هل يواجه الأمن القومي الإسرائيلي مرحلة تآكل تدريجي رغم تفوقه العسكري، بعد تصاعد الانقسامات الداخلية واستنزاف الحروب وتغير البيئة الإقليمية والدولية، بما يفرض إعادة تقييم قدرة الدولة العبرية على الحفاظ على استقرارها الإستراتيجي مستقبلاً؟
لم يكن مؤتمر هرتسليا لعام 2026 مجرد مناسبة سنوية لتقييم البيئة الأمنية
الصهيونية، بل بدا أقرب إلى جلسة مراجعة داخلية لعقيدة أمن قومي تواجه أكبر اختبار
لها منذ تأسيس الدولة. فالمفارقة التي هيمنت على معظم الأوراق والنقاشات تمثلت في
أن الدولة العبرية، التي تمتلك تفوقًا عسكريًا غير مسبوق وتفوقًا تكنولوجيًا
واستخباراتيًا واضحًا، تجد نفسها في الوقت ذاته أمام مؤشرات متزايدة على تراجع
قدرتها على تحويل هذا التفوق إلى استقرار استراتيجي مستدام. هذه المفارقة دفعت
العديد من الباحثين الصهاينة إلى الانتقال من سؤال "كيف تنتصر إسرائيل؟" إلى سؤال
أكثر عمقًا: "كيف تحافظ إسرائيل على قدرتها على الاستمرار؟". وتكشف الأدبيات
الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الصهيوني (INSS)
أن الأمن
القومي لم يعد يُقاس بالتفوق العسكري وحده، وإنما بمنظومة متكاملة تضم القوة
العسكرية، والاقتصاد، والمناعة الوطنية، والشرعية الدولية، والعلاقات مع الحلفاء،
بما يعني أن أي اختلال في أحد هذه الأعمدة ينعكس مباشرة على بقية المنظومة.
ولعل أخطر ما كشفت عنه السنوات الأخيرة هو انتقال مركز التهديد من الحدود إلى
الداخل. فبدل أن يكون الانقسام المجتمعي نتيجة للأزمات الأمنية، أصبح في نظر عدد
متزايد من الباحثين الصهاينة أحد مسبباتها. ويُعد مقياس معايير المناعة الوطنية
الذي طوره الباحثان الصهيونيان شاؤول كيمحي ويوحنان إشيل من أهم الأدوات العلمية
المستخدمة لقياس المناعة الوطنية، إذ يعتمد على ثلاثة عشر مؤشرًا تقيس الثقة
بالمؤسسات، والانتماء للدولة، والتماسك الاجتماعي، والثقة بالمستقبل، والقدرة على
تحمل الأزمات. وقد خلص الباحثان إلى أن "العوامل المعززة للمناعة الوطنية، مثل
مناعة المجتمع والإحساس بالتماسك، ترتبط ارتباطًا إيجابيًا بالمناعة الوطنية، بينما
يرتبط الشعور بالخطر والانقسام ارتباطًا سلبيًا بها". ولم يعد هذا الاستنتاج
نظريًا؛ إذ أظهرت استطلاعات
INSS
بعد الحرب أن الثقة بالجيش بقيت مرتفعة عند نحو
75%،
بينما انخفضت الثقة بالحكومة إلى نحو
23%،
وأعرب أكثر من
80%
من الصهاينة عن قلقهم من
الانقسامات الداخلية، في حين لم يتجاوز متوسط تقييم الأمن القومي
5.7
من 10.
هذه الأرقام تكشف أن التحدي لم يعد يتمثل في امتلاك القوة، بل في المحافظة على
البيئة المجتمعية والسياسية التي تسمح باستخدامها بفعالية.
ولذلك لم يكن مستغربًا أن يحذر رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق، عاموس يدلين من
أن "تقويض التماسك الداخلي، وأزمة قوات الاحتياط، والإضرار بكفاءة الجيش، والخلاف
مع الولايات المتحدة، كلها عناصر تُضعف الردع بصورة خطيرة". وتكتسب هذه العبارة
أهميتها لأنها صادرة عن أحد أبرز منظري العقيدة الأمنية الصهيونية، الذي أكد في
أكثر من دراسة أن الأمن الصهيوني قام تاريخيًا على ثلاثة مرتكزات هي الردع،
والإنذار المبكر، والحسم، وهي مرتكزات تفترض وجود جبهة داخلية متماسكة واقتصاد قادر
على تمويل الحرب، وقيادة سياسية تحظى بالثقة. وإذا اختل أحد هذه العناصر، فإن
فعالية المنظومة الأمنية بأكملها تصبح موضع تساؤل، حتى لو بقي التفوق العسكري
قائمًا.
أما العامل الثاني، فيتمثل في التحول من الحروب القصيرة إلى الاستنزاف طويل الأمد.
فقد بُنيت العقيدة العسكرية الصهيونية منذ عهد ديفيد بن غوريون على أن الدولة
العبرية، بحكم ضيق مساحتها وقلة مواردها البشرية، لا تستطيع تحمل حروب ممتدة، ولذلك
كان الحسم السريع جزءًا من فلسفة الأمن القومي وليس مجرد خيار عسكري. إلا أن الحرب
الأخيرة كسرت هذه القاعدة؛ إذ جرى استدعاء نحو
318
ألفًا
من قوات الاحتياط في الأشهر الأولى، وهو أكبر استدعاء منذ عقود، بينما حذر بنك
إسرائيل من أن استمرار الحرب يفرض أعباء هيكلية طويلة الأجل تتمثل في ارتفاع
الإنفاق الدفاعي، وتراجع الإنتاجية، واتساع العجز المالي، وتباطؤ النمو الاقتصادي.
