• - الموافق2026/04/21م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
اليوم التالي للحرب على إيران!

إلى أين تتجه المنطقة بعد حرب إيران، وكيف غيّرت هذه المواجهة قواعد اللعبة بين القوى الكبرى والمحاور الإقليمية، وما السيناريوهات المحتملة لمستقبل النفوذ والصراع، وهل نحن أمام ولادة نظام جديد يعيد توزيع القوة والهيمنة عالميًا وإقليميًا؟


يُعدّ رَصْد التغيرات الإستراتيجية المتوقَّعة بعد حرب إيران ضروريًّا لفَهْم معالم الصراع الدائر حاليًّا؛ سواء على مستوى الإقليم والمنطقة، وتنافُس القوى التي تتطلع إلى الزعامة وفرض مشاريعها، أو على صعيد النظام الدولي وترتيب القوى العالمية داخل هذا النظام.

ومحاولات فَهْم مآلات الأحداث ورَصْد المتغيرات المتوقَّعة الناتجة عن هذه الحرب يُجنِّبنا كثيرًا من المفاجآت، ليتمكّن المعنيون من الذين لديهم طموحات وأهداف كبرى من اتخاذ قرارات سياسية واقتصادية أكثر دقة وفعالية، خاصةً في بيئة إستراتيجية مُتقلّبة وحسَّاسة مثل منطقتنا.

فتلك الحرب -التي بدأت بهجوم أمريكي-صهيوني مشترك في 28 فبراير 2026م- ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي تحوُّل إستراتيجي يمكن أن يُعيد رسم خريطة الشرق الأوسط والعالم لسنوات قادمة.

وربما يتوقّف استشراف مآلات أوضاع المنطقة إلى حدّ كبير على ما ستؤول إليه الحرب التي شنّها التحالف الأمريكي-الصهيوني على إيران، والتي غالبًا ستتوقف بعد الهدنة، طال الوقت أم قصر، سواء إذا توصَّل الطرفان إلى صيغة تُحقّق بعض أهدافهما من الحرب، أو حتى إذا فشل الفريقان في إيجاد صيغة توافق، وتجدَّدت الحرب لتتحوَّل إلى نزيف لمُقدّراتهما، وحينها يتغيَّر وضع الحصار الأمريكي الصهيوني على إيران إلى وَضْع أشبه بوضع غزة الحالي.

والسؤال الأهم الآن: كيف نرصد التغيُّرات المتوقعة بعد الحرب، سواء على صعيد التنافس الإقليمي وإعادة تشكيل المنطقة، أو على مستوى الصراع العالمي وترتيب القوى في النظام الدولي؟ 

ولكننا في البداية يجب علينا تحديد الاقتراب الأمثل لفَهْم المتغيرات المتوقعة للنظام الإقليمي والدولي.

خارطة طريق

جوهر التفكير الإستراتيجي السليم في التعامل مع أزمات بهذا الحجم، يتم عبر مسارين متوازيين ومتكاملين:

المسار الأول (العدسة أو الإطار النظري): وهو تحديد الاقتراب الأمثل، وهو الاقتراب السياسي الذي يدمج بين مستويين؛ المستوى الدولي (مثل: التنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، وكيف تُوظّف هذه القوى الحرب لتعزيز نفوذها أو استنزاف خصومها)، والمستوى الإقليمي (مثل مَن له مشروع يرغب من خلاله في رسم شرق أوسط جديد، ومَن يحاول تعطيل ذلك المشروع، وإيجاد بديل سُنّي؛ يُخرج المنطقة من ثنائية التنافس الشيعي الصهيوني).

هذا المسار يجيب عن سؤال: لماذا تتصرّف الدول والمحاور بهذه الطريقة؟ وما هي إستراتيجيتها الكبرى؟

أما المسار الثاني (لوحة القياس أو المؤشرات): وهو رَصْد الواقع العملي والأحداث اليومية.

الإطار النظري في المسار الأول بدون مؤشرات واقعية يبقى تنظيرًا أكاديميًّا مجردًا.

