بخطى هادئة تتلاقى المسارات لإنضاج تحالف جديد في المنطقة، ليس بالضرورة أن يكون تحالفا عسكريا، أو تكتلا مناوئا بل إن مجالات المصالح المشتركة قد تنضجه مع الوقت والأحداث قد تسرع من ذلك أو تبطئه.
ليست التحالفات الإقليمية الجديدة دائمًا نتاج اتفاقيات دفاعية معلنة أو أحلاف
سياسية صاخبة، بل قد تبدأ أحيانًا من اجتماعات دبلوماسية هادئة ومشاريع اقتصادية
عابرة للحدود ومصالح مشتركة تفرضها التحولات المتسارعة في البيئة الدولية، ولذلك
برزت خلال الأشهر الأخيرة مؤشرات متزايدة على تنامي مستوى التنسيق بين تركيا
والسعودية ومصر وباكستان، وهي دول تمتلك ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا يجعل أي
تقارب بينها محل متابعة إقليمية ودولية واسعة.
وجاءت التطورات الأخيرة في المنطقة بدءًا من التوترات المرتبطة بالحرب الأمريكية
الإسرائيلية على إيران، مرورًا بمخاوف اضطراب طرق التجارة والطاقة العالمية، وصولًا
إلى استمرار الحرب في غزة؛ لتدفع هذه الدول نحو تكثيف مشاوراتها وتوسيع مجالات
التعاون فيما بينها، وبينما تنظر بعض الأطراف إلى هذه التحركات باعتبارها تعاونًا
طبيعيًا بين قوى إقليمية كبرى، يرى مراقبون أنها قد تمهد لظهور إطار تنسيقي جديد
قادر على التأثير في ملفات المنطقة خلال السنوات المقبلة.
تعميق العلاقات بين تركيا والسعودية
شهدت العلاقات التركية السعودية خلال الفترة الأخيرة دفعة جديدة تمثلت في الانتقال
من مرحلة استعادة العلاقات السياسية إلى مرحلة إطلاق مشاريع استراتيجية طويلة
الأمد، وكان أبرز هذه المشاريع الإعلان عن خطط لإنشاء شبكة سكك حديدية تربط
السعودية بتركيا عبر الأردن وسوريا بما يتيح وصول البضائع والطاقة والركاب إلى
الأسواق الأوروبية عبر الأراضي التركية، وتشير التصريحات الرسمية الصادرة عن
الجانبين التركي والسعودي إلى أن المشروع لا يقتصر على البعد التجاري فحسب، بل
يستهدف بناء ممر لوجستي إقليمي قادر على مواجهة الاضطرابات التي قد تتعرض لها
الممرات البحرية التقليدية.
وتزداد أهمية هذا المشروع في ظل التحديات التي تواجه التجارة العالمية نتيجة
الأزمات الأمنية المتكررة في المنطقة خاصة في الممرات البحرية الحساسة؛ لذلك ينظر
إلى مشروع الربط الحديدي باعتباره محاولة لبناء بديل بري طويل الأمد يربط الخليج
العربي بتركيا ومنها إلى أوروبا، مع إمكانية انضمام دول خليجية أخرى إليه مستقبلًا،
كما يحمل المشروع أبعادًا اقتصادية وسياحية ودينية، إذ تتحدث التصورات الأولية عن
إمكانية استخدامه مستقبلًا في نقل الركاب وربط المدن التركية بالمدن المقدسة في
المملكة العربية السعودية.
ولا يقتصر التقارب التركي السعودي على ملف النقل فقط بل يشمل كذلك مجالات الاستثمار
والطاقة والتجارة والتعاون السياسي، وهو ما يعكس رغبة متبادلة لدى البلدين في بناء
شراكة أكثر استقرارًا بعد سنوات من التباعد والخلافات السياسية.
التعاون الرباعي لأجل غزة
بالتوازي مع التقارب الثنائي بين عدد من هذه الدول، برز خلال الأشهر الأخيرة إطار
رباعي يضم تركيا والسعودية ومصر وباكستان، وهو إطار بات يحظى باهتمام متزايد بسبب
طبيعة الملفات التي يناقشها وحجم الدول المشاركة فيه.
وفي 21 يونيو الجاري استضافت القاهرة الاجتماع التشاوري الرابع لوزراء خارجية الدول
الأربع، حيث ناقش الوزراء تطورات الأوضاع الإقليمية وسبل دعم الاستقرار في الشرق
الأوسط وتعزيز التنسيق المشترك بين بلدانهم، وأكد البيان المشترك أهمية مواصلة
التشاور والتنسيق السياسي بين الدول الأربع بما يدعم الأمن والاستقرار والازدهار في
المنطقة.
|
|
المؤكد أن مستوى التشاور والتنسيق بين هذه الدول الأربع بات أكبر مما كان
عليه خلال السنوات الماضية، وأن المصالح المشتركة في مجالات الأمن والطاقة
والتجارة والاستقرار الإقليمي تدفع نحو مزيد من التقارب |
كما ناقش الوزراء تطورات الحرب في غزة والملفات الإقليمية المرتبطة بالسودان وليبيا
والتوترات المحيطة بإيران، وسط تأكيد متكرر على أهمية الحلول السياسية ومنع اتساع
دائرة الصراعات في المنطقة.
