• - الموافق2026/07/14م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
أمريكا في ذكرى تأسيسها الـ 250 تبييض التاريخ وتلميع وجه الاستعباد

في الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، لا يقتصر الجدل حول أحداث وحيثيات نشأتها، بل يمتد إلى مساءلة تاريخها نفسه. وأسئلة عن العبودية المشؤوم والإبادة والحروب، فهل حان الوقت حان لمراجعة الحقيقة كاملة؟


تقف الولايات المتحدة اليوم، وهي تطوي صفحة القرن الثاني ونصف القرن من عمرها، أمام مرآة تاريخية لا تعكس بريق ديموقراطيتها المزعومة، بقدر ما تكشف عن ندوب غائرة في جسد هويتها وسياساتها لم يفلح "مكياج" الخطاب الرسمي في مواراتها. فبينما يسعى اليمين الأمريكي لتحويل الذكرى الـ 250 للاستقلال إلى ذكرى تمجد العظمة وتطمس الإخفاقات، يبرز صراع مرير حول من يملك حق سرد الحكاية؛ هل هي رواية الآباء المؤسسين الذين صاغوا شعارات المساواة وهم يمتلكون مئات العبيد، أم هي صرخة الضحايا من السكان الأصليين والأفارقة الذين شُيدت هذه الإمبراطورية على أنقاض أرواحهم وثمار سخرتهم؟

فمحاولات غسل التاريخ وتلميع وجه الاستعباد التي نشهدها اليوم، ليست مجرد خلاف سياسي عابر، بل هي معركة وجودية تهدف إلى إعادة تدوير الإرث الاستعماري وإسقاطه على ممارسات القوة البربرية المعاصرة، ناهيك عن رفض الاعتراف بجريمة التأسيس، ومواصلة استنساخها عبر حروب عبثية وتدخلات خارجية من عهد بوش الابن وصولاً إلى حقبة ترامب الحالية.

أسطورة البداية

في عام 1776م، خطَّ توماس جيفرسون ـ وهو أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، وكاتب إعلان استقلالها وثالث رؤساءها ـ كلمات أصبحت أيقونة في تاريخ الأمريكيين: "جميع البشر خُلقوا متساوين"، ورغم أن هذا المبدأ الإنسانيّ قد جاء به الإسلام رسالةً وتطبيقاً قبل ذلك بقرون عديدة، إلا أن هذه الجملة الرنانة وُلِدَت ميتة في سياق واقعها المعاش، حيث كان جيفرسون نفسه، ومعه معظم النخبة المؤسسة، يديرون مزارع شاسعة تعتمد كلياً على العبيد. هذا التناقض بين مثالية النص ووضاعة الممارسة شكّل حجر الزاوية في بناء الجمهورية الأمريكية، التي استثنت من مفهوم البشر كلَّ مَن لا ينتمي للعرق الأبيض، محولةً الدستور إلى وثيقة تضمن استمرارية الرق عبر تسويات سياسية، إذ لم يكن العبيد في نظر الدولة الوليدة سوى محركات اقتصادية لتراكم الثروات من القطن والتبغ، وسلعة يتم تداولها ورهنها وتوريثها دون أدنى اعتبار لإنسانيتهم.

لقد بُنيت أمريكا على أنقاض نظام لم يكتفِ باستعباد الجسد، بل سعى لتأصيل التفوق العرقي قانونياً ومؤسسياً، وهو ما جعل من الحرية الأمريكية امتيازاً حصرياً يقوم على حرمان الآخرين منها. هذا الإرث لم يتلاشَ بمرور الزمن، بل تحوَّل إلى أشكال جديدة من القهر بعد إلغاء العبودية رسمياً، حيث استُبدلت السلاسل الحديدية بقوانين مجحفة وفصل عنصري، وظل الأمريكي الأسود مواطناً على الورق بينما يواجه في الواقع آلة قمعية تمارس ضده الإعدام خارج القانون والتمييز الممنهج.

 

تشهد الولايات المتحدة في سنواتها الأخيرة محاولات مستميتة لإدخال بعض التزييف على تاريخها بغرض تلميعه. فقد أصدر ترامب أوامر تنفيذية تهدف إلى تغيير كيفية عرض التاريخ الأمريكي في المتاحف والحدائق الوطنية والمواقع التاريخية، محاولًا تخفيف التركيز على العبودية