والمؤشرات (مثل: تحركات الأساطيل، وتغيُّر أسعار السلع الإستراتيجية كالذهب والنفط...) بدون إطار نظري تبقى مجرد أخبار يومية مُشتِّتة لا تصنع رؤية.

والربط بين المسارين هو ما يمنح المُحلّل أو صانع القرار القدرة الحقيقية على الاستشراف المبكر، بحيث لا يُفاجَأ بنتائج الحرب، بل يراها تتشكل أمامه من خلال البيانات (المؤشرات) التي يضعها داخل القالب الصحيح (الاقتراب).

تأثير الحرب على ترتيب النظام الدولي

لتحليل أثر الحرب على إيران (التي اندلعت شرارتها الكبرى في ٢٨ فبراير 2026م) في الصراع على إعادة صياغة جديدة لترتيب القوى في النظام الدولي، يجب أولًا فَهْم شكل هذا النظام الذي كان قائمًا قبلها.

نحن نتحدَّث عن نظام كان يَمُرّ بمرحلة مخاض عسير للانتقال من الأحادية القطبية إلى تعددية قطبية غير مستقرة.

فقبل فبراير 2026م، كان العالم محكومًا بأربعة أقطاب تتصارع على قواعد اللعبة وليس فقط على النفوذ: أمريكا والصين وروسيا وأوروبا.

فالولايات المتحدة باعتبارها القطب المهيمن، كانت في وضع دفاعي وسعي للحفاظ على نظام القواعد العالمي القائم على الدولار والتحالفات العسكرية.

ولذلك انصبّ تركيزها الأساسي على احتواء الصين تقنيًّا، مثل ما شاهدناه في حرب الرقائق والذكاء الاصطناعي.

وفي نفس الوقت، سعت الولايات المتحدة إلى استنزاف روسيا في أوكرانيا دون الدخول في مواجهة مباشرة.

أما الصين، باعتبارها القطب الصاعد والمتحدي، فقبل الحرب على إيران، كانت قد قاربت على الوصول لمرحلة الندية الإستراتيجية، بسيطرتها على سلاسل التوريد العالمية، وسعيها لفرض عملتها كبديل للدولار.

لذلك تجنَّبت الصين الصراعات العسكرية المباشرة، وركزت على التوسع الجيواقتصادي عبر مبادرة (الحزام والطريق)، مع بناء تحالفات صلبة في الجنوب العالمي مثل بيريكس.

ثم نذهب إلى روسيا باعتبارها القطب المشاكس والمزعزع.

فهذه الدولة كانت غارقة في حرب استنزاف في أوكرانيا دخلت عامها الخامس، لكنها نجحت في تحويل اقتصادها إلى اقتصاد حرب يصمد أمام العقوبات.

لقد أراد الروس كسر الهيمنة الغربية بأيّ ثمن، وتحويل الشرق الأوسط وإفريقيا إلى جبهات إشغال للغرب، خاصةً بعد النكسة التي حدثت لهم في سوريا.

وأخيرًا أوروبا التي يمكن وَصْفها بأنها القطب التابع القَلِق.

فأوروبا عانت من فجوة طاقة وتراجُع في التنافسية الصناعية (أسعار الكهرباء في أوروبا كانت ضعف أسعارها في أمريكا عام 2025م).

ولذلك جاءت مواقفها متذبذبة بين الرغبة في الاستقلال الإستراتيجي، والخوف من التخلّي الأمريكي عنها أمام التهديد الروسي.

ثم جاء الهجوم على إيران، وما تبعه من الهجوم الإيراني على الخليج.

لقد كانت هذه الحرب بمثابة المُحفّز الكيميائي الذي سرَّع من تفاعلات النظام الدولي، وأحدثت صدمة في النظام العالمي، كانت بمثابة زلزال جيوسياسي أدَّى إلى تسريع وتيرة الصراع على إعادة تشكيل النظام الدولي.

هذه الحرب لم تكن مجرد صراع إقليمي، بل تحوَّلت فورًا إلى ساحة تصادم للمصالح الإستراتيجية الكبرى، خاصةً بعد إغلاق إيران لمضيق هرمز.

