أحد السيناريوهات التي لا تُغلف في تلك الحرب هو "هندسة الفوضى" بوصفها أداة استراتيجية: ضرب المركز، تحريك الأطراف، وإطلاق سلسلة تصدعات تُضعف الدولة من الداخل. فهل تنجح أمريكا في إغراق إيران في استنزاف طويل يعيد تشكيل الإقليم كله.
ليست كل الحروب تُخاض من أجل النصر العسكري المباشر. بعض الحروب تُدار بوصفها
مقدّمات، لا خواتيم؛ تُفتح فيها النيران لا لاحتلال الأرض، بل لتحريك مسارات كامنة،
واستدعاء احتمالات مؤجلة. وفي الحالة الإيرانية، يبدو أن الهدف الأمريكي المعلن أقل
أهمية من الهدف المضمر: ليس إسقاط النظام عبر ضربة عسكرية حاسمة، بل دفعه إلى
السقوط عبر سلسلة أحداث متدحرجة تتجاوز ساحة المعركة.
فالضربة الأولى قد لا تُعنى بإسقاط طهران من الجو، بل بإضعاف عمودها الفقري.
فالتركيز ينصب على القوة الصلبة للنظام: الحرس الثوري الإيراني، وتعبئته الشعبية
المتمثلة في الباسيج. ضرب المقرات، شل منظومات الاتصال، تفكيك سلسلة القيادة،
ومحاولة استهداف القيادات العليا والوسطى… كل ذلك
لا يراد به إنهاء المعركة، بل إحداث خلل بنيوي طويل الأمد.
هنا يتحول الاستهداف من "منشآت" إلى "شبكات": شبكة القرار، شبكة الأمن الداخلي،
شبكة التمويل، شبكة التعبئة العقائدية. إنها عملية تفكيك تدريجي لعصب الدولة الصلب،
بحيث تبقى البنية قائمة شكلاً، لكنها فاقدة للتماسك الفعلي.
الأخطر من ذلك هو نقل الضغط إلى الأطراف. فالمناطق التي تقطنها قوميات متعددة
–
الأكراد، البلوش، العرب، الآذريون
–
تتحول إلى ساحات مرشحة للاشتعال. ليس لأن الانفصال خيار سهل، بل لأن الإرباك الأمني
في المركز يُغري الخارج بالاستثمار في الهوامش. وهنا تدخل الدولة في معادلة استنزاف
مزدوج: حماية المركز وضبط الأطراف في آن واحد.
إذا نجحت الضربة الأولى في تحقيق أهدافها في إضعاف القبضة الأمنية، تبدأ الخطوة
التالية وهي انتقال المعارضة
–
أو بعض أطيافها
–
من الاحتجاج السياسي إلى العمل المسلح المنظم. في هذه اللحظة يتبدل المشهد من
مواجهة خارجية إلى اشتباك داخلي.
النظام، الذي اعتاد إدارة أزمات متفرقة، يجد نفسه أمام جبهات متعددة ومتزامنة. ومع
اتساع التدخلات الخارجية
–
السياسية والإعلامية وربما العسكرية
–
قد تُطرح سيناريوهات فرض مناطق حظر طيران، أو إنشاء مناطق عازلة بحجة حماية
المدنيين.
|
|
أي زلزال داخلي في إيران لن يبقى شأناً محلياً. إنه اختبار لتوازنات دولية
دقيقة. لذلك قد لا يكون الهدف إنهاء الدولة، بل إبقاؤها في حالة عدم يقين
دائم، بحيث تُستنزف دون أن تنهار بالكامل، وتُقيّد دون أن تتحرر. |
هذه اللحظة هي الأخطر: إذ تتحول إيران من "خصم إقليمي" إلى "مسألة دولية مفتوحة".
وحين يتم تدويل الأزمات، تتسع حسابات القوى الكبرى، وتدخل المصالح العابرة للقارات
على خط النار.