إرث دموي

لقد كان التوسع القاري الأمريكي عملية إبادة جماعية ممنهجة استهدفت السكان الأصليين تحت غطاء أيديولوجي ديني عُرف حينها بـ "المصير المتجلي". هذه العقيدة، التي ادعت أن الله منح الأمة الأمريكية الحق في التوسع عبر القارة، شرعنت الاستيلاء على أراضي القبائل الأصلية وتهجيرهم قسرياً. وما قانون "تهجير الهنود" لعام 1830 إلا الوجه القانوني لهذه البربرية، الذي أدى إلى مأساة "مسيرة الدموع"، حيث سار الآلاف مئات الكيلومترات وسط الجوع والبرد، ليلقون حتفهم في رحلة الموت تلك. كما أن المجازر التي ارتكبها الجيش الأمريكي ضد السكان الأصليين، من "ساند كريك" إلى "ووندد ني"، لم تكن حوادث عرضية، بل كانت جزءاً من سياسة رسمية تهدف إلى محو أي وجود يعيق تمدد الإمبراطورية الناشئة، وحتى عندما توقفت المدافع، لم تتوقف الحرب، بل تحولت إلى إبادة ثقافية داخل مدارس فيدرالية رفعت شعاراً وحشياً: "اقتل الهندي وأنقذ الإنسان". هناك، انتُزع الأطفال من عائلاتهم قسراً، ومُنعوا من التحدث بلغاتهم أو ممارسة طقوسهم، في محاولة منظمة لمحو ذاكرة شعب بأكمله وإذابته في الثقافة الأوروبية الأمريكية.

المثير أنه رغم مرور كل هذه العقود؛ لا تزال أصوات السكان الأصليين غائبة أو مهمشة في السردية الرسمية، حيث يفضل اليمين الأمريكي البدء بالتاريخ من لحظة الاستقلال، متجاهلاً آلاف السنين من الوجود الحضاري الذي دمرته آلة الحرب الأمريكية. وبلا شك فإن احتفالات اليوم بمرور 250 عاماً دون مراجعة صادقة لهذا التناقض التاريخي ليس سوى محاولة مفضوحة لتكريس رواية زائفة عن "أرض الحرية"، والأغرب أن الخطاب اليميني المعاصر يحاول طمس حقيقة أن العبودية لم تكن مجرد خطأ في مسيرة الدولة، بل كانت هي المحرّك الذي دفع عجلة الاقتصاد الأمريكي نحو القمة.

تزييف الوعي

تشهد الولايات المتحدة في سنواتها الأخيرة محاولات مستميتة لإدخال بعض التزييف على تاريخها بغرض تلميعه. فقد أصدر ترامب أوامر تنفيذية تهدف إلى تغيير كيفية عرض التاريخ الأمريكي في المتاحف والحدائق الوطنية والمواقع التاريخية، محاولًا تخفيف التركيز على العبودية وإضفاء صورة إنسانية على المؤسسين على حساب الحقيقة التاريخية. وبدلاً من أن تكون المتاحف مساحات للمراجعة، يريدها اليمين أن تتحول إلى منصات للدعاية الأيديولوجية وتعزيز صورة مختلفة للماضي، ومن ثمَّ جعل الماضي أداة لتبرير السياسات الإقصائية في الحاضر، وتكريس مفهوم الاستثناء الأمريكي كغطاء لكل التجاوزات الحقوقية والسياسية.

تتجلى أزمة الديمقراطية الغربية في نسختها الأمريكية في كونها لم تكن يوماً سوى واجهة لإخفاء إرث استعماري يرفض الاعتراف بجرائمه. فالمبادئ التي يتغنى بها العالم الحر، من حرية التعبير والمساواة أمام القانون، تسقط دائماً عند اختبار الآخر؛ سواء كان هذا الآخر هو الأمريكي الأسود الذي يُخنق تحت ركبة الشرطة، أو المسلم الذي يُعامل كمتهم مفترض منذ أحداث 11 سبتمبر. وقد أدت السياسات الأمنية، مثل "قانون باتريوت"، إلى تقويض الحريات المدنية وتكريس المراقبة الجماعية، مما كشف عن هشاشة الديمقراطية عندما تتعارض مع هواجس الأمن القومي. المفارقة الكبرى تكمن في أن أمريكا، التي تروج لنفسها كمنارة للديمقراطية، تظل الدولة الأكثر تورطاً في دعم الانقلابات وتدمير الأنظمة الحاكمة في العالم، من إيران 1953 إلى تشيلي 1973، خدمةً لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.

 

فمنذ الحرب الإسبانية الأمريكية في عام 1898، التي كانت بداية النفوذ الإمبراطوري خارج الحدود، وصولاً إلى استخدام السلاح النووي في هيروشيما وناجازاكي، أثبتت واشنطن أنها مستعدة لارتكاب أفظع الجرائم في تاريخ البشرية لضمان تفوقها

التدخلات الأمريكية ليست سوى تصدير للعقلية الاستعمارية التي ترى في العالم فناءً خلفياً يجب السيطرة عليه. ناهيك عن أن الديمقراطية في الداخل الأمريكي تعاني اليوم من تآكل متزايد، حيث يرى 85% من الأمريكيين أن ديمقراطيتهم مهددة، مما يعكس فقدان الثقة في المؤسسات التي بنيت على أسس من الإقصاء والتزييف. كما أن استمرار ظاهرة "الإسلاموفوبيا" وتصاعد جرائم الكراهية ضد الأقليات هما العرض الواضح لمرض عضال في بنية الهوية الأمريكية. فالدولة التي تدعي التعددية الثقافية ما زالت تعاني من تيارات قوية ترى في العروبة والإسلام تهديداً لنمط الحياة الأمريكي، وتستخدم الأزمات الدولية لتبرير قمع المواطنين في الداخل.