ورغم أن هذا الإطار لا يمثل تحالفًا رسميًا بالمعنى التقليدي، فإنه يعكس وجود مساحة
متزايدة من المصالح المشتركة والرغبة في تنسيق المواقف بشأن القضايا الإقليمية
الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية والتحديات الأمنية التي تواجه المنطقة.
التقارب التركي المصري والمناورات الأخيرة
من أبرز التحولات السياسية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة عودة العلاقات بين
مصر وتركيا إلى مسار التقارب بعد فترة طويلة من التوتر، ومع استعادة العلاقات
الدبلوماسية الكاملة بين البلدين بدأت مرحلة جديدة من التعاون السياسي والاقتصادي
والأمني.
وشهدت الفترة الأخيرة تطورًا ملحوظًا في التعاون العسكري بين القاهرة وأنقرة، حيث
أطلقت القوات المسلحة المصرية والتركية مناورات جوية مشتركة بمشاركة طائرات مقاتلة
متعددة المهام، بهدف تعزيز التنسيق العملياتي وتبادل الخبرات ورفع مستوى الجاهزية
القتالية للقوات المشاركة، كما تضمنت التدريبات مراحل نظرية وعملية لتوحيد المفاهيم
القتالية وتعزيز القدرة على تنفيذ المهام المشتركة.
وأوضح المتحدث باسم وزارة الدفاع التركية زكي آك تورك أن القوات الجوية المصرية
تشارك في هذه المناورات التي تستضيفها تركيا وتحمل اسم مناورات "النسر الثلاثي"
بخمس مقاتلات من طراز "إف-16" بجانب بمشاركة دولة
أذربيجان أيضًا، وتمتد هذه المناورات من
22 يونيو الجاري حتى
3
يوليو المقبل.
وتأتي هذه المناورات ضمن مسار أوسع من التعاون العسكري الذي شهد توقيع اتفاقيات
إطارية للحوار والتنسيق بين المؤسستين العسكريتين في البلدين بالتزامن مع تنامي
التنسيق السياسي في عدد من الملفات الإقليمية المهمة.
ويرى مراقبون أن التقارب المصري التركي لا يستهدف تشكيل اصطفافات جديدة بقدر ما
يعكس إدراكًا متبادلًا لأهمية التعاون بين دولتين تعدان من أكبر القوى العسكرية
والسياسية في شرق المتوسط والشرق الأوسط، خاصة في ظل الأزمات المتلاحقة التي تشهدها
المنطقة.
تذير إسرائيلي من تشكل المحور السني
أثار التقارب المتزايد بين مصر وتركيا إلى جانب تنامي التنسيق بين الرياض وأنقرة
وإسلام آباد والقاهرة، اهتمامًا واسعًا في وسائل الإعلام الإسرائيلية التي بدأت
تتحدث عن إمكانية تشكل محور إقليمي جديد يضم عددًا من الدول ذات الثقل السياسي
والعسكري والاقتصادي في المنطقة.
وفي هذا السياق نشرت القناة
13 الإسرائيلية تقريرًا
مصورًا حذرت فيه من تعاظم ما وصفته بـ"الحميمية الاستراتيجية والعسكرية" بين مصر
وتركيا، معتبرة أن التحسن المتسارع في العلاقات بين البلدين لا يقتصر على الجانب
الدبلوماسي، بل يمتد إلى مجالات التعاون الأمني والعسكري، وأشارت القناة إلى
المناورات العسكرية المشتركة التي يجريها الجيشان المصري والتركي، معتبرة أنها تعكس
مستوى متقدمًا من التنسيق بين الطرفين مقارنة بالسنوات الماضية.
كما نقل التقرير عن عدد من الباحثين والخبراء الإسرائيليين مخاوفهم من أن يتجاوز
هذا التقارب الإطار الثنائي ليصبح جزءًا من شبكة أوسع من العلاقات الإقليمية تضم
السعودية وباكستان ودولًا أخرى، وهو ما قد يؤدي إلى تعزيز التنسيق السياسي والأمني
بين هذه الدول في عدد من الملفات الحساسة المتعلقة بالمنطقة.
