هل أطلق طوفان الأقصى مساراً تاريخياً جديداً يكشف التآكل البنيوي داخل الكيان الصهيوني، ويعيد رسم علاقاته الإقليمية والدولية، ويطرح للمرة الأولى سؤال قدرته على الاستمرار كدولة مستقرة حتى عام 2048؟
لم يكن طوفان الأقصى في
السابع من أكتوبر 2023 مجرد اختراق أمني أو عسكري عابر في تاريخ الصراع مع الاحتلال
الإسرائيلي، بل كان تحولًا استراتيجيًا أعاد صياغة الوعي الصهيوني تجاه فكرة الأمن
المطلق، وفجّر في الوقت ذاته كل التناقضات الكامنة داخل بنية دولة الاحتلال
ومجتمعها. إن الحالة التي يعيشها الكيان اليوم، من صراع محموم على السلطة، واستقطاب
حاد حول الهوية، وعزلة دولية على أساس البعد الأخلاقي، وصولاً إلى تصدع غير مسبوق
في جدار التحالف مع واشنطن، ليست إلا شظايا متطايرة من ذلك الزلزال الذي ضرب
المناعة الإسرائيلية في مقتل. لقد تحول هذا التاريخ إلى نقطة انكسار استراتيجية،
حيث لم تعد الأسئلة تدور حول كيفية الانتصار في الحرب، بل حول القدرة على الصمود
كدولة ومؤسسات حتى عام 2048، وهي الذكرى المئوية الأولى لتأسيس الكيان الصهيوني، لا
سيما في ظل التآكل البنيوي الراهن الذي يمس أسس وجوده ذاتها.
صدمة الانكسار
لقد مثّل
طوفان الأقصى
نهاية لعصر الغطرسة الأمنية الذي استندت إليه العقيدة العسكرية الصهيونية لعقود،
محطماً نظريات الردع وسحق التهديد قبل نموه. حيث استيقظ الإسرائيليون على واقع مرير
يثبت أن "الجيش الذي لا يقهر" قد قُهر في ساعات، مما أدى إلى تحول جذري في الوعي
الجمعي الإسرائيلي؛ فبدلاً من الثقة في المؤسسة، حلّ الشعور بالصدمة والتروما التي
رُبطت في المخيال الصهيوني بالمحرقة، كفصل جديد من تاريخ الضحية. هذا الانكسار لم
يتوقف عند الحدود الميدانية، بل أنتج عقيدة سياسية وعسكرية دفعت القيادة الحالية،
وعلى رأسها بنيامين نتنياهو، إلى تبني سياسة "الحرب الأبدية" كطوق نجاة وحيد لتجنب
المحاسبة على إخفاقات ذلك اليوم، وهروباً من ملفات الفساد التي تلاحقه.
الاندفاع نحو التدمير
الشامل في غزة وجنوب لبنان وضرب إيران لم يكن تعبيراً عن قوة، بقدر ما كان محاولة
يائسة لاستعادة صورة الردع المتآكلة. ومع ذلك، أثبتت الأيام أن القوة التدميرية
الهائلة عجزت عن تحقيق حسم عسكري واضح، مما عمّق حالة الإنهاك الاستراتيجي داخل
الكيان. هذا الفشل في تحويل الإنجاز العسكري إلى مكاسب سياسية ملموسة جعل الجمهور
الإسرائيلي يعيش حالة من الارتباك وفقدان البوصلة، حيث يرى البعض أن الحرب أصبحت
أداة في يد نتنياهو للاستمرار في الحكم على حساب دماء الجنود.
لقد أدى هذا الانسداد في
الأفق العسكري إلى تعزيز القناعة لدى قطاعات واسعة من النخبة الأكاديمية والأمنية
بأن الكيان يواجه خطراً مركباً لا يمكن اختزاله في جبهة واحدة. فالتفوق العسكري لم
يعد كافياً، والاعتماد المطلق على الحروب الخاطفة سقط أمام صمود المقاومة وصواريخ
إيران البالستية، مما أدى إلى تآكل الركائز الأساسية التي قام عليها الكيان منذ
تأسيسه، وفي مقدمتها التماسك الداخلي والدعم الغربي المطلق.
تمزق الداخل
الإسرائيلي
انتقلت مفاعيل السابع من
أكتوبر لتغذي الانقسامات الطبقية والايديولوجية التي تنخر المجتمع الصهيوني منذ
نشأته، لكنها اليوم بلغت مرحلة الحرب الأهلية الصامتة. الصراع اليوم ليس مجرد خلاف
سياسي، بل هو أزمة هوية عميقة بين رؤيتين متناقضتين: رؤية تريد الحفاظ على طابع
الديمقراطية الليبرالية (لليهود فقط)، ورؤية أخرى يمينية دينية مسيحانية تدفع نحو
دولة قومية دينية متطرفة. هذا الاستقطاب الحاد تجلى في أوضح صوره في الصراع مع
المؤسسة القضائية، حيث يسعى اليمين المتطرف لتقويض القضاء لتكريس سلطة التيار
الواحد وتعطيل محاكمات الفساد الخاصة بنتنياهو.