حروب الهيمنة

الانتقال الأمريكي من التوسع القاري إلى التدخل العسكري العالمي هو امتداد لنفس العقلية التي أزاحت السكان الأصليين؛ عقلية القوة التي لا تعترف بحدود. فمنذ الحرب الإسبانية الأمريكية في عام 1898، التي كانت بداية النفوذ الإمبراطوري خارج الحدود، وصولاً إلى استخدام السلاح النووي في هيروشيما وناجازاكي، أثبتت واشنطن أنها مستعدة لارتكاب أفظع الجرائم في تاريخ البشرية لضمان تفوقها. هذه الحروب، التي غُلفت بشعارات تحرير الشعوب ونشر الحضارة، لم تكن في جوهرها سوى محاولات لتأمين الأسواق والممرات البحرية.

لقد اتسم السجل العسكري الأمريكي في الـ 250 عاماً الماضية بـ:

* حروب التقسيم والوكالة: تفجير الصراعات الإقليمية لتمزيق وحدة الشعوب، كما جرى في الحرب الكورية التي كرّست انقساماً دائماً.

* القرصنة والتدخل المباشر: استعراض القوة الغاشمة ضد الدول النامية لترهيبها، مثل غزو بنما عام 1989 واعتقال رئيسها، وصولاً إلى غزو فنزويلا مطلع هذا العام واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، في تحدٍّ صارخ وشديد للسيادة الدولية والقانون الدولي.

* عقيدة الاستباق: شن حروب وقائية بناءً على معلومات مضللة، كما حدث في غزو العراق عام 2003، الذي دمر بلداً بأكمله بحثاً عن أسلحة دمار شامل وهمية.

* التفوق التقني الوحشي: الاعتماد على القوة النارية الهائلة والأسلحة الكيميائية (مثل العامل البرتقالي في فيتنام) والمسيرات الحديثة، مما خلف آثاراً صحية وبيئية مدمرة لم تمحها العقود.

* الاستنزاف والفشل: الغرق في حروب طويلة الأمد انتهت غالباً بانسحابات فوضوية وفشل في تحقيق الأهداف السياسية، كما تجلى في فيتنام وأفغانستان.

* الخروج على القانون الدولي: ممارسة التعذيب الممنهج في سجون أبو غريب وغوانتانامو والسجون السرية، بعيداً عن أي رقابة قضائية أو أخلاقية.

* شراكة الإبادة والعدوان: رعاية وحماية حروب التصفية والدمار في منطقة الشرق الأوسط؛ بدءاً من الدعم المطلق وغير المحدود عسكريّاً وسياسيّاً في حرب تدمير قطاع غزة وتسويته بالأرض واجتياح جنوب لبنان، وصولاً إلى شنّ عدوان عسكريّ مباشر وتبادل الضربات والقصف ضد إيران واستهداف بنيتها التحتية.

هذا التاريخ من الدموية والجرائم ليس فصلاً منتهياً، بل هو سياسة مستمرة تتجلى في الصراعات الحالية، حيث تظل الولايات المتحدة اللاعب الأكبر في تأجيج التوترات الدولية. والمثير أن تكلفة هذه الحروب، التي تجاوزت 6.4 تريليون دولار منذ أحداث 11 سبتمبر، لم تؤدِ فقط إلى مقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين، بل أدت أيضاً إلى تآكل الشرعية الأخلاقية لواشنطن. فالدولة التي تقدم نفسها كشرطي للعالم هي نفسها التي تنتهك قواعد النظام الدولي كلما تعارض مع مصالحها الأحادية.

بداية الأفول الأمريكي

مع حلول الذكرى الـ 250، لم تعد القيادة الأحادية الأمريكية قدراً محتوماً، بل أصبحت تعاني من إرهاق بنيوي وتراجع ملحوظ في النفوذ العالمي في ظل تآكل التحالفات التقليدية وظهور قوى منافسة مثل الصين وروسيا. إن القرن الذي شهد سيطرة الولايات المتحدة بدأ بالتلاشي، خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي شهدت سلسلة من الإخفاقات الكارثية من العراق إلى أفغانستان، ثم في قطاع غزة وجنوب لبنان من خلال دعمها لإسرائيل، والآن في حربها مع إيران.

إن منطق الصفقات الذي يتبناه ترامب، وتهديداته المستمرة للحلفاء، ومحاولاته السيطرة على أراضي دول أخرى مثل جزيرة غرينلاند، تعكس تحول الإمبراطورية من قوة مهيمنة تقدم نموذجاً (وإن كان زائفاً) إلى قوة مارقة تبتز العالم. هنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن لدولة بنيت على العبودية والإبادة، واستمرت عبر الحروب والتزييف، أن تنجو من ثقل تاريخها وحاضرها الملطخ بالدماء؟

أعلى