لا تقتصر معاناة الفلسطينيين على ما يتعرض له أهل غزة من مجازر، ففي الضفة معركة أخرى قائمة على قدم وساق وهي عملية ضم للأراضي واقتلاع أهلها منها وهي مأساة أخرى ينبغي الالتفاف إليها
بينما ينشغل العالم
بالحروب المستعرة، ثمة جغرافيا فلسطينية كاملة تُعاد هندستها وتصفيتها في الخفاء.
ففي الضفة الغربية، لا ينتظر الاحتلال الإسرائيلي تشريعات الكنيست الصاخبة ليعلن
بسط سيادته، بل يطبّق خطة "الضم الصامت" عبر ترسانة هادئة من الأوراق، والقرارات
البيروقراطية، والقوانين البديلة. من فك ارتباط الحاكم العسكري بالأرض لصالح إدارة
مدنية يقودها غلاة المستوطنين، إلى تفكيك القوانين التاريخية الحامية لملكية
الأراضي، يمضي الاحتلال في حسم الصراع جغرافياً وديموغرافياً على الأرض.
هذه الهندسة الباردة تسعى
إلى تفكيك أي فرصة حقيقية لقيام دولة فلسطينية متصلة، مستعيضةً عن الضم الرسمي
بسيادة أمنية منخفضة الكلفة والالتزامات، تضمن السيطرة المطلقة على الأرض والموارد،
وتحوّل الوجود الفلسطيني إلى معازل بشرية متباعدة بلا أي أفق كياني أو سياسي.
عقيدة الحسم
تنبثق الممارسات الراهنة
للاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية من عقيدة سياسية يمينية متطرفة أدارت ظهرها
تماماً لفرضيات تقليص الصراع أو احتوائه، وذهبت مباشرة نحو ما يُعرف بعقيدة الحسم
التي صاغها بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية الإسرائيلي والوزير المسؤول عن إدارة
الاستيطان داخل وزارة الحرب. تقوم هذه العقيدة على رفض مطلق لوجود أي كيان فلسطيني
غربي نهر الأردن، والتعامل مع الفلسطينيين كجمهور مؤقت من السكان المقيمين بلا
طموحات وطنية، يُخيّرون بين الخضوع التام للسيادة اليهودية، أو الرحيل الطوعي، أو
مواجهة آلة الحرب. هذا المنظور يستند إلى تغلغل التيارات الصهيونية الدينية داخل
مراكز اتخاذ القرار في الجيش والحكومة، محولاً الصراع من مقاربة أمنية تقليدية إلى
معركة ايديولوجية تلغي الحدود وتستلهم مرويات توراتية متطرفة حول السيطرة على يهودا
والسامرة.
ولكي ندرك تسارع هذا
المنحى الاستعماري، يكفي مقارنة فرضياته الجيوسياسية تاريخياً؛
فالمسيرة التي بدأت بعد احتلال عام 1967 بـ 16 ألف مستوطن، تتربع اليوم على واقع
مرعب يضم أكثر من نصف مليون مستوطن في الضفة الغربية، يضاف إليهم ما يزيد على 220
ألفاً في القدس المحتلة. هذا التحول الديموغرافي الهائل استثمرته حكومة اليمين، ولا سيما
بعد أحداث طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر، كفرصة ذهبية لتوسيع الاستيطان بوتيرة
غير مسبوقة منذ عقود. الهدف هنا هو إقامة أحزمة استيطانية طولية وعرضية تمزق
الجغرافيا الفلسطينية وتحول تجمعاتها السكانية إلى جزر معزولة وسط محيط استيطاني
متصل يمنع أي تواصل جغرافي مستقبلي للدولة الفلسطينية المنشودة.
