البيان/متابعات: تشهد بريطانيا واحدة من أكثر مراحلها السياسية والاقتصادية تعقيداً منذ عقود، في ظل تكرار الأزمات الحكومية، وتباطؤ الاقتصاد، وتراجع مكانتها المالية، وهي تطورات دفعت عدداً من المحللين إلى التساؤل عما إذا كانت الأزمة الراهنة تتجاوز إخفاق الحكومات المتعاقبة لتطال بنية النظام السياسي والاقتصادي البريطاني نفسه.
ويستند هذا الطرح إلى سلسلة من المؤشرات التي برزت خلال السنوات الأخيرة، أبرزها عدم تمكن أي رئيس وزراء تقريباً من استكمال ولايته الطبيعية خلال العقد الأخير، إذ تعاقب على السلطة عدد كبير من رؤساء الحكومات الذين غادروا مناصبهم تحت ضغط الأزمات السياسية والاقتصادية وتراجع الثقة الشعبية وكان آخرهم كير ستارمر أحد أبرز الداعمين للدولة العبرية في الحرب على غزة.
ويرى مقال للكاتب مرزوق الحلبي أن استقالة رئيس الوزراء كير ستارمر، بعد نحو عامين فقط من وصول حزب العمال إلى السلطة، لا تمثل أزمة تخص حزباً بعينه، بقدر ما تعكس أزمة أعمق تطال ما يسميه "المنظومة البريطانية"، لافتاً إلى أن الظاهرة نفسها طالت أيضاً حكومات حزب المحافظين، وهو ما يشير – بحسب رؤيته – إلى خلل يتجاوز التنافس الحزبي التقليدي.
وعلى المستوى الاقتصادي، تواجه المملكة المتحدة ضغوطاً متزايدة نتيجة تراكم الديون العامة وتباطؤ النمو منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، وهي أوضاع ازدادت تعقيداً بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016. ويشير المقال إلى أن الدين الخارجي تجاوز 100% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تنفق الحكومة نحو 134 مليار دولار سنوياً على خدمة الدين وفوائده، ليصبح ثاني أكبر بند في الإنفاق الحكومي بعد الخدمات الصحية.
ويضيف الكاتب أن الرهانات التي صاحبت "بريكست" لم تحقق أهدافها الاقتصادية، إذ أدى الخروج من الاتحاد الأوروبي إلى نقص في الأيدي العاملة وتعطل سلاسل الإمداد، قبل أن تتفاقم الضغوط بفعل جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، والحرب في الشرق الأوسط، فضلاً عن التغييرات التي طرأت على السياسة التجارية الأمريكية بعد عودة الرئيس دونالد ترامب، والتي انعكست – وفق المقال – على الاقتصاد البريطاني والأوروبي.
كما يلفت التقرير إلى تحديات ديموغرافية متزايدة، مع ارتفاع أعداد كبار السن الخارجين من سوق العمل، الأمر الذي يفرض أعباء إضافية على المالية العامة، إذ يقدّر الكاتب الإنفاق السنوي على رعاية الشيخوخة بنحو 84 مليار دولار.
وفي السياق نفسه، يعتبر المقال أن البيروقراطية أصبحت أحد أبرز معوقات الأداء الاقتصادي، مشيراً إلى أن إنجاز مشاريع البناء أو الاستثمار يحتاج إلى إجراءات طويلة ومعقدة ترفع التكاليف وتؤخر التنفيذ، وهو ما ينعكس سلباً على بيئة الأعمال والاستثمار.
ويرى الكاتب أن هذه التطورات ساهمت في تراجع القوة الشرائية للأسر البريطانية نتيجة ارتفاع معدلات التضخم والفوائد والأسعار، كما أدت إلى تراجع جاذبية لندن باعتبارها أحد أهم المراكز المالية العالمية، وهو ما يمثل تحولاً لافتاً في موقع بريطانيا الاقتصادي.
سياسياً، يشير المقال إلى أن الحكومات المتعاقبة تواجه صعوبة متزايدة في الاحتفاظ بالكفاءات داخل القطاع العام، مع انتقال أعداد متزايدة من الخبرات إلى القطاع الخاص بسبب الفوارق الكبيرة في الرواتب، وهو ما انعكس – بحسب الكاتب – على جودة الإدارة الحكومية ومستوى الكفاءات القيادية داخل مؤسسات الدولة.
ويذهب الكاتب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن الأزمة البريطانية تمثل جزءاً من أزمة أوسع تعانيها الديمقراطيات الغربية في عصر العولمة، مستشهداً بأفكار الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، الذي يرى أن الحكومات الوطنية أصبحت أقل قدرة على اتخاذ قرارات مستقلة في ظل تصاعد نفوذ الكيانات الاقتصادية العابرة للحدود، الأمر الذي يحد من فاعلية الديمقراطية التمثيلية التقليدية.
وفي هذا الإطار، يطرح المقال فرضية مفادها أن الأحزاب الكبرى لم تعد تتحرك وفق أولويات الناخبين بقدر ما أصبحت، وفق رؤية الكاتب، أكثر تأثراً بمصالح اقتصادية وسياسية تتجاوز الحدود الوطنية، وهو ما يفسر – بحسب تحليله – استمرار السياسات الأساسية رغم تداول السلطة بين حزبي العمال والمحافظين.
ويخلص المقال إلى أن بريطانيا تواجه أزمة مركبة تتداخل فيها التحديات الاقتصادية والسياسية والديموغرافية، في وقت تتراجع فيه قدرة الحكومات على معالجة الاختلالات البنيوية. ويرى الكاتب أن استمرار هذا المسار قد يدفع لندن إلى إعادة النظر في عدد من خياراتها الاستراتيجية، بما في ذلك طبيعة علاقتها المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي، في محاولة لاستعادة قدر من الاستقرار الاقتصادي والسياسي الذي ميز المملكة المتحدة لعقود طويلة.