على صعيد آخر، برزت قضية
تجنيد الحريديم كقنبلة موقوتة تهدد تماسك الائتلاف الحكومي واستقرار الجيش. فبينما
يقاتل الجنود العلمانيون على جبهات متعددة، تصر الأحزاب الدينية على حماية
امتيازاتها التاريخية وإعفاء طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية، مما خلق
شعوراً بالظلم وعدم المساواة في توزيع الأعباء. هذا النزاع ليس مجرد تفصيل قانوني،
بل هو انعكاس للفجوة الكبيرة بين المكونات الديموغرافية في إسرائيل، والتي يرى
مراقبون أنها قد تؤدي إلى تفجر المنظومة من الداخل في أي لحظة.
ويمكننا رصد ملامح هذا
التردي الداخلي في النقاط التالية:
* انهيار الثقة بالمؤسسات
السياسية: حيث وصلت ثقة الجمهور في الحكومة والكنيست إلى أدنى مستوياتها التاريخية،
مقابل بقاء الثقة في البزة العسكرية نسبياً، رغم إخفاق 7 أكتوبر.
* عجز المعسكرات السياسية:
حيث تبدو الخارطة الحزبية عاجزة عن إنتاج أغلبية مستقرة، مما يجعل تشكيل أي حكومة
رهيناً بالمساومات مع الأحزاب المتطرفة أو الاعتماد على أصوات الأحزاب العربية، وهو
ما يرفضه اليمين والوسط على حد سواء.
* تآكل المناعة
الاجتماعية: حيث تتصاعد الهجرة العكسية وهروب الكفاءات للخارج، وشعور قطاع واسع من
الإسرائيليين بأن دولتهم لم تعد مكاناً آمناً أو مستقراً للعيش.
صراع البقـاء
في قلب هذه الفوضى، يبرز
بنيامين نتنياهو بوصفه الساحر السياسي الذي يتقن البقاء في السلطة عبر إذكاء
الانقسامات. لقد نجح نتنياهو في دمج بقائه الشخصي بأمن الدولة، محولاً الصراع
السياسي إلى معركة وجودية لكل مؤيد أو معارض له. ومع ذلك، فإن الأخطاء السياسية
والعسكرية بدأت تضرب حتى معقله الحصين في حزب الليكود، حيث تتصاعد الخلافات حول
آليات الانتخابات التمهيدية والسيطرة المطلقة على الحزب، وسط تسريبات عن إمكانية
انشقاقه وتأسيس حزب جديد إذا ما شعر بفقدان السيطرة.
بيد أن التحدي الحقيقي
لنتنياهو لم يعد يأتي من المعارضة التقليدية الضعيفة فحسب، بل من صعود شخصيات
عسكرية تحمل إرث 7 أكتوبر في وعيها، مثل غادي آيزنكوت الذي يطرح نفسه كبديل يستند
إلى النزاهة والخبرة الأمنية. آيزنكوت، الذي فقد ابناً وابني أخ في الحرب، يمثل
التيار الذي يطالب بإصلاح وطني وترميم للثقة التي ضاعت، وهو ما يجعله منافساً
خطيراً لنتنياهو في مناطق الاستطلاعات. هذا التنافس المحموم يعكس تحولاً في رغبات
الناخب الذي بات يبحث عن الكفاءة والمحاسبة، لا الشعارات الرنانة.
على أن المفارقة تكمن في
أن سقوط نتنياهو لا يعني بالضرورة سقوط اليمين أو تغير السياسات اليمينية المتطرفة.
فالصراع على السلطة داخل إسرائيل اليوم هو صراع على الأسلوب والبنية أكثر منه على
الأيديولوجيا؛ فالبدائل المطروحة لا تزال متمسكة برفض الدولة الفلسطينية، ومستمرة
في نهج القوة العسكرية في غزة ولبنان. هذا الانسداد في البدائل السياسية يجعل
الكيان يدور في حلقة مفرغة من الأزمات المتتالية، حيث المصلحة الشخصية والحزبية
تتقدم دائماً على التخطيط الاستراتيجي لمستقبل الدولة الصهيونية.
تآكل التحالف
المقدس
إن أبرز ما أنتجته حروب
إسرائيل الأخيرة في المنطقة هو الشرخ العميق في التحالف المقدس مع الولايات
المتحدة، وهو الشرخ الذي بدأت بوادره تظهر حتى في فترة دونالد ترامب الثانية. حيث
بات اعتماد إسرائيل المطلق على واشنطن عسكرياً وسياسياً واقتصادياً يمثل عبئاً
استراتيجياً على الإدارة الأمريكية التي تواجه ضغوطاً داخلية هائلة، خاصة من فئة
الشباب والناخبين التقدميين الذين يرفضون تمويل الإبادة الجماعية بأموال دافعي
الضرائب. لقد تغيرت قواعد اللعبة في واشنطن، حيث لم يعد دعم إسرائيل صكاً على بياض،
وبات انتقاد سياسات تل أبيب اختباراً أخلاقياً داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
المثير للاهتمام هو تراجع
سطوة اللوبيات الصهيونية مثل "أيباك"، حيث بدأ بعض المرشحين يفتخرون برفض أموالها،
مما يشير إلى تحول بنيوي في السياسة الأمريكية تجاه الكيان. بل إن خطاب نائب الرئيس
الأمريكي، جيه دي فانس، حول ضرورة التمييز بين انتقاد الحكومة الإسرائيلية ومعاداة
السامية، يمثل سابقة في الخطاب الرسمي الأمريكي لم يكن يتصورها أحد قبل سنوات
قليلة. هذا التباعد في المصالح ظهر بوضوح في المكالمات العاصفة بين ترامب ونتنياهو،
حيث وصف الأول الثاني بـ "المحتال" و "المجنون"، محملاً إياه مسؤولية جر واشنطن إلى
حروب إقليمية لا تخدم مصالح "أمريكا أولاً".