أثَّرت هذه الحرب على موازين القوى بين الأقطاب الأربعة الكبار في النظام الدولي (أمريكا وروسيا والصين وأوروبا):

بالنسبة لأمريكا، فقد أثَّرت الحرب عليها سلبيًّا من جانبين:

١- فقد أجبرتها الحرب على العودة بكامل ثِقَلها العسكري إلى الشرق الأوسط، مما أرْبَك إستراتيجيتها الكبرى المتمثلة في الاستدارة نحو آسيا؛ لاحتواء الصين.

٢- كما أن التدخل العسكري الواسع، الذي شمل إطلاق آلاف الذخائر المتقدّمة؛ أدَّى إلى استنزاف خطير في المخزونات الإستراتيجية الأمريكية، مما وضَعها أمام خيارات صعبة للموازنة بين تسليح الكيان وحلفائها في الشرق الأوسط، وبين دعم أوكرانيا أو تسليح تايوان.

أما روسيا، فقد مثّلت الحرب طوق نجاة إستراتيجي واقتصادي لها.

فمن جهة، أدَّى إغلاق مضيق هرمز إلى صدمة طاقة عالمية رفعت أسعار النفط بشكل حادّ، مما وفَّر سيولة مالية ضخمة لتمويل آلة الحرب الروسية.

ومن جهة أخرى، أدَّى انشغال أمريكا في الشرق الأوسط واستنزاف ذخيرتها إلى تراجُع الاهتمام والدعم الغربي لأوكرانيا، مما أدَّى إلى انهيار مساعي السلام التي كانت تقودها الإدارة الأمريكية بين كييف وموسكو.

علاوةً على ذلك، عزَّزت روسيا موقعها كلاعب دولي مُتمرِّد عبر تكثيف تصدير الأسلحة إلى طهران.

وبالنسبة للصين، تُعدّ الرابح الأكبر إستراتيجيًّا فقد استفادت من تلك الحرب، عندما وفَّر الغرق الأمريكي في رمال الشرق الأوسط مُتنفَّسًا لها لتعزيز نفوذها في المحيطين الهندي والهادئ دون ضغط أمريكي مكثَّف.

واقتصاديًّا، بدعمها العسكري الخفي لإيران، منعت أو صعَّبت على أمريكا تحكُّمها في نفط إيران، والتي تحكمت سابقًا في نفط فنزويلا، علمًا بأن الصين تستورد ما يقرب 13% من احتياجاتها النفطية من إيران.

كذلك بدورها الرئيس في الهدنة؛ رسَّخت الصين نفسها كقوة استقرار دبلوماسية في المنطقة دون إطلاق رصاصة واحدة.

وأخيرًا أوروبا، وجدت نفسها في قلب العاصفة مجددًا.

اقتصاديًّا، عاد شبح أزمة الطاقة والتضخم بقوة بعد تعطل إمدادات النفط والغاز عبر الخليج وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري أمنيًّا وعسكريًّا، مما أجبر بعض الدول الأوروبية على التدخل المباشر (مثل: إرسال قوات للدفاع عن قبرص ضد الضربات الإيرانية)، بينما تعاني القارة من تراجُع الضمانات الأمنية الأمريكية في الجناح الشرقي (أوكرانيا)، مما يُسرّع من مطالبات الاستقلال الإستراتيجي الأوروبي وتأسيس جيش أوروبي مُوحَّد.

الخلاصة: الحرب على إيران، من خلال هذه الاستعراض، أصبحت مُختبرًا لهدم وإعادة بناء النظام الدولي، وترتيب القوى الجديد داخل نظام بدأ يتشكل الآن على النحو التالي:

أمريكا: كقوة عسكرية عظمى، صارت تعاني من تصلُّب الشرايين المالي، وصعوبة في الحسم التقني، وفقدان القدرة على الحسم العسكري.

والصين: بدأت في سلوك طريق الهيمنة الصامتة، واختبار نظام عبر وكلاء إقليميين.

وروسيا: نجحت حتى الآن في استنزاف الغرب في جبهات متعدّدة لتعزيز نفوذها العالمي.

وأوروبا: عبر الابتعاد عن الحليف التاريخي الأمريكي تحاول النجاة وسط تصادم العمالقة.