في موازاة ذلك، تنتهج
المنظومة الاستعمارية سياسة ممنهجة لمحو الوعي الفلسطيني من خلال رفع فاتورة الصمود
وجعل الحياة اليومية جحيماً لا يطاق. تبرز هذه السياسة بوضوح في الاستهداف الدموي
والتدمير المتعمد للبنى التحتية في مخيمات شمال الضفة الغربية (جنين، وطولكرم، ونور
شمس). ولا شك أن عمليات نسف المنازل، وتدمير الشوارع وشبكات المياه، وتشريد ما يزيد
على 50 ألف لاجئ قسراً من هذه المخيمات، تمثل استراتيجية واعية لشطب هوية المخيم
السياسية وتصفية الشاهد المادي الأخير على النكبة وحق العودة.
تفكيك الإدارة
العسكرية
يمثل النقل الممنهج
للصلاحيات الإدارية والقانونية في الضفة الغربية من المؤسسة العسكرية إلى الهياكل
المدنية جوهر خطة الضم الصامت. فمن خلال تفكيك صلاحيات الحاكم العسكري والإدارة
المدنية التابعة لوزارة الحرب، ووضعها في يد مديرية الاستيطان التي يشرف عليها
سموتريتش، تمكن الاحتلال من فرض واقع مدني إسرائيلي كامل على المستوطنات
والمستوطنين. هذا التحول الهيكلي، الذي توّج بتعيين المستوطن هيليل روث نائباً
مدنياً لرئيس الإدارة المدنية وتفويضه بصلاحيات التخطيط وبناء المستوطنات ومصادرة
الأراضي.
ولم يتوقف هذا الانقلاب
الإداري عند الجوانب التنظيمية، بل امتد ليعيد صياغة المنظومة القانونية الحاكمة
للأرض؛ إذ تم نقل ملفات الأراضي والاستيطان من المستشار القانوني العسكري إلى قسم
قانوني مدني مستحدث داخل وزارة
الحرب
يضم 26 مستشاراً مدنياً. هذا الجهاز المدني المنفصل يعمل على شرعنة البؤر
الاستيطانية العشوائية وتسهيل السيطرة على أراضي المواطنين بغطاء قضائي كامل من
المحكمة العليا الإسرائيلية، التي باتت تبرر الاستيلاء على الأراضي وشق الطرق
بذريعة أمن المستوطنين وسلامتهم المدنية، خارقة بذلك أبسط قواعد القانون الدولي
الإنساني التي تمنع سلطة الاحتلال من إحداث تغييرات دائمة في الإقليم المحتل.
ولتطبيق هذا المسار
وتحويله إلى وقائع مادية على الأرض، جرى اتخاذ جملة من التدابير البنيوية
المتسارعة:
* سحب الصلاحيات: تجريد
الحاكم العسكري من سلطاته المدنية ونقلها إلى موظفين مدنيين تابعين لوزارة المالية
والاستيطان.
* شرعنة البؤر: إعداد
قائمة بـ 63 بؤرة استيطانية عشوائية (وخاصة المزارع الرعوية) لربطها رسمياً بشبكات
المياه والكهرباء وتوفير الحماية القانونية والتمويل لها.
* شق الطرق السيادية:
تخصيص ميزانية ضخمة تبلغ نحو ملياري دولار لتطوير وشق طرق التفافية سريعة تربط
الكتل الاستيطانية بالعمق الإسرائيلي لتسهيل جلب مليون مستوطن إضافي.
* أجهزة الهدم الخاصة:
تشكيل وحدة عسكرية أمنية مشتركة متخصصة بتسريع عمليات هدم منازل الفلسطينيين
ومنشآتهم في المنطقة المصنفة "ج".
محو وتزييف
الملكية
في خطوة وصفت بأنها الأخطر
لتسهيل السيطرة على ملكية الأرض، أقدم الكابينت الإسرائيلي المصغر على إلغاء
القانون الأردني التاريخي رقم 40 لعام 1953م، والذي كان يحظر بيع أراضي الفلسطينيين
لليهود في الضفة الغربية. ترافق هذا الإلغاء مع رفع السرية بالكامل عن سجلات
الأراضي وتمليك المستوطنين كأفراد حق الشراء المباشر دون الحاجة إلى تصاريح أمنية
مسبقة أو إبلاغ الملاك الأصليين. هذا التعديل القانوني يفتح الباب على مصراعيه
لعمليات تزوير واسعة النطاق وسلب للأراضي تحت حماية قانونية وسياسية توفرها محاكم
الاحتلال للمستوطنين والشركات الاستيطانية.
