• - الموافق2026/02/04م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
لجنة تكنوقراط لإدارة غزة: إدارة الضرورة أم اختبار السيادة؟

أخطر ما في نموذج لجنة التكنوقراط أنه يساهم، ولو بشكل غير مباشر، في إعادة تعريف غزة بوصفها ملفًا إداريًا وإنسانيًا. فحين تُدار غزة عبر آليات دولية مستقلة، دون ربط بالمشروع الوطني، فإن ذلك يرسّخ واقع الفصل، ويُضعف إمكانية استعادة وحدة التمثيل والقرار.


مع الإعلان شبه النهائي عن تشكيل "لجنة تكنوقراط" لإدارة غزة، بعد اجتيازها الفحص الأمني والحصول على الموافقات الأمريكية والصهيونية الكاملة، تتكشّف ملامح مرحلة جديدة في إدارة القطاع، مرحلة لا تقوم على التوافق الوطني بقدر ما تقوم على إدارة الضرورة تحت إشراف دولي مباشر في إطار مُحكم لإعادة تنظيم غزة خارج سياقها السياسي الفلسطيني التقليدي.

تشكيلة مهنية ورسائل سياسية

تُقدَّم اللجنة بوصفها هيئة "محايدة"، مهمتها إدارة الملفات الخدمية والإنسانية بعيدًا عن التجاذبات السياسية. غير أن هذا الادعاء، في السياق الفلسطيني تحديدًا، يبدو أقرب إلى إعادة إنتاج للسياسة بأدوات تقنية، فحين تُدار غزة عبر لجنة لا تستمد شرعيتها من صندوق اقتراع، ولا من توافق وطني شامل، بل من رعاية دولية وتمويل مشروط، فإننا أمام نموذج إدارة يفصل بين الخدمة والسيادة، ويحوّل السياسة إلى ملف مؤجل بلا سقف زمني واضح.

لا شك أن الأسماء المطروحة في تشكيل اللجنة تحمل كفاءات مهنية في مجالات حيوية كالصحة، والتعليم، والاقتصاد، والبنية التحتية، والمالية. غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بالكفاءة فقط، بل بـالمرجعية: من فوّضهم؟ ومن يحدد أولوياتهم؟ ولمن سيقدّمون ولاءهم السياسي والأخلاقي؟

فالتحفظات التي أُثيرت حول آلية اختيار بعض الأعضاء، واعتراض السلطة الفلسطينية على تغييب مرجعيتها المباشرة، ليست تفاصيل جانبية، بل تعكس أزمة أعمق تتعلق بـتفكيك فكرة التمثيل الفلسطيني الموحد، ورغم ذلك، فإن امتناع الأطراف الفلسطينية المختلفة عن تعطيل تمرير اللجنة يشير إلى قبول اضطراري، لا إلى توافق حقيقي، فرضته اختلالات القوة وضغط الواقع الإنساني الكارثي في قطاع غزة.

من التفاهمات إلى الإدارة المموَّلة

الانتقال من مرحلة التفاهمات السياسية إلى مرحلة الترتيبات التنفيذية، المدعومة بصندوق مالي خاص، يمثل لحظة فاصلة. فالتمويل هنا ليس مجرد أداة تشغيل، بل وسيلة ضبط سياسي غير معلن. إذ أن من يملك التمويل يملك القدرة على توجيه الأولويات، وتحديد ما يُعاد بناؤه، وما يُترك مؤجلًا، ومن يُشغَّل، ومن يُقصى.

 

يمثل الخط الأصفر أحد أكثر القضايا تعقيدًا، إذ يرتبط مباشرة بترتيبات الانسحاب الصهيوني وإعادة الانتشار. ومن حيث المبدأ، لا تملك لجنة التكنوقراط صلاحية التفاوض أو فرض ترتيبات سيادية، غير أن تجاهل الملف كليًا يضعها في مأزق عملي.

وبهذا المعنى، تتحول لجنة التكنوقراط إلى حلقة وصل بين الاحتياجات الإنسانية والإرادة الدولية، لا بين غزة ومشروعها الوطني. وهو ما يفتح الباب أمام خطر حقيقي: أن تصبح إعادة الإعمار أداة لإدارة الأزمة، لا لإنهائها.

هنا تكمن المفارقة: فقد تنجح اللجنة في تحسين شروط الحياة اليومية، وفتح الطرق، وإعادة تشغيل الخدمات، لكنها في الوقت ذاته قد تُسهم من حيث لا تقصد في تكريس الفصل بين غزة والسياق الوطني الأوسع، إذا لم تُربط بوضوح بمسار سياسي فلسطيني جامع.

إن الخطر لا يكمن فقط في وجود لجنة تكنوقراط، بل في غياب أفق سياسي واضح يحدد نهايتها، ويربط عملها بمسار وطني جامع يعيد توحيد الجغرافيا والقرار.

أخطر ما في نموذج لجنة التكنوقراط أنه يساهم، ولو بشكل غير مباشر، في إعادة تعريف غزة بوصفها ملفًا إداريًا وإنسانيًا منفصلًا، لا جزءًا من القضية الفلسطينية الكلية. فحين تُدار غزة عبر آليات دولية مستقلة، دون ربط واضح بالمشروع الوطني، فإن ذلك يرسّخ واقع الفصل، ويُضعف إمكانية استعادة وحدة التمثيل والقرار.

ولن يُقاس نجاح اللجنة بعدد الشوارع التي تُفتح، ولا بكمية الركام التي تُزال فقط، بل بمدى قدرتها على:

·                     عدم التحول إلى بديل سياسي دائم.

·                     عدم تكريس الوصاية الدولية على القرار الفلسطيني.