كما بدأت قطاعات اقتصادية تعاني نقصًا في القوى العاملة نتيجة طول فترة التعبئة.
والأهم من ذلك أن وثيقة الأمن القومي الصادرة عن
معهد الأمن القومي
الصهيوني
دعت صراحة إلى "تحويل الإنجازات العسكرية إلى إنجازات سياسية"، وهو اعتراف ضمني بأن
استمرار العمليات العسكرية من دون أفق سياسي يحمل في ذاته كلفة استراتيجية متراكمة،
ويقوض القدرة على ترجمة الإنجاز التكتيكي إلى استقرار طويل الأمد.
ويبرز العامل الثالث في التحولات التي تشهدها البيئة الاستراتيجية المحيطة بالدولة
العبرية. فمنذ عقود، شكلت الولايات المتحدة العمق الاستراتيجي الأهم للدولة
العبرية، ليس فقط من خلال الدعم العسكري والتكنولوجي، وإنما أيضًا عبر الغطاء
السياسي والدبلوماسي، والتفوق النوعي الذي ضمنته واشنطن للدولة العبرية في المنطقة.
غير أن مراكز الدراسات الصهيونية نفسها تناقش اليوم احتمال أن تصبح البيئة الدولية
أقل استقرارًا بالنسبة للدولة العبرية، مع تغير أولويات السياسة الأمريكية، واتجاه
واشنطن إلى توزيع مواردها بين مسارح تنافس عالمية متعددة، وهو ما يدفع الدولة
العبرية إلى التفكير في كيفية الحفاظ على تفوقها في بيئة قد لا تكون فيها المظلة
الأمريكية بالحجم نفسه الذي عرفته خلال العقود الماضية. وفي هذا السياق، يكتسب صعود
قوى إقليمية مثل تركيا أهمية خاصة، ليس باعتباره بديلًا مباشرًا للدور الأمريكي،
وإنما بوصفه عاملًا يعيد تشكيل توازنات القوة في الشرق الأوسط. فقد طورت أنقرة خلال
العقد الأخير قاعدة صناعات دفاعية متقدمة، ووسعت حضورها العسكري وشبكات تعاونها مع
عدد من الدول، بما جعلها لاعبًا مؤثرًا في ملفات الأمن الإقليمي. وإذا اقترن ذلك
بتعميق أشكال التعاون الدفاعي أو الأمني بين قوى إقليمية مؤثرة، فقد يؤدي إلى بيئة
استراتيجية أكثر تعقيدًا بالنسبة لإسرائيل، ويؤثر في حسابات الردع، ومسارات
التطبيع، وآليات بناء التحالفات. ولا يعني ذلك أن هذه المسارات ستنهار، لكنه يعني
أن البيئة التي استفادت منها الدولة العبرية خلال السنوات الماضية قد تصبح أكثر
قابلية للتغير تبعًا لإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية.
وتكتسب هذه القراءة وزنًا إضافيًا إذا ما استحضرت ملاحظة مستشار الأمن القومي
الصهيوني السابق إيال حولاتا، الذي قال إن "أي حكومة إسرائيلية لم تعتمد حتى اليوم
مفهومًا رسميًا متكاملًا للأمن القومي"، في إشارة إلى أن إدارة الأمن القومي اعتمدت
طويلًا على التقاليد المؤسسية أكثر من اعتمادها على عقيدة استراتيجية موحدة تربط
بين القوة العسكرية، والاقتصاد، والمجتمع، والدبلوماسية. لذلك فإن التحدي الذي
تواجهه الدولة العبرية اليوم لا يتمثل في نقص الدبابات أو الطائرات أو التكنولوجيا،
وإنما في الحفاظ على التوازن بين عناصر القوة المختلفة في لحظة تتعرض فيها جميعها
لضغوط متزامنة.
وبناءً على ذلك، فإن قراءة المؤشرات الكمية والنوعية مجتمعة لا تقود إلى استنتاج
حتمي بانهيار الدولة العبرية، لكنها تشير إلى أن منظومة الأمن القومي الصهيونية
تواجه عملية تآكل تدريجي إذا استمرت الاتجاهات الحالية دون معالجة. فحين
تتراجع مؤشرات المناعة الوطنية التي يقيسها
NR-13، وتتسع
فجوة الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة، وتتحول الحروب إلى استنزاف مفتوح بلا
مخرجات سياسية واضحة، وتصبح البيئة الإقليمية والدولية أكثر تنافسًا وأقل
استقرارًا، فإن التفوق العسكري وحده لا يكفي لضمان الاستقرار الاستراتيجي. ومن هنا
تبدو المفارقة التي لخصها مؤتمر هرتسليا 2026 أكثر وضوحًا، قد تمتلك الدولة
فائضًا من القوة، لكنها في الوقت نفسه تواجه اختبارًا متصاعدًا لقدرتها على الحفاظ
على مقومات أمنها القومي في بيئة تتغير بوتيرة أسرع من قدرتها على التكيف معها.