بين كواليس القرار الأمريكي وتقلبات الساحة الإيرانية، تتداخل الحسابات العسكرية مع لعبة الأعصاب السياسية، ليبقى السؤال الأبرز: ما الذي يُعطّل الزناد الأمريكي رغم اكتمال المقدمات؟ إن كشف أسباب التأجيل يفضح عمق الصراع ويعيد رسم خارطة المواجهة في المنطقة.
السؤال
الحقيقي المطروح اليوم ليس: هل ستضرب الولايات المتحدة إيران؟ بل: كيف ومتى ولماذا
وبأي كلفة، ولأي غاية نهائية؟
الخلل
في معظم القراءات المتداولة أنها تنطلق من عواطف، أو من أخلاقيات مُعلنة، أو من
تمنيات سياسية، بينما تُهمل حقيقة أن الجغرافيا السياسية هي علم قاسٍ، صامت، يعمل
بالأرقام والخرائط والقدرات وموازين الردع، لا بالمشاعر.
من
هذا المنطلق، يجب قراءة المشهد الحالي بعيدًا عن التصريحات المضللة، وأقرب إلى
البنية العميقة لصنع القرار في واشنطن، وخصوصًا في ظل عقلية دونالد ترامب، حيث
تختلط التجارة بالحرب، والاستعراض بالتهديد، والحرب النفسية بالضربة العسكرية.
لماذا
فشل الاحتجاجات يُقرب الضربة ولا يؤجلها؟!
المدخل
الصحيح لفهم سلوك واشنطن يبدأ من مسلّمة أساسية: الجغرافيا السياسية لا تُكافئ
النوايا، بل تُعيد ترتيب القوى وفق منطق الصلابة والقدرة. لا مكان هنا للخطاب
الأخلاقي؛ كل ما يهم هو من يملك القدرة على التحكم بالمجال وتعطيل مشاريع الآخرين.
فشل
الاحتجاجات في تحقيق اختراق حاسم لا يُقرأ في واشنطن كنجاح للنظام، بل كفشل لأداة
ضغط ناعمة، ما يستدعي الانتقال لأداة أعلى في سلّم الإكراه. واشنطن تعتبر إسقاط
النظام من الداخل خياراً مفضلاً لكنه غير مضمون، وفشل الشارع يفرض تغيير الأداة نحو
العمل العسكري. النظام أثبت امتلاكه لكتلة صلبة قادرة على منع
“لحظة
الكسر”،
وهذا ما يغري خصومه بضرورة التدخل الخارجي.
هنا
يظهر شبح سيناريو الشاه؛ فالخطر الحقيقي ليس في الاحتجاج المعيشي، بل في تحوّله إلى
أزمة شرعية تمس الهوية والولاية. القمع المكثف الذي مارسه النظام يُقرأ
استخباراتياً كعلامة ضعف، وإقرار بأن أدوات الضبط التقليدية لم تعد فعالة تجاه جيل
الشباب.
|
|
الحرب الخارجية قد توحد الشارع ضد “العدو”، لهذا تدرك إسرائيل أن البديل
الأنجع هو "التدخل الناعم" والحرب النفسية لدفع الاقتصاد نحو الانهيار
وزيادة التوتر الاجتماعي |
واشنطن ترى أن فشل الاحتجاجات لم يُنتج انقساماً داخل النخب، وهذا يعيدنا للمنطق
الصرف: حين تعجز الأدوات الناعمة، يُعاد الاعتبار للأدوات الصلبة، ليس لإسقاط
النظام فوراً بالضرورة، بل لكسر توازنه ودفعه نحو خيارات
مريرة.
“الضربة
الوظيفية”: منطق ترامب.
يفكر
ترامب في الضربة كتاجر صفقات يدير المخاطر. الضربة الأمريكية المحتملة هي "ضربة
وظيفية": عمل عسكري محسوب وقصير، يحقق نتائج إعلامية وسياسية كبيرة دون التورط في
مستنقع طويل. ترامب يسأل: "كيف أبدو منتصراً؟" بدلاً من "كيف ننتصر عسكرياً؟".
السمات الحاكمة لقراره هي: رفض الحروب الطويلة، الهوس بتجنب الخسائر البشرية،
والتركيز على اللمعان الإعلامي.
لكن
هذه المعركة تتطلب تفوقاً استخباراتياً مطلقاً، وهنا واجهت واشنطن مأزقاً بعد سيطرة
إيران على خدمات الاتصال والقبض على عملاء، مما حوّل الضربة إلى "شبه عمياء".
واشنطن تدرك أن استهداف قيادات مؤمّنة دون ضمانات نجاح سيُعد فشلاً يمنح النظام
دفعة معنوية.
