• - الموافق2026/11/03م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
صانعة ملوك.. مفاجأة الأحزاب العربية في الانتخابات الصهيونية

تسعة عشر مقعدًا عربيًا قلبت حسابات الانتخابات الإسرائيلية، ووضعت المتنافسين على الحكم أمام معادلة لم يعهدوها. لكن كيف تحوّل الصوت العربي إلى بيضة القبان؟ وهل يستطيع الفلسطينيون تحويل ثقلهم الانتخابي إلى نفوذ سياسي، في منظومة ترفض شراكتهم؟


لم تكن نتائج انتخابات الكنيست الأخيرة سوى مجرد محطة إضافية في سلسلة الأزمات السياسية الحادة التي يعيشها الكيان الاستيطاني ضمن أزماته المتلاحقة عقب طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر، إلا أن المثير فيها هذه المرة هي بروز الجماهير العربية في أراضي عام 1948 بوصفها مفاجأة صناديق الاقتراع والفاعل الحاسم الذي أعاد رسم الخارطة السياسية برمتها. ففي لحظة فارقة شهدت نسبة مشاركة عربية غير مسبوقة ناهزت 80%، نجحت الأحزاب العربية في حصد 19 مقعداً في الكنيست، مجهضةً طموحات بنيامين نتنياهو في حسم الأغلبية المريحة، ومعطلةً في الوقت ذاته مساعي معارضة الوسط بزعامة غادي آيزنكوت لتشكيل ائتلاف حكومي صهيوني خالص يهمش الوجود الفلسطيني. لتصبح المنظومة الصهيونية برمّتها أمام أزمة غير مسبوقة، تجعل من الشراكة السياسية مع العرب كابوساً أيديولوجياً للمستوطنين، ومن تجاهل ثقلهم العددي والسياسي مستحيلاً برلمانياً.

صدمة صناديق الاقتراع

أحدثت نتائج الفرز النهائي للانتخابات البرلمانية الصهيونية صدمة مدوية داخل الأوساط السياسية الحاكمة والمعارضة على حد سواء، حيث أسفرت عن تحول دراماتيكي غير متوقع في توازن القوى المعتاد داخل أروقة الكنيست المكون من 120 مقعداً. فقد تمكنت القوائم العربية مجتمعة من نيل 19مقعداً بشكل غير مسبوق منذ وقوع النكبة، توزعت بواقع 11 مقعداً للتحالف الثلاثي في القائمة المشتركة (التي تضم الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والتجمع الوطني الديمقراطي، والحركة العربية للتغيير بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة)، و8 مقاعد للقائمة العربية الموحدة "رعام" بزعامة منصور عباس. وفي المقابل، تراجع ائتلاف بنيامين نتنياهو اليميني المتطرف بحصوله على 53 مقعداً فقط وتوقفت كتلة المعارضة الرئيسية عند 48 مقعداً. وتظهر هذه المعطيات أن أياً من المعسكرين المتنافسين لا يملك الأدوات ولا القدرة على الوصول إلى الأغلبية المطلوبة والمحددة بـ 61 مقعداً لتشكيل الحكومة دون الاستناد، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى الكتلة العربية الحاضرة بقوة.

 

لم يكن صعود الحضور العربي داخل الكنيست لحظة عابرة، بل يمثل صيرورة تاريخية معقدة شهدت تحولات عميقة منذ وقوع نكبة عام 1948 وبقاء نحو 160 ألف فلسطيني في ديارهم وأرض آبائهم رغماً عن التطهير العرقي

