• - الموافق2026/07/09م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
سوريا وتشكيل الشرق الاوسط

هل تصبح نقطة الارتكاز التي يُعاد من خلالها رسم خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط؟ ولماذا يعود دونالد ترامب إلى الرهان على دمشق في هذه المرحلة أكثر من أي وقت مضى؟ وما حدود قدرة أحمد الشرع على المناورة بين الضغوط الأمريكية والإسرائيلية


"لقد أصبحت سوريا مستقرة للغاية. ففي فترة قصيرة جداً، شهدت استقراراً كبيراً...

ونحن فخورون بذلك، لأن سوريا جزء مهم من الشرق الأوسط....

لقد كانت سوريا تتمتع بإحدى أعرق الحضارات، وكان فيها أساتذة جامعات ومحامون وأطباء، وكانت من أكثر الدول ثراءً من الناحية الثقافية، ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل على مستوى العالم.... شكراً جزيلاً، سيادة الرئيس"

هكذا ختم الرئيس الأمريكي ترامب كلمته أثناء لقائه بالرئيس السوري أحمد الشرع مؤخرا في أنقرة، شاكرا إياه.

فمنذ دخوله دمشق في ديسمبر ٢٠٢٤، يحاول الرئيس السوري أحمد الشرع استعادة الدور الطبيعي الذي يمكن أن تقوم به الدولة السورية في المنطقة.

وقد تنبهت الإدارة الأمريكية بزعامة دونالد ترامب إلى أهمية ذلك الدور، فعملت على تحقيق مصالحها وإعادة تشكيل الشرق الأوسط انطلاقا من توطيد علاقتها بالنظام السوري الجديد.

وقد استخدم المبعوث الأمريكي توم باراك مصطلح تشكيل الشرق الأوسط ودور سوريا فيه، في أعقاب اللقاء الذي تم في أنقرة، وجمع بين وفد قيادات الكونجرس والرئيس الشرع، حيث كتب باراك في حسابه على اكس بالحرف الواحد في نهاية تغريدته:

"تحمل هذه اللحظة ثقلاً تاريخياً، إذ تُبرز الدور المحوري لسوريا في تشكيل مستقبل الشرق الأوسط".

فباراك يتحدث عن تشكيل مستقبل الشرق الأوسط، والدور السوري في هذا التشكيل.

والسؤال المهم في هذا السياق، ما هو الشرق الأوسط الذي ترغب الولايات المتحدة في تشكيله؟

وما أهمية سوريا؟ والدور الذي تطمح أمريكا في سوريا أن تلعبه؟

والى أي مدى يمكن أن يذهب الشرع في هذا الدور تجاوبا مع الطموحات الأمريكية؟

ملامح الشرق الأوسط الذي ترغب واشنطن في تشكيله

هناك ثوابت ثلاثة تحرك العقل الاستراتيجي الأمريكي وهي: النفط والكيان الصهيوني ومكافحة الإرهاب.

وما يتغير بالنسبة للولايات المتحدة هو فقط الهندسة السياسية، والوسائل التي تتبعها كل إدارة لحماية هذه الغايات الثلاث بأقل خسائر مادية وبشرية ممكنة.

١-النفط

فالغاية الأمريكية هنا لم تعد الحصول على النفط لسد الحاجة المحلية؛ فالولايات المتحدة تحولت بفعل ثورة النفط الصخري إلى أكبر منتج ومصدر للنفط والغاز في العالم.

لذا الغاية الحقيقية هي التحكم في سلاسل التوريد وحرية الملاحة وضمان استقرار الأسعار في السوق العالمي.

وأيضا فالسيطرة على تدفق النفط تمنح أمريكا قدرة غير مباشرة على خنق أو إنعاش الاقتصاديات الآسيوية والأوروبية. فالهدف هو النفوذ والتحكم، وليس الاستهلاك.

2. أمن الكيان الصهيوني

تلتزم أمريكا عقائديًا وسياسياً بضمان ما يسمى بالتفوق العسكري النوعي للدولة الصهيونية في المنطقة كغاية ثابتة لا تتغير بتغير الإدارات.