تاريخياً؛ تدرك الحركة
الصهيونية أهمية صكوك الملكية؛ ولهذا سارعت سلطات الاحتلال فور احتلالها عام 1967
إلى وقف إجراءات تسوية الأراضي (الطابو؛ وهي كلمة عثمانية الأصل تعني سند الملكية
العقارية أو الحجة الرسمية) التي كانت جارية في العهد الأردني لمنع الفلسطينيين من
تثبيت ملكياتهم قانونياً. واليوم، يعيد الاحتلال توظيف هذه الثغرات من خلال تسجيل
مئات آلاف الدونمات في المنطقة "ج" كـ "أملاك دولة" عبر إجراءات تسوية أحادية
الجانب يصعب الطعن فيها. هذه الهندسة القانونية تستهدف طمس صكوك الملكية التاريخية
الموروثة منذ العهود العثمانية والانتداب البريطاني والحقبة الأردنية، والتي يحتفظ
الأردن بنسخها الرسمية كخط دفاع قانوني وتاريخي يثبت عروبة الأرض وهوية أصحابها
الأصليين.
ولم تقتصر أدوات السيطرة
على سلب الملكية العقارية، بل امتدت لتشمل حرباً مالية واقتصادية طاحنة تهدف إلى
إفقار المجتمع الفلسطيني وتقويض صموده. إن احتجاز الاحتلال لأموال المقاصة
الفلسطينية (التي تجاوزت قيمتها المحتجزة ثلاثة مليارات دولار)، بالتوازي مع منع
أكثر من مائة ألف عامل فلسطيني من العودة إلى أماكن عملهم منذ عامين، قد خلق حالة
من الشلل الاقتصادي العام. هذا الخنق المالي المتعمد يتقاطع مع اعتداءات المستوطنين
المسلحين اليومية على المزارعين، لا سيما في مواسم قطاف الزيتون، بهدف حرمان
الفلسطينيين من مواردهم الأساسية وإجبارهم على الهجرة الداخلية نحو مراكز المدن
الكبرى.
تفتيت الجغرافيا
تتجاوز خطط الضم الصامت
حدود السيطرة الموضوعية لتستهدف تفتيت الكيانية الجغرافية والسياسية للضفة الغربية
بالكامل وتحويلها إلى ثلاثة كانتونات منفصلة (شمال، وسط، جنوب). تبرز في هذا السياق
خطة "E1" الاستيطانية التي تسعى
إلى فصل القدس الشرقية عن عمقها الفلسطيني وتوسيع حدود المدينة المقدسة لضم كتل
استيطانية ضخمة. هذا المخطط الديموغرافي يستهدف تقليص نسبة الوجود الإسلامي العربي
في القدس من 40% إلى أقل من 15% عبر إخراج الأحياء الفلسطينية ذات الكثافة السكانية
العالية (مثل كفر عقب ومخيم شعفاط) خلف الجدار العازل وإسقاط الهوية المقدسيّة عن
سكانها.
على الأرض، تُرجمت هذه
العزلة الجغرافية من خلال نظام بوابات وحواجز خانق يضم أكثر من 1200 حاجز ونقاط
تفتيش و250 بوابة حديدية تفصل القرى عن المدن وتحول حركة المواطنين إلى رحلة تعذيب
يومية. وفي خطوة تمس صلب الهوية الثقافية والدينية للمجتمع، أقر الكنيست بالقراءة
التمهيدية مشروع قانون تقييد الأذان وحظره في القرى المحاذية للمستوطنات، فارضاً
غرامات مالية باهظة تصل إلى 50 ألف شيكل. يتزامن ذلك مع نزع ولاية البلديات
الفلسطينية عن المواقع الدينية والتاريخية، كالحرم الإبراهيمي في الخليل ومسجد بلال
بن رباح في بيت لحم، ونقلها للسيطرة المدنية الإسرائيلية المباشرة لتسهيل تهويدها.
