر من عقد من الزمان، تناوب عليها عدد من الرؤساء
الأمريكيين حتى وصلت للحظة التوقيع على الاتفاق النووي عام 2015.
سنوات طوال بدأتها إيران بالتفاوض مع القوى الغربية «مجموعة 5+1»، واستمر أكثر من
12 عامًا، كل ذلك وهي تحت حصار خانق، وأزمات اقتصادية وضغوط داخلية تظهر كل فترة في
شكل مظاهرات أو اضطرابات سياسية. لكن كل ذلك لم يدفعها إلى العَجَلة أو التوقيع على
اتفاق سريع يُنهي حالة الحصار الاقتصادي والعقوبات التي وُقِّعت عليها.
إنها جذور التاريخ التي أثمرت النمط نفسه، وإن تغيَّرت الأسماء والشخصيات، لقد خاض
الفرس حروبًا طويلة مع الرومان قديمًا، ثم مع العثمانيين والروس حديثًا، وصولًا إلى
الحرب الأمريكية الأخيرة. كل تلك الحروب التي استمرت لقرون طويلة، جعلت من الشخصية
الإيرانية نموذجًا تفاوضيًّا بامتياز؛ فالحروب مهما كانت نتائجها العسكرية لا
تُكلَّل بالنصر أو تُوصَف بالهزيمة إلا بتوقيعات السياسيين خلف الغُرَف المغلقة.
في كتابه «قوة التفاوض» الصادر بالفارسية عام 2023، يكشف عباس عراقجي جانبًا من
الفلسفة التفاوضية الإيرانية القائمة على النَّفَس الطويل، واستنزاف الخصم سياسيًّا
وإرهاقه نفسيًّا.
ويربط عراقجي هذه المقاربة بما يسميه في الفصل السادس من كتابه بـ«مساومة البازار»؛
أي إبقاء باب التفاوض مفتوحًا حتى اللحظة الأخيرة دون حسم نهائي سريع.
هذا المفهوم المستمَدّ من تجربة تجارة السجاد الإيرانية، لا يُقدّمه عراقجي بوصفه
صورة ثقافية مستوحاة من تجارة السجاد الإيراني فحسب، بل باعتباره أسلوبًا عمليًّا
في إدارة التفاوض أوصى به الدبلوماسيين الإيرانيين. إذ لا يقول الإيراني «لا»
مباشرةً، بل يقول «نعم، ولكن...»، ثم يبدأ بإغراق الاتفاق في شروط التنفيذ
والتفاصيل القانونية والتوازنات الداخلية.
وبمرور الوقت يكتشف الطرف الآخر أنه لم يقترب من الحل، بل دخل متاهة.
أما أسلوب السجادة الإيرانية في التفاوض فهو يعتمد على استعارة معاني الصبر
الإستراتيجي؛ فالسجادة اليدوية قد يستغرق صُنعها سنوات، وتُمثّل كل عقدة فيها جزءًا
أصيلًا من المشهد العام الكامل، ويتوزع على صُنعها جملة من المحترفين المهرة، كل
واحد منهم يعلم دوره جيدًا وهو يخدم به رفيقه الآخر، فلا يتعارضون في الظاهر إلا
بقدر إنجاح المُنتَج العام في شكله النهائي.
وسياسة تعدُّد مراكز القرار هذه ليست فوضى؛ إنها هندسة سياسية متقنة. فالقوى الكبرى
تتعامل عادةً مع الدول التي فيها مركز قرار واحد وواضح، يمكنك الضغط عليه أو إغرائه
أو تهديده.
أما حين تتوزع مراكز القرار بين المرشد والمؤسسة الدينية والحرس الثوري والمؤسسات
السياسية مثل البرلمان، فأنت تحتاج أن تُرضي الجميع لتحصل على شيء في النهاية،
وكلما أرضيت طرفًا، خرج طرف آخر معترضًا، واضعًا خطوطه الحمراء التي لا يمكنه
تجاوزها.
عراقجي يقول للأمريكيين: «أنا موافق، لكنني أحتاج أن أقنع الحرس الثوري». وقاليباف
يُلوّح بالانفتاح، بينما يخرج المتشددون ليضعوا شروطهم ويعلنون أن لا تنازل.
الوقت المستقطع في هذه الحلقة المفرغة ليس وقتًا ضائعًا في نظر طهران؛ بل إنه وقت
تُعيد فيه ترتيب الأوراق، وتنتظر تغيير الإدارة الأمريكية، وضغوط الانتخابات
البرلمانية القريبة، وتتابع كيف يتحرَّك الحلفاء والخصوم في المنطقة.
إيران ليست دولة تتفاوض لتُوقِّع على ما لا تقبله. إيران دولة تتفاوض لتبقى في
اللعبة، وما دامت اللعبة مستمرة، فهي تَعُدّ ذلك انتصارًا. وهذا هو سرّ الخلطة
الإيرانية؛ إنها تريد أن يستمر التفاوض ويبقى نظامها، وفي الاستمرار بقاء قوتها
ومكانتها.
والعالم من الرومان القدامى إلى الرومان الجدد، قد يهزمون الفرس في المعارك
العسكرية، لكنهم في كل مرة يجدون أنفسهم أمام حقيقة صعبة ومتاهات متشابكة تُدخلهم
في دائرة استنزاف زمني، فتجعل منهم وجبة قد تبدأ ساخنة، لكنها تنتهي باردة على
مائدة المفاوضات الإيرانية.