وهناك نية للانتقال بالكيان الصهيوني من مرحلة الدولة المحاطة بالخصوم والتي تحتاج إلى حماية عسكرية أمريكية مباشرة، إلى مرحلة العنصر العضوي المدمج إقليمياً، عبر اتفاقيات التطبيع والتحالفات الأمنية والاقتصادية.

كما ان تحويل الكيان إلى ركيزة أمنية وتكنولوجية أساسية تدير المصالح الغربية في المنطقة كشريك محلي قوي، يسمح لأمريكا بتقليص وجودها العسكري المباشر دون الإخلال بميزان القوى لصالح خصومها.

3. مكافحة الإرهاب

بدأت هذه الغاية كأولوية قصوى بعد أحداث 11 سبتمبر، وتطورت عبر عقود من الحروب المفتوحة.

الغاية الحقيقية الحالية، هي تحييد أي تهديد قبل أن يمتلك القدرة على ضرب العمق الأمريكي أو مصالح الحلفاء الحيوية.

حيث يتم تحويل ملاحقة التنظيمات العابرة للحدود إلى ملف استخباراتي تكتيكي (ضربات دقيقة ومسيّرات) بدلاً من حملات عسكرية كبرى، مع تدوير الكلفة الأمنية على الأنظمة المحلية.

ولذلك نجد أن المسارات والاستراتيجيات التي تتبعها الإدارة الأمريكية الحالية ليست سوى الترجمة العملية لتحقيق هذه الأهداف الكبرى الثلاثة:

أولاً: هدف النفط

الاستراتيجيات الموظفة لخدمة هذا الهدف: تتمثل في تأمين الممرات البحرية وحرية الملاحة، وتحشد أمريكا التحالفات البحرية وتركز ضرباتها الردعية لحماية مضيق هرمز وباب المندب، لضمان عدم تعرض أسواق الطاقة لأي صدمات ترفع معدلات التضخم العالمي أو تهدد الاقتصاد الأمريكي وحلفاءه.

ومنها أيضًا، بناء الكتل الاقتصادية وتوسيع مظلة التكامل، من خلال دعم ممرات اقتصادية جديدة (مثل ممرات الربط اللوجستي بين الخليج وأوروبا). فالولايات المتحدة تهدف إلى إبقاء شرايين الطاقة والتجارة تحت المظلة الاستراتيجية الغربية، وقطع الطريق على الطموحات الصينية للسيطرة على هذه التدفقات عبر مبادرة الحزام والطريق.

ثانياً: هدف الكيان الصهيوني

فالاستراتيجيات الأمريكية الموظفة لخدمة هذا الهدف، تتمحور حول تفكيك الجغرافيا السياسية للمحاور المناهضة لتصب مباشرة في مصلحة الكيان الصهيوني.

فالتوجه الأمريكي لقطع خطوط الإمداد الإيرانية عبر استغلال التحولات في سوريا (في ظل إدارة الرئيس الشرع) يهدف بالأساس إلى عزل الساحة اللبنانية، وتجفيف منابع الدعم اللوجستي للفصائل المسلحة، مما يحيد أكبر التهديدات الوجودية المحيطة بالكيان.

كما تحاول أمريكا تأسيس نظام إقليمي يتم فيه استبدال حالة العداء التاريخية بشبكة من المصالح الاقتصادية والأمنية البراغماتية، بهدف دمج الكيان الصهيوني عضوياً في نسيج المنطقة، ليتحول من عبء أمني يتطلب حماية أمريكية دائمة، إلى شريك إقليمي فاعل في إدارة الاستقرار.

ثالثاً: هدف مكافحة الإرهاب

فالاستراتيجيات الموظفة لخدمة هذا الهدف حاليًا في عهد ترامب تريد خصخصة الأمن الإقليمي وتقاسم الأعباء.

لم تعد أمريكا ترغب في إرسال جيوشها لمحاربة التنظيمات المتطرفة (في المفهوم الأمريكي) أو إسقاط الأنظمة. فالاستراتيجية هنا هي نقل هذه المهمة للقوى والأنظمة المحلية. من خلال المقايضات (مثل وعود رفع العقوبات أو تقديم دعم سياسي)،

وهنا باتت أمريكا مستعدة للتعاون الأمني والاستخباراتي الدقيق مع أي نظام - مهما كانت طبيعته - طالما أنه قادر على تحييد التهديدات العابرة للحدود قبل أن تصل إلى المصالح الأمريكية أو الغربية.