وركزت بعض التحليلات الإسرائيلية على أن المصالح المشتركة التي تجمع هذه الدول باتت
أكثر وضوحًا في السنوات الأخيرة، سواء فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية أو أمن البحر
الأحمر وشرق المتوسط أو استقرار المنطقة بعد الحرب على إيران، إضافة إلى مشروعات
النقل والطاقة والتجارة العابرة للحدود، وترى هذه التحليلات أن تزايد مستويات
التشاور بين هذه العواصم قد يمنحها قدرة أكبر على تنسيق مواقفها تجاه التطورات
الإقليمية والدولية.
وفي التقرير نفسه التي عرضتها القناة
13 الإسرائيلية اعتبر الباحث
الإسرائيلي "ديان شموئيل ألماس" أن تعميق العلاقات الأمنية بين مصر وتركيا قد يؤدي
إلى إحداث تغيرات في البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل، مشيرًا إلى أن اتساع
دائرة التعاون بين تركيا ومصر والسعودية وباكستان قد يفضي إلى ما وصفه بـ"توحيد
المحور السني" في المنطقة، كما تساءلت القناة في تقريرها عما إذا كان هذا المسار
مرشحًا للتوسع مستقبلًا ليشمل دولًا خليجية أخرى، بما قد ينتج عنه تكتل إقليمي أكثر
تأثيرًا في الملفات السياسية والأمنية.
ومع ذلك فإن الحديث عن محور موحد بالمعنى التقليدي لا يزال محل نقاش، إذ تحتفظ كل
دولة من هذه الدول بأولوياتها الوطنية وحساباتها الاستراتيجية وعلاقاتها الدولية
الخاصة، لكن
المؤكد أن مستوى التشاور والتنسيق بين هذه الدول الأربع بات أكبر مما كان عليه خلال
السنوات الماضية، وأن المصالح المشتركة في مجالات الأمن والطاقة والتجارة
والاستقرار الإقليمي تدفع نحو مزيد من التقارب،
وهو ما يفسر حجم الاهتمام الذي توليه وسائل الإعلام الإسرائيلية لهذه التطورات
ومتابعتها المستمرة لمسار العلاقات بين هذه القوى الإقليمية الكبرى.
التعاون بين تركيا وباكستان
تُعد العلاقات التركية الباكستانية من أكثر العلاقات استقرارًا أيضًا في هذا
السياق، وقد شهدت العلاقات بين البلدين خلال الفترة الأخيرة دفعة إضافية تمثلت في
توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم جديدة قبل عدة أيام في قطاع الطاقة الكهربائية
والتعاون التقني وتبادل الخبرات المؤسسية.
وتهدف هذه الاتفاقيات إلى تطوير البنية التنظيمية لقطاع الطاقة وتعزيز التعاون في
مجالات تشغيل الشبكات الكهربائية والتخطيط والتحول الرقمي وبناء القدرات الفنية
والمؤسسية، كما تعكس رغبة البلدين في توسيع شراكتهما الاقتصادية والتقنية إلى جانب
التعاون السياسي والدفاعي القائم منذ سنوات.
ويبرز التعاون التركي الباكستاني كذلك في إطار المشاورات الإقليمية المتعلقة بأزمات
المنطقة، حيث تشارك الدولتان بانتظام في الاجتماعات الرباعية التي تضم مصر
والسعودية، وتنسقان مواقفهما في عدد من القضايا المرتبطة بالأمن والاستقرار
الإقليمي.
كلمة أخيرة
قد يكون من المبكر الحديث عن نشوء تكتل إقليمي متكامل يضم تركيا والسعودية ومصر
وباكستان لكن المؤشرات المتراكمة خلال الفترة الأخيرة تكشف بوضوح عن اتجاه متصاعد
نحو توسيع مجالات التعاون والتنسيق بين هذه الدول، فالمشاريع الاقتصادية الكبرى
والتعاون العسكري المتنامي والاجتماعات السياسية المنتظمة، كلها تعكس وجود مصالح
مشتركة تدفع نحو مزيد من التقارب.
وفي منطقة تعيش تحولات متسارعة وتحديات أمنية واقتصادية متشابكة، تبدو هذه الشراكات
محاولة لبناء مساحات أوسع من التنسيق الإقليمي بعيدًا عن الاستقطابات التقليدية،
وبينما تختلف أولويات كل دولة وحساباتها الاستراتيجية فإن المشترك بينها اليوم قد
يكون أكبر من أي وقت مضى، وهو ما يجعل هذا المسار جديرًا بالمتابعة خلال السنوات
المقبلة لفهم شكل التوازنات الجديدة التي تتشكل بهدوء في قلب الشرق الأوسط، خاصة
بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران والتي عصفت بالكثير من مشاعر
الراحة والطمأنينة التي كانت تشعر بها دول المنطقة ما دفعها لإعادة حساباتها من
جديد.