·                     ربط عملها بوضوح بمسار سياسي وطني جامع.

ملفات حساسة ومهمات أمنية

ينبغي على اللجنة أن تعالج ملفات شديدة الحساسية تتجاوز الطابع الخدمي البحت، وتلامس جوهر المشهد الأمني والسيادي والإنساني. وفي مقدمة هذه الملفات الانسحاب الصهيوني من الخط الأصفر، وقضية الميليشيات المسلحة التي شرعن الاحتلال وجودها، وملف إغاثة المواطنين. وهي قضايا تختبر قدرة اللجنة على إدارة الواقع دون الانزلاق إلى دور سياسي أو أمني يتجاوز تفويضها المعلن.

يمثل الخط الأصفر أحد أكثر القضايا تعقيدًا، إذ يرتبط مباشرة بترتيبات الانسحاب الصهيوني وإعادة الانتشار. ومن حيث المبدأ، لا تملك لجنة التكنوقراط صلاحية التفاوض أو فرض ترتيبات سيادية، غير أن تجاهل الملف كليًا يضعها في مأزق عملي.

التعامل المرجّح للجنة سيكون عبر مقاربة غير مباشرة، تقوم على:

·                     توثيق الأضرار المترتبة على استمرار التواجد العسكري.

·                     إدارة الآثار المدنية للخط الأصفر (الوصول، الحركة، الخدمات).

·                     رفع تقارير فنية للجهات الدولية الراعية.

غير أن الخطر يكمن في أن تتحول هذه المقاربة إلى تطبيع إداري مع واقع الاحتلال، حيث يُدار أثر الخط الأصفر دون الضغط الحقيقي لإزالته، ما قد يكرّس بقاءه كأمر واقع مؤقت قابل للتمديد.

 

تكشف هذه الملفات الثلاثة أن لجنة التكنوقراط تعمل في منطقة رمادية: فهي مطالبة بإدارة آثار قضايا سيادية وأمنية كبرى، دون امتلاك أدوات التعامل مع جذورها. والخطر الحقيقي لا يكمن في فشلها، بل في نجاحها الجزئي الذي قد يكرّس واقعًا مختلًا

أما قضية الميليشيات المسلحة التي شرعن الاحتلال وجودها فتُعد من أكثر الملفات حساسية، لأنها تمسّ مباشرة مفهوم احتكار السلاح، والسلم الأهلي، ووحدة النسيج المجتمعي. ولجنة التكنوقراط، بوصفها هيئة غير سياسية، ستجد نفسها محكومة بخيارين أحلاهما مرّ:

·                     الصدام المباشر: وهو خيار غير متاح عمليًا، لغياب التفويض الأمني والسياسي.

·                     الصمت الإداري: وهو ما قد يُفسَّر كقبول ضمني بواقع فرضه الاحتلال.

لذلك فد تلجأ اللجنة الى التعامل مع هذا الملف الخطير والحساس عبر:

·                     التأكيد على البعد القانوني والمؤسسي بوصفه خارجا عن الإطار الرسمي والأمني.

·                     ربط أي نشاط مسلح خارج الإطار الرسمي بتهديد الاستقرار المجتمعي.

·                     تحميل الجهات الدولية مسؤولية تفكيك هذه الظاهرة بوصفها نتاجًا مباشرًا للاحتلال.

غير أن هذا المسار يبقى هشًا، ما لم يُربط بموقف وطني واضح يمنع تحويل الميليشيات إلى بنية دائمة موازية للمؤسسات.

في حين يُعد ملف الإغاثة المجال الأكثر وضوحًا في تفويض لجنة التكنوقراط، لكنه في الوقت ذاته الأكثر عرضة للتسييس والابتزاز. فالتحدي لا يكمن فقط في إيصال المساعدات، بل في:

·                     ضمان العدالة والشفافية في التوزيع.

·                     منع تحويل الإغاثة إلى أداة ضبط اجتماعي أو سياسي.

·                     مقاومة محاولات ربط المساعدات بترتيبات أمنية أو سلوكية.

ونجاح اللجنة في هذا الملف سيقاس بقدرتها على تحييد الإغاثة عن الحسابات السياسية، وربطها بمعايير إنسانية واضحة، وبإشراف محلي ومجتمعي يحدّ من الاحتكار أو التمييز.

إدارة بلا سيادة ومسؤولية بلا أدوات

تكشف هذه الملفات الثلاثة أن لجنة التكنوقراط تعمل في منطقة رمادية: فهي مطالبة بإدارة آثار قضايا سيادية وأمنية كبرى، دون امتلاك أدوات التعامل مع جذورها. والخطر الحقيقي لا يكمن في فشلها، بل في نجاحها الجزئي الذي قد يكرّس واقعًا مختلًا: احتلال يُدار، وميليشيات تُتجاهل، وأزمة إنسانية تُخفَّف دون أن تُحل.

لجنة التكنوقراط في غزة ليست مجرد هيئة إدارية، بل نتاج مرحلة فلسطينية مأزومة، تُدار فيها الكارثة بأدوات تقنية، فيما تُعلّق السياسة إلى أجل غير مسمى. قد تكون ضرورة آنية، لكنها ليست حلًا استراتيجيًا. والخطر الأكبر أن يُعتاد هذا النموذج، وأن تُدار غزة طويلًا كمساحة خدمات بلا سيادة، وإدارة بلا تمثيل، وإعمار بلا مشروع تحرري.

من هنا، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستكون لجنة التكنوقراط جسرًا مؤقتًا نحو استعادة القرار الوطني؟ أم إطارًا إداريًا طويل الأمد لإدارة أزمة بلا أفق سياسي؟

 

 

أعلى