بهذا التكييف، نرى أن كل تكتيك دبلوماسي أو تحرك عسكري أو اقتصادي أمريكي في الشرق الأوسط، يصب في النهاية في قمع الإرهاب، أو حماية تدفقات الطاقة، أو تأمين التفوق والمكانة للكيان الصهيوني، بأقل تكلفة ممكنة للولايات المتحدة.

ولكن كيف تنظر إدارة ترامب لموقع النظام السوري في هذه المسارات الاستراتيجية

سوريا في الاستراتيجية الأمريكية

الرئيس ترامب لا يرى الدول عبر أبعاد تاريخية أو عاطفية، بل يراها ككيانات جغرافية وظيفية يجب أن تدفع ثمن استقرارها عبر تقديم خدمات استراتيجية متبادلة.

تحديداً، يقع النظام السوري الجديد في قلب العقل الاستراتيجي لإدارة ترامب كأداة حاسمة لتحقيق الأهداف الثلاثة وفق الرؤية التالية:

1. ففي ملف الكيان الصهيوني

ترى إدارة ترامب أن التحول الجذري في دمشق وإنهاء التحالف السوري الإيراني هو الفرصة الأثمن لتأمين الكيان الصهيوني على المدى الطويل، وتتمحور النظرة الأمريكية هنا حول نقطتين:

خنق الوكلاء جغرافياً، ومحاولة حث حكومة الشرع باعتبارها صمام الإغلاق الذي يمكنه قطع الشريان البري الممتد من طهران إلى بيروت نهائياً. فإذا منعت سوريا تدفق السلاح والتمويل عبر أراضيها، فإنها ستقوم بالعبء الأكبر في تحييد خطر حزب الله على حدود الصهاينة الشمالية دون أن تضطر أمريكا أو الكيان الصهيوني لخوض حروب استنزاف مفتوحة.

 كما تتوقع إدارة ترامب من النظام الجديد أن يكون سلطة مركزية قوية قادرة على ضبط جبهة الجولان، ومنع أي فصائل غير نظامية من استخدام الأراضي السورية كمنصة استهداف، مقابل منح سوريا الاعتراف السياسي والشرعية الدولية.

 2. في ملف الإرهاب

حيث تعتمد عقيدة ترامب وفق مبدأ أمريكا أولاً، والتي تعني تقليص وجود القوات الأمريكية شرق الفرات وإنهاء كلفة الحماية المباشرة. وهنا يأتي موقع النظام السوري كبديل أمني على الأرض مؤهل لتولي ملف مكافحة بقايا تنظيم داعش والتنظيمات المتطرفة الأخرى. 

وترى الإدارة الأمريكية في العقوبات وقائمة الدول الراعية للإرهاب أوراق ضغط تفاوضية، وليست مواقف أبدية. لذلك، هي تنظر للنظام السوري كطرف يمكن تحفيزه؛ فكلما أظهر الشرع حزماً أكبر في تفكيك الخلايا الإرهابية (من وجهة النظر الأمريكية) وضبط الأمن الداخلي، كلما تحركت واشنطن لتخفيف القيود الاقتصادية والسماح ببدء تدفق أموال إعادة الإعمار.

3. في ملف النفط

على الرغم من أن سوريا ليست دولة نفطية كبرى بالمقاييس الخليجية، إلا أن إدارة ترامب تنظر لأهمية سوريا من زاوية ما بات يعرف بالجغرافيا السياسية للممرات.

لأن استقرار سوريا يعني استقرار الجوار الجغرافي لأكبر حقول النفط وممرات التدفّق في العالم (الخليج والعراق). وترامب يرى أن أي فوضى مستدامة في سوريا ستهدد أمن الأنابيب ومشاريع الربط اللوجستي المستقبلية في شرق المتوسط.

بالمحصلة، لا تنظر إدارة ترامب إلى النظام السوري الجديد كحليف أيديولوجي، بل كشريك أمني ضروري وجاد، يمتلك موقعاً جغرافياً لا يمكن تجاوزه إذا أرادت واشنطن صياغة شرق أوسط مستقر بكلفة أمريكية تقترب من الصفر.