ولم تكن هذه النتائج التاريخية سوى تجسيد حاد لحالة التعبئة الشعبية الشاملة والوعي المتنامي الذي شهدته المدن والقرى العربية في الجليل والمثلث والنقب والسواحل التاريخية في حيفا وعكا ويافا والرملة واللد والناصرة وغيرها، حيث أقبل العرب على مراكز الاقتراع بكثافة استثنائية لم تسجل في تاريخ الانتخابات منذ أكثر من عقدين، بما في ذلك التجمعات البدوية الصامدة في القرى غير المعترف بها بالنقب، ويعزى هذا الاندفاع الجماعي نحو الصناديق إلى تراكم الوعي بالخطر الداهم الذي يهدد الوجود الفلسطيني بالداخل عقب العدوان الصهيوني المتمادي وحرب الإبادة على غزة والتصعيد في الضفة الغربية، وما رافقه من تصاعد المحاولات لتضييق الخناق على الشارع العربي عبر تفشي الجريمة المنظمة بتواطؤ أمني، وتصاعد سياسات هدم المنازل ومصادرة الأراضي النقبية وتجريف القرى، ناهيك عن محاولات لجنة الانتخابات المركزية لشطب القوائم العربية ومنع مرشحيها من خوض الاقتراع، وهو القرار التمييزي الذي اضطرت المحكمة العليا لإلغائه خشية من انفجار الشارع الفلسطيني بالداخل، ليتحول الاقتراع إلى أداة تحدٍ ومواجهة.

وقد أدت هذه النتيجة غير المتوقعة إلى إحداث انقسام عميق وإرباك غير مسبوق في الشارع والنخب السياسية الصهيونية، حيث تجلت المشاهد المتناقضة بين الذعر والدعوات البراغماتية الداعية للاعتراف بالواقع الميداني والسياسي الجديد. فقد خرجت تظاهرات في تل أبيب وأمام منزل غادي آيزنكوت في هرتسليا، طالبت بتشكيل حكومة قائمة على التشارك مع الأحزاب العربية، رافعين شعارات صريحة تؤكد أنه لا فرصة للتغيير أو الخروج من دوامة الشلل السياسي دون الاعتراف المباشر بالثقل الديمغرافي والسياسي للفلسطينيين بالداخل الذين يشكلون نحو 20% من السكان. وفي مقابل ذلك، اشتعلت حالة من الهستيريا والذعر السياسي في أوساط اليمين والحريدي برئاسة بن غفير وسموتريتش، الذي رأى في احتمال الاعتماد على الصوت العربي تهديداً مباشراً لطبيعة الدولة اليهودية ونقاء الهيمنة الصهيونية.

مسار التمثيل التاريخي

لم يكن صعود الحضور العربي داخل الكنيست لحظة عابرة، بل يمثل صيرورة تاريخية معقدة شهدت تحولات عميقة منذ وقوع نكبة عام 1948 وبقاء نحو 160 ألف فلسطيني في ديارهم وأرض آبائهم رغماً عن التطهير العرقي وقوانين أملاك الغائبين الاستبدادية.

* في العقود الأولى الممتدة تحت وطأة الحكم الصهيوني حتى عام 1966، سعت المؤسسة الصهيونية إلى هندسة التمثيل العربي عبر إيجاد قوائم تابعة ومجهزة برعاية حزب "ماباي" الحاكم (مثل قائمة الناصرة الديمقراطية وقوائم الزراعة والتنمية)، بهدف إحكام السيطرة والاحتواء وتفتيت الهوية الوطنية الجمعية وتحويل العرب إلى مجرد رعايا يتسولون الخدمات. غير أن هذه الهيمنة الاستعمارية بدأت تتشقق تدريجياً مع تصاعد نفوذ الحزب الشيوعي (راكاح) ورموزه الأدبية والسياسية كإميل حبيبي وتوفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم، وصولاً إلى تأسيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش) عام 1977 في أعقاب هزيمة الحكم العسكري وتداعيات يوم الأرض عام 1976 الذي أعاد صياغة العلاقة بين الأرض والهوية الوطنية.

* شهد عام 1988 محطة فارقة أخرى بتأسيس "الحزب الديمقراطي العربي" بقيادة عبد الوهاب دراوشة، كأول حزب عربي خالص ينشأ بقرار مستقل متجاوزاً الهياكل الصهيونية ومطالباً بالحقوق المدنية.

* مع حلول عقد التسعينيات وتوقيع اتفاقيات أوسلو، شهدت الساحة السياسية في الداخل تحولاً نوعياً في الرؤية والخطاب السياسي باتجاه مواجهة الصهيونية كمنظومة استعمارية. وتبلور هذا التحول بشكل جلي مع تأسيس "التجمع الوطني الديمقراطي" (بلد) عام 1995 بقيادة عزمي بشارة ومجموعة من الناشطين القوميين، الذين طرحوا مشروعاً فكرياً شاملاً يقوم على تفكيك الطابع اليهودي للدولة والمطالبة بتأسيس "دولة لجميع مواطنيها" والاعتراف بالعرب كأقلية قومية ذات حقوق جماعية تاريخية.