هذا التشابك بين محاولات تغيير النظام المالي العالمي، وإعادة تعريف الحسم العسكري، هو ما يرسم ملامح اليوم التالي للحرب على مستوى النظام الدولي. عالم منقسم لن يعود للأحادية القطبية أبدًا.

وفي نفس الوقت، وبما أن فصول الحرب لا تزال تجري رغم الهدنة، فإن تقييم الوضع الإستراتيجي النهائي للقوى الكبرى بالتراجع أو التقدم لا يزال مبكرًا.

 

ولكن ما هي المتغيرات التي يمكن أن تحدث في النظام الإقليمي بعد الحرب؟

نظام إقليمي جديد

لفهم طبيعة التغيرات المنتظرة للإقليم بعد الحرب؛ يجب علينا النظر عبر مسارين: واقع المنطقة قبل الحرب، ومؤشرات التغيير.

قبيل الحرب على إيران، كان واقع المنطقة مقسمًا بين نفوذ محورين رئيسين (الشيعي والصهيوني)، ومحور ثالث بادئ في التشكل (المحور السني).

أولًا: المحور الشيعي

تقوده إيران عبر أذرع في لبنان والعراق واليمن، وكان قد بدأ يدخل في مرحلة من الضعف؛ حيث تمثلت الخسارة الكبرى في ضعف وحدة الساحات التي كان المحور يراهن عليها، في ظل واقع جيوسياسي جديد فرضته التغيرات الميدانية في سوريا، والضغوط التكنولوجية والعسكرية المكثَّفة.

ويُعدّ سقوط النظام السوري في أواخر عام 2024 الضربة الأقسى للمحور، وترتَّب عليها، انكسار العمق الجغرافي، وفقدان حلقة الوصل البرية الحيوية التي تربط طهران وبغداد ببيروت عبر دمشق.

وتحوَّلت سوريا من دولة حليفة ومرتكز أساسي للعمليات والإمداد إلى بيئة سياسية وعسكرية معادية.

كما ترتَّب على ذلك تفكُّك القواعد العسكرية، وفقدان المطارات والقواعد التي كانت تُستخدَم لتخزين وتمرير الأسلحة المتطورة.

وفي نفس الوقت، واجَه ذراع إيران الأقوى: حزب الله ضغوطًا غير مسبوقة، أدَّت إلى تراجُع قدراته العملياتية، بتآكل القيادة والسيطرة، عند اغتيال عدد كبير من القادة العسكريين والميدانيين من الصف الأول والثاني.

كما تم استهداف مكثَّف لمخازن الصواريخ الدقيقة ومنصات الإطلاق، مما قلَّص من قدرة الردع التقليدية التي كان يتمتع بها الحزب.

في الوقت الذي تصاعدت الأزمات الاقتصادية والسياسية في لبنان، مما زاد من صعوبة الحفاظ على الحاضنة الشعبية والتموضع العسكري المفتوح.

أما الخسارة الثالثة لإيران، فكانت في التراجع التكنولوجي والاستخباراتي، نتيجة للاختراقات الأمنية؛ حيث تعرَّض المحور لسلسلة من الإخفاقات الاستخباراتية التي كشفت خطوط الإمداد والتموضع، مما جعل التحركات العسكرية تحت مرصد الخصوم بشكل دائم، في ظل السيطرة الجوية المطلقة للجانب الآخر، واستخدام الذكاء الاصطناعي في تنفيذ عمليات دقيقة، أدَّت إلى تحييد الكثير من عناصر القوة التقليدية للمحور.

ثانيًا: المحور الصهيوني

كان المحور الصهيوني قبل الحرب التي بدأت في 28 فبراير 2026م، في ذروة استعداده لكسر قواعد الاشتباك القديمة، والانتقال إلى المواجهة المباشرة مع رأس المحور الخصم، معتمدًا على شبكة تحالفات تقنية وعسكرية تمتد من المتوسط إلى المحيط الهندي.

ويمكن تصنيف الدول والكيانات التي تُشكّل هذا المحور (أو تتقاطع معه إستراتيجيًّا) ضمن دوائر متداخلة.