ولكن إلى أي مدى تكون سوريا قادرة على تلبية هذه التوقعات الأمريكية العالية، دون أن تفرط في سيادتها، أو ايديولوجياتها أو تثير حفيظة القوى الإقليمية الأخرى؟

الشرع والتعامل مع المنظور الأمريكي

تعتبر مبادئ السياسة الشرعية، وفقه الموازنات، مفاهيم تمنح صانع القرار في النموذج الإسلامي، مساحة هائلة من المناورة التكتيكية، والمرونة، لحماية الدولة، وتحقيق الغايات الاستراتيجية الكبرى.

 ففي ملف تحجيم النفوذ الإيراني، حيث المطلب الأمريكي الأبرز، فإن تفكيك الجغرافيا السياسية لإيران وعزل حزب الله لا يشكل عبئاً سياسياً أو تنازلاً منهجيا بالنسبة للشرع، بل يتطابق تماماً مع أهدافه الكبرى وعقيدته السياسية.

فرؤية القيادة السورية الجديدة تعتبر إيران خصماً استراتيجياً، ومشروعها في المنطقة يتصادم جذرياً مع رؤية النظام الحالية.

وبالتالي فإن تقديم الشرع لترامب خدمة إغلاق الممر البري، وتجفيف منابع الدعم الإيراني، ليس ارتهاناً للرغبة الأمريكية، بل كضرورة أمنية سورية لتوطيد أركان حكمه ومنع أي اختراق أمني لأراضيه. هذا التعاطي يحقق له مكسباً مزدوجا: التخلص من النفوذ الإيراني، والتوافق الأمريكي الذي يُترجم إلى دعم اقتصادي وشرعية سياسية.

أما في ملف الكيان الصهيوني والجولان، هنا يكمن الاختبار الحقيقي للمرونة. كيف يتعاطى قائد بخلفية الشرع مع المطالب الأمريكية بضمان أمن الكيان الصهيوني الإقليمي؟

لكن المنهجية التي ينطلق منها الشرع تسمح بعقد الهدن والاتفاقيات الأمنية طويلة الأمد في حالات الاستضعاف وبناء الشوكة، استناداً إلى مبدأ درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

ولذلك لن يذهب الشرع باتجاه تطبيع سياسي أو سلام دافئ على غرار ما تطلبه أمريكا من دول أخرى، لأنه يعلم أن شرعيته الداخلية جزء منها مبني على رمزيته. لكنه سيتعاطى بمرونة مطلقة مع الترتيبات الأمنية. بحيث يضمن تجميد جبهة الجولان بالكامل، وسيمارس احتكاراً صارماً للسلاح يمنع أي فصيل من استخدام الأراضي السورية لتهديد الكيان.

بالنسبة لترامب، هذه النتيجة العملية (أمن الحدود) هي كل ما يهم، وبالنسبة للشرع، هذا يجنب دولته الهشة حرباً مدمرة تطيح بمشروعه.

أما في ملف مكافحة الإرهاب واحتكار العنف، فالاستراتيجية الأمريكية القائمة على خصخصة الأمن الإقليمي تجد صدى إيجابياً جداً لدى الشرع.

فهدف الشرع الأكبر حالياً هو ترسيخ سلطة الدولة المركزية، بالقضاء على التنظيمات العابرة للحدود (مثل خلايا تنظيم الدولة أو الميليشيات المنفلتة)، فهو في حقيقته هدف سوري داخلي قبل أن يكون مطلباً أمريكياً.

والشرع حريص لتقديم أوراق اعتماده كشريك موثوق قادر على ضبط الجغرافيا السورية، مما يسحب من واشنطن أي مبرر لإبقاء قواتها، أو الإبقاء على سيف العقوبات مسلطاً على الاقتصاد السوري.

الخلاصة

يدرك أحمد الشرع أن منطلقاته الفكرية هي بوصلة تحدد الاتجاه العام.

لذلك سيبيع للأمريكيين ما هو في الأساس مصلحة سورية (طرد النفوذ الإيراني، ضبط الحدود، القضاء على الفوضى الأمنية)، ليشتري في المقابل الوقت، والاعتراف، وإخضاع جميع الأراضي السورية للحكومة المركزية، وتوفير الأموال اللازمة لتحقيق هدفه الحالي: بناء دولة سورية قوية ومستقلة ومركزية.

أعلى