* برزت "القائمة العربية الموحدة" (رعام) عام 1996 كذراع سياسية للجناح الجنوبي للحركة الإسلامية بمرجعية محافظة تركز على الحقوق المدنية والخدماتية ومواجهة مصادرة الأراضي في النقب والمثلث، تلاها ظهور "الحركة العربية للتغيير" (تعال) بقيادة أحمد الطيبي عام 1999، مما أدى إلى تشكيل الخريطة السياسية التعددية التي تعبر عن تنوع تيارات الفلسطينيين في الداخل.

* أدركت الأحزاب العربية مع مرور الوقت أن التشرذم الانتخابي يشكل خطراً وجودياً على تمثيلها السياسي، خاصة مع تعمد الكنيست رفع نسبة الحسم الانتخابية إلى 3.25% عام 2014 بهدف إقصائها وإلغاء حضورها البرلماني؛ مما دفعها نحو تشكيل "القائمة المشتركة" عام 2015 برئاسة أيمن عودة. وقد نجحت القائمة عند تأسيسها في حصد 13 مقعداً لتصبح ثالث أكبر قوة في البرلمان، ثم واصلت صعودها التاريخي في انتخابات عام 2020 بحصد 15 مقعداً بدعم جماهيري واسع.

* على الرغم من الانتكاسات والانقسامات الحادة التي تلت ذلك، وخاصة التجربة المثيرة للجدل للقائمة العربية الموحدة في خوض الانتخابات منفردة والانضمام المباشر إلى "حكومة التغيير" الصهيونية برئاسة نفتالي بينيت ويائير لابيد عام 2021، إلا أن انتخابات 2026 أعادت رسم قواعد التحالف من خلال صيغة التحالف الثلاثي للقائمة المشتركة إلى جانب استقلالية القائمة الموحدة، محققة مجتمعة أعلى تمثيل برلماني لها، لثبتت من خلاله أن الكتلة العربية باتت الرقم الأهم في حسم الفائز.

معضلة صناعة الملوك

يفرض المصطلح السياسي "صانع الملوك" نفسه على التوصيف الراهن لموقع الأحزاب العربية في المشهد الصهيوني، غير أن هذا التوصيف يحمل في طياته معضلة عميقة تختلف كلياً عن مسارات التداول الديمقراطي في الأنظمة السياسية الطبيعية. فمن الناحية الحسابية والبرلمانية المجردة، تشكل المقاعد التسعة عشر قوة ترجيحية مطلقة تستطيع إسقاط نتنياهو وتصفية ائتلافه بشكل حاسم، وتمنح النواب العرب القدرة على تعطيل المشاريع العنصرية وتمرير سياسات لصالح المجتمع العربي. ولكن من الناحية البنيوية، يواجه هذا الدور حظراً عنصرياً شاملاً من قبل المؤسسة الصهيونية بكافة أطيافها، حيث تنظر غالبية الأحزاب اليهودية إلى الصوت العربي باعتباره "غير شرعي" في اتخاذ القرارات المصيرية للمشروع الاستيطاني.

تنعكس هذه المعضلة في وجود رؤيتين متباينتين للشارع السياسي العربي بالداخل لكيفية استغلال هذا الموقع المؤثر:

* رؤية القائمة المشتركة: تقوم هذه الرؤية على الرفض القاطع للمشاركة المباشرة في أي ائتلاف حكومي صهيوني يتحمل المسؤولية المباشرة عن العدوان والحرب والاحتلال ضد الشعب الفلسطيني، مع إبداء الاستعداد لتوفير "شبكة أمان" برلمانية لحكومة أقلية يقودها معسكر المعارضة شريطة إسقاط نتنياهو وحلفائه، والاستجابة لمطالب ملزمة تشمل وقف الحرب وإعادة الإعمار، ومحاربة الجريمة المنظمة، وإلغاء القوانين العنصرية وعلى رأسها "قانون القومية" و"قانون كامينيتس" الجائر المخصص لتقييد وتجريف البناء العربي والاعتراف بالقرى غير المعترف بها في النقب.