أهمها النواة الصلبة، وتتمثل في الدولة الصهيونية، باعتبارها المركز والمُنسِّق العملياتي، وهناك الهند الشريك الإستراتيجي الأكبر من خارج الإقليم، وتُعدّ الرئة الاقتصادية والتقنية للمحور، وتوجد أيضًا اليونان وقبرص، وتمثلان العمق المتوسطي، وبوابة الربط مع أوروبا، مع تعاون عسكري وأمني وثيق في شرق المتوسط، وأخيرًا الإمارات والبحرين اللذان يمثلان الجناح العربي المستقر في اتفاقات إبراهيم، مع تركيز على الأمن البحري والاستخباراتي المشترك.

تركّزت إستراتيجية هذا المحور، الذي تبلور بوضوح في مطلع عام 2026م، على مبدأ التغيير الجذري للواقع الإقليمي بدلًا من مجرد احتواء التهديدات. فهدفت تحركاته إلى إنهاء عصر الحروب بالوكالة والانتقال إلى مواجهة مباشرة تضمن سيادة تقنية وعسكرية طويلة الأمد.

كانت الإستراتيجية المُعلَنة لهذا المحور، إعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة لعدة عقود قادمة.

ثالثًا: المحور السني

قبل اندلاع الحرب، كانت خارطة التحالفات في الشرق الأوسط تشهد حراكًا مُكثَّفًا لتشكيل ما عُرِفَ بالمحور السني، وهو تحالف سعى لإعادة التوازن في المنطقة بعيدًا عن الاستقطاب التقليدي: إيران مقابل الكيان الصهيوني.

تشكَّل هذا المحور من نواة صلبة ودول داعمة، وضمت بشكل أساسي: تركيا والتي مثلت القوة المُحرّكة لهذا التكتل، مستخدمةً قوتها العسكرية والدبلوماسية لتجميع الأطراف، كما ضمّ المملكة العربية السعودية كقوة اقتصادية ومركز ثِقَل ديني وسياسي، وهناك أيضًا باكستان والتي وفَّرت العُمْق الإستراتيجي والقدرات العسكرية النوعية.

كما شاركت كلّ من قطر ومصر بتنسيق متزايد، رغم تفاوت درجات الانخراط؛ لضمان الاستقرار الإقليمي وإدارة ملفات مثل غزة وليبيا والسودان.

كانت هناك أربعة أهداف لهذا المحور تمثلت في: ملء الفراغ الإستراتيجي، ومنع الصدام الشامل، ومواجهة الهيمنة والعربدة الصهيونية.

ولكن من أهم الأهداف، تلك التي تتعلق بالاستقلال الإستراتيجي، وتقليل الاعتماد على القوى العظمى وبناء نظام دفاعي وأمني ذاتي، يُعالج قضايا المنطقة بأيدي أبنائها.

كذلك اعتمد هذا المحور أربع إستراتيجيات: التنسيق الدفاعي النوعي، والدبلوماسية الاستباقية، والتكامل الاقتصادي، والتحالف المتعدد، بالحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الصاعدة (مثل الصين وروسيا والهند) دون الدخول في عداء مباشر مع الغرب.

ثم جاءت لحظة الحرب

تُعدّ حرب 28 فبراير 2026م نقطة تحوُّل إستراتيجية كبرى، أعادت رسم موازين القوى في الشرق الأوسط بشكل جذري؛ حيث انتقلت المواجهة من حرب الظل والوكلاء إلى الصدام المباشر والشامل بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والكيان من جهة أخرى.

فقد شهد المحور الشيعي الزلزال الأكبر نتيجة الضربة الافتتاحية والعمليات اللاحقة.

وسرعت الحرب تراجعه الذي بدأ منذ 2023- 2024م، وأدخلته في مرحلة الدفاع عن النفس أو الصمود الإستراتيجي، بدلًا من التوسُّع أو الردع الفعّال.

لقد حاولت أذرع المحور (حزب الله، والميليشيات العراقية، والحوثيون)، دعم إيران بهجمات محدودة (صواريخ ومسيّرات على الكيان الصهيوني وقواعد أمريكية)، لكنها لم تُغيِّر المعادلة بشكل جذري، وتعرَّضت لضربات مضادة.