إن الحلقة الأكثر خطورة في
استراتيجية تفتيت الأرض الفلسطينية تتجلى في الحرب المفتوحة التي يشنها الاحتلال
لتصفية وكالة غوث الدولية "الأونروا". إن تصنيف الوكالة كمنظمة إرهابية وإغلاق
مقرها الرئيس في القدس وقطع تمويلها يرمي في الجوهر إلى إنهاء الصفة السياسية للاجئ
الفلسطيني. يهدف الاحتلال من وراء تدمير جغرافية المخيمات وشطب الأونروا إلى تشتيت
مجتمع اللاجئين ديموغرافياً وتحويلهم إلى سكان محليين بلا حقوق سياسية أو قانونية
ترتبط بقرار الأمم المتحدة رقم 194 القاضي بحقهم في العودة إلى ديارهم.
السيادة الأمنية
البديلة
أمام تراجع فرص إعلان الضم
القانوني الشامل لاعتبارات ترتبط برفض المجتمع الدولي وخشية الاحتلال من الانزلاق
نحو سيناريو الدولة ثنائية القومية، تبرز السيادة الأمنية كبديل استراتيجي فاعل.
بموجب هذه المقاربة، يفرض الاحتلال سيطرته المطلقة على المعابر، والأجواء، والموارد
المائية، وحركة الديموغرافيا، محولاً المدن الفلسطينية إلى جزر معزولة تدير شؤونها
مجالس بلدية أو هياكل إدارية منزوعة السيادة السياسية. ولتنفيذ هذه الهيمنة، أدخل
الاحتلال ميليشيات استيطانية مسلحة (مثل شبيبة التلال) كفاعل مركزي يعمل تحت حماية
الجيش وينفذ المهام الميدانية القذرة لتهجير التجمعات الرعوية قسراً.
جيوسياسياً؛ يستفيد
الاحتلال من حالة
غض الطرف
الأمريكي عن أي شيء تقوم به الحكومة الصهيونية؛ إذ تتغاضى الإدارات المتعاقبة، ولا
سيما إدارة ترامب، عن كثير من السياسات والإجراءات التي تقوم بها حكومة نتنياهو.
هذا الموقف يتلاقى مع انشغال القوى الإقليمية والدولية بملفات الصراع الكبرى في
المنطقة، مما يجعل الضفة الغربية في أسفل سلم الأولويات. ورغم محاولات فرض حلول
إقليمية لتجاوز الحقوق الفلسطينية، تظل هذه الترتيبات عاجزة عن الاستقرار لعدم وجود
أي طرف فلسطيني أو عربي يملك الجرأة أو القابلية للاعتراف بحقائق الأمر الواقع التي
يفرضها المستوطنون.
في خلاصة المشهد، تضعنا
تدابير الضم الصامت أمام حقيقة جيوسياسية لا مواربة فيها؛ فالاحتلال غادر مربع
إدارة الصراع نهائياً لينتقل إلى مرحلة الحسم عبر دمج المستوطنات بالعمق القانوني
والمدني للمنظومة الاستعمارية، وتفتيت الجغرافيا الفلسطينية
مع
تجريد
الأرض من حمايتها القانونية التاريخية، وتصفية الصفة السياسية للاجئ الفلسطيني، ومن
ثمَّ تصفية القضية وإجهاض أي أفق لحل الدولتين. وأمام هذا الواقع، تسقط أوهام
الوعود الدولية، فلا يبقى لحماية الوجود الفلسطيني إلا التحام الصف الداخلي، وتفعيل
الصمود الشعبي لرفع كلفة الاحتلال حتى يتحول إلى عبء لا تقوى المحتل على تحمّله،
فيما يبقى تشبث الفلسطيني الاستثنائي بأرضه ــ مستلهماً دروس النكبة والنكسة
ورافضاً بقوة خيارات التهجير الجديد ــ هي الصخرة الصلبة التي تتكسر عليها كل الخطط
الإسرائيلية.