* رؤية القائمة العربية الموحدة (رعام): تعتمد هذه الرؤية المنهج البراغماتي القائم على الشراكة الشرطية والمرونة الائتلافية، حيث تبدي استعدادها للدعم أو الانخراط المباشر في أي ائتلاف يقدم تحسينات ملموسة وحزم ميزانيات ضخمة للمجتمع العربي لتطوير البنية التحتية، معتبرة أن التأثير المباشر من داخل مراكز القرار هو الخيار الأجدى لحماية المصالح اليومية والمدنية للمواطنين.

 استراتيجيات الشيطنة

أمام حالة الذهول والصدمة التي أحدثتها مكاسب الأحزاب العربية، سارع بنيامين نتنياهو وحزبه "الليكود" إلى شن حملة تحريضية غير مسبوقة استهدفت التشكيك في كامل العملية الانتخابية ونزع الشرعية عن الصوت العربي. فقد أطلق معسكر نتنياهو ادعاءات زائفة تتهم الأحزاب العربية بـ"سرقة الانتخابات" والتزوير الواسع لشراء الأصوات، مستحدثاً ما أسماه بـ "فضيحة راعم غيت" للترويج لشائعات تفيد بتلقي القوائم العربية تمويلاً مالياً أجنبياً ضخماً من دول مثل قطر وتنسيقاً مع حركة الإخوان المسلمين وتركيا، وقد تجاوزت حملة التحريض حدود المناورة السياسية الإعلانية لتتحول إلى ممارسة فاشية قادها وزراء اليمين المتطرف وفي مقدمتهم بن غفير وسموتريتش. حيث طالبا بالاعتقال المباشر لرؤساء الأحزاب العربية.

بينما قامت عصابات المستوطنين والميليشيات المسلحة التي أنشأها بن غفير بالانتشار والتجمع قرب مراكز الاقتراع وفي البلدات العربية لممارسة الإرهاب النفسي والتضييق على الناخبين. وترتكز هذه الهجمة الفاشية على أيديولوجية الاستعلاء القومي الصهيوني التي ترى في مجرد ممارسة الفلسطينيين في الداخل لحقهم في الاقتراع والتأثير السياسي "خيانة وجودية" وتطاولاً على الهيمنة اليهودية المطلقة، مما يعري الشعار الزائف لـ "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" ويظهر وجهها العنصري الحقيقي.

تهدف استراتيجية الشيطنة والترهيب التي ينتهجها نتنياهو إلى تحقيق 3 غايات خبيثة ومدروسة في هذه المرحلة الحساسة:

* أولاً: إغلاق الطريق بالكامل أمام أي تقارب أو تفاهم ممكن بين المعارضة الصهيونية بزعامة آيزنكوت والأحزاب العربية، عبر رفع كلفة التعاون السياسي وجعل أي تفاهم مع العرب يبدو وكأنه تآمر مع أطراف أجنبية لزعزعة أمن الدولة الصهيونية.

* ثانياً: شل قدرة المعارضة على استخدام أغلبيتها الحسابية في الكنيست لتغيير رئيس البرلمان أو تمرير قوانين تمنع نتنياهو المتهم بقضايا فساد من تشكيل الحكومة المقبلة.

* ثالثاً: التمهيد النفسي والسياسي للشارع الصهيوني لتقبل خيار إفشال تشكيل الحكومة والدفع نحو إعادة الانتخابات للمرة السادسة، مع الرهان على إحباط الشارع العربي وخفض نسبة مشاركته في الجولة القادمة.

إن الصمود الانتخابي والسياسي للعرب في أراضي عام 1948 حقيقة ساطعة مفادها أن الاستعمار الاستيطاني، مهما امتلك من أجهزة البطش والتشريعات العنصرية، عاجز عن محو الوجود الوطني الفلسطيني أو إلغاء فاعليته السياسية. فهم المكون الأصيل وصاحب الأرض الذي يملك القدرة على كشف هشاشة الديمقراطية الصهيونية المزعومة وإشعال أزماتها البنيوية.

أعلى