السؤال هنا ليس: هل يسقط النظام؟ بل: ما شكل إيران بعد هذه السلسلة؟
حتى لو بقي النظام مسيطراً على طهران والمدن الكبرى، فإن استنزافه في الأطراف،
وتآكل قدرته الاقتصادية، وانهيار الثقة بين المركز والمجتمع، قد يحول الدولة إلى
كيان هش. دولة مثقلة بالعقوبات، محاطة بالخصوم، ومنشغلة بإخماد الحرائق الداخلية.
في هذا السيناريو، تتحول إيران من لاعب إقليمي مؤثر إلى ساحة مفتوحة. وحين تصبح
الدولة الكبيرة ساحة، فإن جوارها لا يبقى محايداً. العراق، بحكم التشابك الجغرافي
والسياسي، سيكون أول المتأثرين. تركيا ستراقب بقلق تحركات الأكراد عبر الحدود.
باكستان ستجد نفسها أمام احتمال تسرب الفوضى إلى إقليم بلوشستان.
هنا تتكشف الفكرة الجوهرية: الفوضى ليست نتيجة عرضية، بل أداة استراتيجية. دولة
قوية
–
حتى لو كانت معادية
–
يمكن احتواؤها أو ردعها. أما دولة متفككة، فهي عبء دائم على ذاتها وعلى محيطها،
ومصدر اضطراب مستمر يستهلك طاقاتها لعقود.
بين إسقاط النظام وتفكيك الدولة
الخلط بين "إسقاط النظام" و"تفكيك الدولة" خطأ تحليلي جسيم. إسقاط النظام قد يُنتج
انتقالاً سياسياً، أما تفكيك الدولة فيعني انهيار البنية التي تحفظ المجال الوطني:
الجيش، الحدود، الاقتصاد، وحدة القرار.
التاريخ القريب يقدم أمثلة واضحة: حين سقطت أنظمة في المنطقة دون الحفاظ على تماسك
الدولة، لم تكن النتيجة ديمقراطية مستقرة، بل فراغاً تنازعت عليه المليشيات
والتدخلات الأجنبية.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل لدى القوى التي تراهن على هذا السيناريو تصور واقعي
لإدارة ما بعد التفكك؟ أم أن المطلوب
–
في العمق
– ليس
البناء، بل الإضعاف المستدام؟
حسابات القوى الكبرى
لا يمكن فصل هذا المشهد عن صراع القوى الكبرى. الولايات المتحدة تنظر إلى إيران
بوصفها عقدة في شبكة نفوذ تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط. روسيا ترى فيها شريكاً
في كسر العزلة الغربية. الصين تعتبرها محطة أساسية في مشروع "الحزام والطريق".
أي زلزال داخلي في إيران لن يبقى شأناً محلياً. إنه اختبار لتوازنات دولية دقيقة.
لذلك قد لا يكون الهدف إنهاء الدولة، بل إبقاؤها في حالة عدم يقين دائم، بحيث
تُستنزف دون أن تنهار بالكامل، وتُقيّد دون أن تتحرر.
الخاتمة: زلزال في خاصرة الإقليم
نحن أمام حرب تُدار بمنطق "الهندسة الجيوسياسية"، لا بمنطق المعركة التقليدية. إنها
محاولة لإعادة رسم موازين القوى عبر ضرب القلب، وتحريك الأطراف، وإطلاق سلسلة
تفاعلات يصعب احتواؤها.
فإن سقط النظام، فالتحدي هو من يملأ الفراغ. وإن بقي، فالتحدي هو كيف يحكم دولة
متآكلة. وفي الحالين، قد لا تكون الخسارة إيرانية فحسب، بل إقليمية شاملة.
فالمنطقة التي لم تتعافَ بعد من زلازل العقدين الماضيين، قد تكون على موعد مع زلزال
جديد…
زلزال لا يقف عند حدود طهران، بل يمتد ارتداده إلى كل خاصرة آسيا الغربية.