وتبدو مؤشرات التراجع الأكثر وضوحًا، في المجال القيادي والعسكري، ويظهر في اغتيال كل من خامنئي وقيادات الجيش والحرس الثوري، كما يظهر تدمير أو تعطيل أكثر من 190 قاذف صواريخ بالستي (نحو 50% من المخزون النشط)، بالإضافة إلى مئات الصواريخ في المستودعات قبل إطلاقها، ومنشآت الإنتاج.

رغم أن إيران نجحت في امتصاص الضربة الأولى وإطلاق ردود صاروخية أثَّرت على (إسرائيل) والخليج (مما تسبَّب في خسائر جانبية)، إلا أن الخسائر الإستراتيجية كانت غير متكافئة. فالمحور خرج أضعف عسكريًّا (فقدان قدرات ردع تقليدية)، وقياديًّا (فراغ في القمة)، واقتصاديًّا (تدمير بنى تحتية حيوية). هذا أدَّى إلى تحوُّل الحرب إلى استنزاف طويل، مع صعوبة في استعادة التوازن السابق.

هناك بعض النقاط الإيجابية المحدودة، مثل استمرار التنسيق بين الأذرع من خلال هجمات مشتركة (حوثيون، وحزب الله، وحرس ثوري) على أهداف داخل الكيان، وهو ما يُظهر بعض القدرة على الرد الرمزي. كذلك، لا يزال الصمود الطائفي والشبكات الاجتماعية قويًّا، مما يسمح بإمكانية إعادة بناء النفوذ في المستقبل.

وأخيرًا، تحوَّل المحور شكليًّا من محور جغرافي مترابط، إلى جبهات مسلحة أكثر مرونة تقاوم الانهيار، لكنّه لم يتحقق حتى الآن الهدف الإستراتيجي الأمريكي، وهو إنهاء طموحات النظام الإيراني الإقليمية. والاستخبارات الأمريكية نفسها أقرَّت في تقرير صدر في مارس 2026م، بأن النظام ليس مُعرَّضًا لخطر الانهيار الوشيك، ما لم يحدث غزو بري شامل، وهو أمر لا يزال التحالف مترددًا بشأنه؛ نظرًا لتكلفته البشرية والسياسية الهائلة، وربما هذا الأمر الذي عجَّل بهدنة السابع من أبريل.

أما المحور الصهيوني، فقد شهد في أثناء تلك الحرب حالة مُعقَّدة من الاهتزاز التكتيكي المُؤقَّت، يقابله تقدُّم إستراتيجي عميق يُعيد تشكيل النظام الإقليمي.

فمن مؤشرات التراجع التكتيكي: انكشاف العمق الدفاعي، فقد كشفت الضربات الصاروخية الانتقامية الإيرانية، عن ثغرات في تكنولوجيا الدفاع الجوي المشتركة. لقد تعرَّضت البنية التحتية في الكيان والإمارات لضربات مباشرة بالصواريخ البالستية والمُسيَّرات، مما أثبت أن التفوق التكنولوجي الهجومي لم يُوازِه إغلاق كامل للدرع الصاروخي الإقليمي.

ومن مؤشرات التراجع: تعطيل خطوط الإمداد الإستراتيجية؛ حيث تعرَّض الممر الاقتصادي الذي يربط الهند باليونان، مرورًا بالإمارات و(إسرائيل)، لشلل لوجستي وعسكري تام. كما أن إغلاق مضيق هرمز واستهداف القواعد العسكرية الأمريكية وحلفاء واشنطن في الخليج أدَّى إلى قطع الشريان الحيوي الذي كان يعتمد عليه هذا المحور لربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط.

أما مؤشرات التقدم الإستراتيجي لهذا المحور، فكان أبرزها، الاستفادة اليونانية الإستراتيجية من هذا الصراع، لتكريس نفسها كخط الدفاع الأول لأوروبا في شرق المتوسط.