لقد أدركت واشنطن أن
نتنياهو يتلاعب بها لخدمة مصلحته السياسية، مما دفع الإدارة الأمريكية إلى البدء
بفرض تفاهمات ووقف إطلاق نار من الخارج، وهو ما جعل الكيان الصهيوني يبدو كأنه
"غلاف لواشنطن" يفقد حرية قراره الاستراتيجي. هذا الواقع دفع نتنياهو للدعوة إلى
الاستقلال الأمني وبناء منظومة تسليح مستقلة، في اعتراف ضمني بأن التحالف مع
الولايات المتحدة لم يعد شبكة أمان مضمونة للأبد. ولا شك أن التصدع في العلاقات ليس
ظرفياً مرتبطاً بشخوص، بل هو نتيجة تراكمية لسياسات صهيونية ضربت بالقيم والمصالح
الأمريكية عرض الحائط.
عزلة دولية
صامتة
تزامن هذا التراجع في
الدعم الأمريكي مع تحول إسرائيل إلى دولة منبوذة على الساحة الدولية. فمشاهد الدمار
في غزة والضفة الغربية أدت إلى تآكل شرعية إسرائيل الأخلاقية والقانونية، حيث تواجه
اليوم ملاحقات أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب
جرائم حرب وإبادة جماعية. هذه العزلة لم تعد تقتصر على التصريحات الدبلوماسية، بل
ترجمت إلى مقاطعة صامتة وفعالة شملت المجالات الأكاديمية والرياضية والثقافية، فيما
يخشى الإسرائيليون اليوم التصريح بهويتهم في الخارج خوفاً من النبذ أو الطرد من
المطاعم والمؤتمرات.
لقد دفع هذا الواقع
نتنياهو إلى مخاطبة الجمهور الإسرائيلي بضرورة الاعتياد على العزلة المتنامية،
واصفاً الكيان بـ "إسبارطة الحديثة" التي يجب أن تعيش على حد سيفها وتعتمد على
اقتصاد مغلق. بيد أن هذا الخطاب أثار موجة من السخرية والقلق لدى الخبراء
الاقتصاديين الذين يدركون أن اقتصاد إسرائيل، القائم في جزءٍ كبير منه على
الاستثمارات الأجنبية، لا يمكنه الصمود في وجه اقتصاد العزلة. ومحاولة فرض حصار
دولي، خاصة من قبل الاتحاد الأوروبي الذي يعد أكبر شريك تجاري، سيعني ببساطة انهيار
المنظومة الاقتصادية التي بنيت على مدار عقود.
وفي هذا السياق، تبرز
النتائج الاستراتيجية التالية لهذه العزلة المتنامية بصمت:
* سقوط رواية "الواحة
الديمقراطية": حيث بات العالم يرى الكيان كنظام أبارتهايد (تمييز عنصري) يمارس
القمع الممنهج، مما جعل المقارنة مع نظام جنوب أفريقيا السابق تفرض نفسها بقوة في
الأروقة الدولية.
* فشل محاولات التطبيع
كبديل للحل: حيث أثبتت الوقائع أن القفز فوق الحقوق الفلسطينية عبر "اتفاقات
أبراهام" لم يجلب الأمن للكيان، بل إن الشعوب العربية والإسلامية لا تزال ترى في
إسرائيل العدو الأول، مما يغلق الطريق أمام الاندماج الإقليمي المزعوم.
* تحول الكيان إلى عبء
أخلاقي: حتى على حلفائه التاريخيين في أوروبا، مما دفع دولاً مثل إسبانيا وأيرلندا
وبلجيكا إلى اتخاذ خطوات غير مسبوقة نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية وفرض عقوبات
على المستوطنات.
إن الحقيقة التي لا يمكن
الالتفاف عليها هي أن الكيان الصهيوني يعيش اليوم مرحلة التآكل الاستراتيجي الذي قد
يغير شكله الجوهري بحلول مئويته في 2048. لقد كان السابع من أكتوبر وما تبعته من
حروب هو الصاعق الذي فجر أزمة الوجود الكامنة، كاشفاً عن دولة احتلال مارقة تمزقها
الصراعات الداخلية، وتحاصرها العزلة الخارجية بصمت، وتتداعى علاقاتها مع حاميها
الأول في واشنطن.