• - الموافق2026/07/19م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
لغز العلاقات الإيرانية الأمريكية

هل تكشف محطات العلاقة الأمريكية الإيرانية خلال خمسة عقود أن الصراع المعلن أخفى تفاهمات براغماتية أعادت تشكيل توازنات المنطقة وأثرت في مستقبل التحالفات والأزمات الإقليمية حتى اليوم بعيدًا عن الشعارات والخطابات السياسية المتداولة بين الطرفين؟


أثار التصعيد الأخير بين أمريكا وإيران والذي تطور إلى قصف مركز أمريكي على أنحاء إيران.. أثار جدلا موسعًا حول طبيعة العلاقات بين تلك الدولتين، وما يعتريها من صراع وتجاذبات طيلة ما يقرب من خمسين عاما، وبالتحديد بعد استيلاء الآيات على حكم طهران في ثورتهم عام ١٩٧٩.

هل العلاقة بين الطرفين كما يبدو في العلن طوال تاريخها هي علاقة عداء فقط؟ أم كان هناك نمط آخر في العلاقة لم يكن مخفيا، ولكن لم يتم تسليط الضوء عليه كثيرا إعلاميا؟

لذلك للخروج من تلك الحيرة ولفهم ما يجري، وتوقع مآلاته، لابد من تتبع ما يدور بين الدولتين، ومحددات وخصائص العلاقة بينهما، في ضوء الأخبار المثبتة وتصريحات مسؤولي الدولتين طيلة الخمسين عاما الماضية، عبر المحطات الرئيسة في تاريخ تلك العلاقة المبهمة.

أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية

بدأت تلك الأزمة في نوفمبر 1979، أي بعد نجاح الثورة الإيرانية بعدة شهور، حين اقتحم طلاب ثوريون السفارة الأمريكية في طهران، واحتجزوا 52 دبلوماسياً أمريكياً لمدة 444 يوماً، احتجاجاً على استقبال واشنطن للشاه المخلوع وتخوفاً من ترتيب انقلاب مضاد.

وفي أبريل 1980، أمر الرئيس كارتر بتنفيذ عملية عسكرية لإنقاذهم، عرفت باسم مخلب العقاب. صُممت العملية كاختراق جوي معقد، لكنها انتهت بفشل كارثي؛ إذ تسببت عاصفة رملية وأعطال فنية في إلغاء المهمة، وتفاقمت المأساة باصطدام مروحية بطائرة شحن أثناء الانسحاب، مما أسفر عن مقتل 8 جنود أمريكيين، وتدمير عدة طائرات قبل الوصول لطهران.

منحت هذه الخيبة الخميني بروباجندا قوية لترسيخ سلطته وتصوير الحادثة كمعجزة إلهية، وانتهت الأزمة بوساطة جزائرية، وأُفرج عن الرهائن في يناير 1981 (تزامناً مع تنصيب رونالد ريغان لإذلال كارتر سياسياً)، مقابل تعهد أمريكي بعدم التدخل في شؤون إيران والإفراج عن أرصدتها المجمدة.

بالنسبة لأمريكا: تركت الأزمة جرحاً غائراً في الكبرياء القومي وصورة الدولة العظمى، خاصة مشهد الدبلوماسيين معصوبي الأعين، الأمر الذي يتجاوز المصالح الاستراتيجية لدى الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

هذه الأزمة أحدثت عقدة في النفسية الأمريكية من إيران، صبغت علاقتها بها بنظرة فوقية حتى في محطات التعاون والتقاء المصالح، فتحولت المسألة الإيرانية في واشنطن إلى ورقة للمزايدة الداخلية بين الحزبين؛ حيث يتنافس الديمقراطيون والجمهوريون في إظهار الشدة والصرامة تجاه طهران لخطب ود الناخبين. وهذا ما سيصيب صانع القرار الإيراني بالخيبة والحسرة، في المحطات التي سنراها فيما بعد.

بالنسبة لإيران أثبتت هذه المحطة أن الصراع مع أمريكا بالنسبة لإيران هو حاجة حيوية للبقاء الداخلي وليس مجرد خيار دبلوماسي:

فأصبح النظام الإيراني يحتاج دائماً إلى عدو خارجي ضخم، لتبرير الأزمات الاقتصادية، وتوحيد الجبهة الداخلية، وقمع المعارضة تحت شعار لا صوت يعلو فوق صوت معركة مواجهة الاستكبار العالمي.