وبذلك تعززت الشراكة العسكرية والتكنولوجية بين أثينا وتل أبيب وأبو ظبي لردع أيّ تمدُّد للنفوذ التركي، مما يمنح هذا المحور شرعية وغطاءً أوروبيًّا.

ومن أهم مظاهر التقدم الإستراتيجي للمحور الصهيوني: إعادة هيكلة توازن القوى، فبانهيار التهديد الإيراني المباشر وضعف أذرعه، يجد هذا المحور الرباعي نفسه أمام مساحة جيوسياسية فارغة يمكنه التمدُّد فيها عسكريًّا وتكنولوجيًّا، إلا أنه يضطر الآن لتوجيه إستراتيجيته نحو التعامل مع التحدي الأكبر القادم: صعود المحور السني أو القوى الإقليمية الأخرى التي ستسعى لملء هذا الفراغ.

ونجيء للمحور السني، بعد اندلاع الحرب الشاملة في ٢٨ فبراير ٢٠٢٦م، والضربات الأمريكية الصهيونية المباشرة، يشهد المحور السني حالة مُعقَّدة تجمع بين مكاسب إستراتيجية كبرى بعيدة المدى، مقابل انكشاف تكتيكي وعسكري قصير المدى.

فعلى صعيد المكاسب، يمكن رَصْد عدة مؤشرات:

منها: انهيار القيادة المركزية للخصم: فمقتل المرشد علي خامنئي واستهداف القيادات العليا في طهران؛ أحدث شللًا تامًّا في قدرة المحور المضاد على التوجيه الإستراتيجي وإدارة ساحات الصراع.

ومنها أيضًا: تكفل أمريكا والكيان بتدمير البنية النووية الإيرانية، وهذا إن حدث فقد أزال التهديد العسكري الأكبر للأمن القومي لدول المحور السني، دون تورطها في حرب استنزاف برية.

ومن بين المكاسب: تفكيك شبكة الوكلاء: فاستكمالًا للتحوُّل الإستراتيجي بسقوط النظام السوري سابقًا، أدَّت الحرب الحالية إلى خنق الأذرع المتبقية وإسقاط شرعيتها، وتجلَّى ذلك سريعًا في حظر الحكومة اللبنانية للأنشطة العسكرية لحزب الله.

تتمثل مكاسب المحور السّني من هذه الحرب، في تسريع إعادة هندسة الإقليم؛ فالفراغ الأمني الناتج عن سحق الآلة العسكرية الإيرانية، يهيئ الساحة بالكامل لدول المحور السُّني (السعودية، وتركيا، وباكستان) لفرض واقع أمني جديد والسيطرة الكاملة على الإقليم بلا منازع تقليدي.

ولكن بالنسبة للتحديات الناجمة عن هذه الحرب؛ أهمها: الانكشاف الدفاعي، فقد تعرَّضت دول الخليج (مثل قطر، البحرين، والكويت) لضربات انتقامية إيرانية مباشرة، ولم تسلم السعودية وتركيا من هذه الهجمات التي استهدفت القواعد الأمريكية والمنشآت الحيوية، مما كشف عن ثغرات في كفاءة شبكات الدفاع الجوي الإقليمية وقدرتها على تحييد الهجمات الصاروخية المتزامنة.

فالمحصلة؛ المحور السني يتقدّم إستراتيجيًّا بفضل التدمير الجذري للبنية العسكرية والقيادية لغريمه الإيراني، كما كشفت الحرب عن ضعف منظومة الدفاعات الجوية الصهيونية، ولم تكن قوية كما تخيَّلها البعض.

لكنّ المحور يتراجع تكتيكيًّا في المدى القصير، تحت وطأة الضربات الانتقامية الإيرانية المباشرة واشتعال خطوط الملاحة الحيوية، ولعل الهدنة المُؤقَّتة تُخفِّف من آثار ذلك التراجع.

إن التفكير المنطقي السليم، يرى في هذه الحرب بمثابة فرصة ذهبية لأهل السُّنة؛ لفرض واقع إقليمي جديد، وبالقوة والتماسك تنتزع مكانة جديدة ليس في الإقليم بحسب، ولكن في النظام الدولي.

 

أعلى