فضيحة إيران - كونترا (إيران جيت)

في عام ١٩٨٥، وفي ذروة الحرب العراقية الإيرانية، والعداء الإعلامي المستعر، قامت إدارة الرئيس ريجان ببيع أسلحة سراً لإيران (عبر الكيان الصهيوني)، مقابل مساعدة إيران في الإفراج عن رهائن أمريكيين في لبنان.

لم تكن هذه المحطة الأولى في التعاون، فقد سبقها تعاون بين إيران والكيان الصهيوني قبل ذلك بأربع سنوات، عندما تعاونا البلدان في قصف منشأة العراق النووية، وفي عقد صفقات تسليح استراتيجية في السر.

كشف هذا الحدث ثلاث خصائص جوهرية للغز العلاقة بين البلدين:

أولا البرجماتية التي تمتاز بها العلاقة الإيرانية الأمريكية، بينما كان أركان السلطة في طهران يتصدرون الجموع في الشوارع بهتاف الموت لأمريكا، وعلى الجانب الآخر بينما تصنف أمريكا إيران دولة راعية للإرهاب؛ تلاقت مصالحهما في الغرف المغلقة. فإيران أرادت صواريخ تاو ومعدات أمريكية لإنقاذ جبهتها في حربها ضد العراق، وأمريكا أرادت تحرير رهائنها في لبنان وتمويل مقاتلي الكونترا في نيكاراغوا سراً.

كذلك كشفت الأزمة قدرة الطرفين على نسج شبكات معقدة من الوسطاء (شملت تجار سلاح دوليين وحكومة الكيان) لإبقاء التعاون سرياً.

هذه الشبكة المعقدة تضمن الحفاظ على الإنكار المقبول أمام شعبيهما في حال كُشفت اللعبة.

كما أثبتت المحطة أن العداء العلني لا يمنع التنسيق العملياتي الواسع، عندما يتعلق الأمر بملفات وجودية (كحاجة إيران العسكرية لبقاء نظامها، وحاجة إدارة ريجان لإنقاذ سمعتها السياسية داخلياً).

باختصار، صاغت "إيران جيت" القاعدة الذهبية الممتدة لليوم: الخطابات النارية للجماهير لتغذية الهوية الثورية، والصفقات الباردة خلف الكواليس لتحقيق المكاسب الواقعية.

الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق

بعد هجمات 11 سبتمبر، قدمت إيران معلومات استخباراتية حاسمة لأمريكا وسمحت بفتح مجالها الجوي لدعم الغزو الأمريكي لأفغانستان وإسقاط نظام طالبان (العدو المشترك للطرفين).

وبعدها بعام ونصف، عاد الطرفان للتعاون بينهما، حين أسقطت أمريكا نظام صدام حسين (العدو التاريخي الأكبر لإيران)، بتعاون معها.

كشف هذا التعاون عدة خصائص في العلاقات الأمريكية الايرانية:

منها: ما يعرف بالبرجماتية بالوكالة وتجنب البصمات المباشرة:

هنا ظهرت إيران في إدارة تعاونها (وكذلك صراعها فيما بعد) مع أمريكا عبر وكلاء محليين. هذا الأسلوب يمنحها ميزتين: تضمن تحقيق مصالحها وبناء نفوذها خاصة في العراق الجديد، وفي نفس الوقت تحافظ على طهارة خطابها الثوري في الداخل (الموت لأمريكا)؛ لأن من ينسق في العلن مع أمريكا هم عراقيون وليسوا إيرانيين بشكل مباشر.

ولكن تلك المحطة أيضا أظهرت الصدمة الإيرانية من الإنكار الأمريكي:

هذه المحطة تحديداً هي التي رسخت عقدة النظرة الفوقية الأمريكية التي تحدثنا عنها سابقاً.

كيف كان ذلك؟

إيران عندما سهلت سقوط كابول وبغداد، وهذا ما عبر عنه نائب الرئيس الإيراني علي أبطحي في مؤتمر في أبي ظبي بعد الاحتلال الأمريكي للعراق بعدة أشهر فقال " لولا طهران ما سقطت بغداد ولا كابول"، كانت تتوقع من أمريكا مكافأة جيوسياسية والاعتراف بها كشريك إقليمي، وربما كوكيل لها في المنطقة.

لكن عقلية المحافظين الجدد في إدارة بوش استغلت هذا التعاون، وبعده أدارت ظهرها لإيران، بل وصنفتها في محور الشر.

هذا الخذلان الأمريكي بعد قمة التعاون الميداني في عامي ٢٠٠١، و٢٠٠٣، ما لبث أن أصبح سمة أساسية للعلاقة بين البلدين.

الاتفاق النووي وبعدها الانسحاب منه

في عام ٢٠١٥، عقدت أول مفاوضات علنية ومباشرة ومكثفة بين مسؤولي البلدين منذ عقود في عهد الرئيس أوباما، أفضت إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات.

ولكن بعدها بثلاث سنوات وفي عهد الرئيس ترامب، جرى الانسحاب من الاتفاق واغتيال قاسم سليماني.

وبالرغم من أنه ولأول مرة يحدث اشتباك عسكري مباشر وعلني، ولكن الأهم هو طبيعة الرد. فقد أبلغت إيران أطرافاً بضربتها مسبقاً لتقليل الخسائر البشرية الأمريكية، وقبل ترامب الرد لاحتواء الموقف. فبدا الأمر وكأنه لعبة حافة الهاوية المتقنة؛ كلاهما يضرب ليردع، لا ليشعل حرباً.

ضربة 28 فبراير

لقد كانت السمة الأبرز للعلاقات الأمريكية الإيرانية، أنها لم تأخذ شكل الحرب مطلقا في فترات التصعيد والتوتر بينهما.

لذلك لما جاء التصعيد في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، عندما تم اغتيال المرشد خامنئي وقيادات الصف الأول في الجيش والحرس الثوري، وأعقبه القصف الأمريكي الصهيوني، كان ذلك التصرف يخالف أغلب التوقعات والتي رأى فيها المتابعون للعلاقات الأمريكية الإيرانية شيئا مختلفا وغير مألوف في تاريخ الصراع بينهما.

فتاريخياً، كان ضرب العمق الإيراني خطاً أحمر تتهرب منه الإدارات الأمريكية المتعاقبة؛ خوفاً من سيناريو حرب بلا نهاية. وعندما كُسر هذا الأمر في جولات التصعيد الأخيرة، تطلع العالم ترقباً لشكل النظام الإقليمي الجديد.

لكن التراجع السريع والعودة للضربات المحدودة، أصبح بمثابة اعتراف أمريكي ضمني بمدى جدوى استخدام القوة، وإقرار بأن آليات إدارة الصراع القديمة هي الخيار الأقل سوءاً.

وهنا يتم طرح سؤال هل يمكن اعتبار أن أمريكا بتوقفها عن الحرب وعودتها إلى الآليات السابقة في التعامل الأمريكي مع إيران، يرجع إلى شعورها بأن المنطقة مقبلة على فراغ قد يملأه تحالف سني جديد؟

هذا لا شك فيه، فالاستراتيجية الأمريكية لا تقوم على محو الخصوم تماماً، بل على إدارتهم. وإذا سقطت إيران بالكامل، سينشأ فراغ جيوسياسي مرعب بالنسبة لواشنطن لعدة أسباب استراتيجية:

منها الحاجة لفزاعة لضمان التبعية الأمنية.

ومنها الخوف من نشأة تحالف سني جديد مستقل بدأ يلوح في الأفق.

ومنها كابوس الفوضى وبروز فواعل من غير الدول يهدد المصالح الأمريكية.

ومنها أن زوال إيران كتهديد للدول العربية، سيدفع العرب بعيدا عن التطبيع والدخول في الاتفاقيات الإبراهيمية، الأمر الذي يهدد أمن الكيان الصهيوني ومشاريعه في المنطقة.

الخلاصة

أمريكا تلعب دور ضابط الإيقاع؛ فهي تريد إيران في نزيف دائم، محاصرة، ومقلمة الأظافر لكي لا تتغول، لكنها في الوقت نفسه لا تريدها ميتة، حتى لا تفقد المبرر الاستراتيجي لوجودها وهيمنتها على المنطقة، ولكي لا تسمح بظهور قوة إقليمية بديلة: سواء كانت تحالفاً سنياً مستقلاً، أو فوضى جماعات متطرفة (وفق التعريف الأمريكي).

أعلى