يتداخل
العسكري بالاقتصادي في عقل ترامب؛ فهو لا يتجاهل خطر الانهيار المالي العالمي. فكرة
“فجر
الأحد”
تهدف لجعل الصدمة الاقتصادية مؤجلة والأسواق مغلقة، لأن أي خطأ قد يحوّل الضربة إلى
أزمة عالمية. خاصة مع دخول السلاح الروسي والصيني المتطور للخدمة، مما غير معادلة
التفوق الجوي وجعل السماء الإيرانية عائقاً حقيقياً.
الداخل
الإيراني و“الاحتواء المستحيل”:
القناعة
المركزية اليوم أن إيران لم تعد قابلة للاحتواء التقليدي. النظام يواجه تحدياً
مزدوجاً: اقتصاد منهك في الداخل، وتهديد علني بالإسقاط من الخارج. هذا التلاقي
يحوّل الأزمة من سياسية إلى وجودية. القيادة في طهران ترى في الاحتجاجات تكراراً
لسيناريو الشاه حين تآكلت الشرعية، والقمع هنا أداة تأجيل تهدف لمنع
“لحظة
الكسر”.
ما
يزيد التعقيد هو تحوّل مركز الثقل الاجتماعي؛ فالأجيال الحالية خارج الأطر
الأيديولوجية ولا تتأثر بخطاب
“العداء للخارج”.
واشنطن تراهن على إيقاد كرة لهب داخلية وتغذيتها لاستنزاف النظام حتى يتآكل. لكن
هذا الرهان محفوف بالمخاطر، فإيران تمتلك كتلة عقائدية صلبة قد تنزلق بالبلاد إلى
عنف داخلي واسع بدلاً من التغيير السلمي.
|
|
تسعى واشنطن عبر هذا الخيار لإنتاج قيادة جديدة من داخل النظام تكون مستعدة
للتخلي عن الطموح النووي مقابل البقاء. لكن هذا يصطدم بـ "أيديولوجيا
الدولة"؛ فأي تنازل في ملفات القوة هو بمثابة انتحار سياسي |
الحرب الخارجية قد توحد الشارع ضد
“العدو”، لهذا تدرك إسرائيل أن البديل الأنجع هو "التدخل الناعم" والحرب النفسية
لدفع الاقتصاد نحو الانهيار وزيادة التوتر الاجتماعي.
من الضربة المحدودة إلى
الحرب العالمية
الضربة
لا يمكن فصلها عن شبكة التفاعلات الإقليمية. الفرضية الأمريكية بضربة "نظيفة" تصطدم
بامتلاك إيران
“قدرة الإيذاء الواسع”.
أي تهديد وجودي سيقابله رد إيراني يستهدف نقاط الضعف العالمية، وعلى رأسها "مضيق
هرمز".
إغلاق
المضيق، ولو جزئياً، كفيل برفع أسعار النفط لمستويات قياسية تسبب صدمة تضخمية
عالمية تصيب الاقتصادات الكبرى وتؤدي لانهيارات في البورصات.
علاوة على ذلك، ستمتد المواجهة لتشمل القواعد الأمريكية وجبهات "وحدة الساحات"، مما
يحول "الضربة الوظيفية" إلى حرب إقليمية شاملة. هذا التداخل يجعل من الصعب جداً رسم
حدود للعمل العسكري بمجرد بدئه، ويضع واشنطن أمام خيار الانجرار لحرب برية لا
تريدها.
علاوة علي أنه تم الكشف عن أنه تأخير العدوان الأمريكي قد جاء بناء على طلب من
نتنياهو بسبب عدم جاهزية دفاعات "كيانه" الأرضية.
تخيّلوا أن العدوان من أمريكا لعيون إسرائيل، ومع ذلك يتأخّر لأن الأخير ليس جاهزا
لتحمّل الرد المحتمل، وتذكّروا صراخ إسرائيل طلبا للمساعدة الأمريكية الغربية بعد
أسبوعين فقط من الحرب على غزة.
إسرائيل في حقيقتها مستوطنة أمريكية غربية وفقط، بل حربة في قلب أمّتنا، لكن قادته
يُدمنون الغطرسة، مُستغلّين نفوذ أتباعهم في أمريكا ودول الغرب وحتي العرب.
ما
بعد الضربة:
الضربات
الجوية تفتح المسار لما بعدها من انهيار بطيء أو إعادة تركيب قسري. يبرز "الخيار
الفنزويلي" كنموذج مفضل لا يهدف لإسقاط الدولة فوراً، بل يعتمد على حصار مطبق وشلل
اقتصادي مع ضرب مرافق حيوية لدفع النظام إلى "التآكل التدريجي" حتى يفقد قدرته على
تمويل أذرعه أو قمع شعبه.
تسعى
واشنطن عبر هذا الخيار لإنتاج قيادة جديدة من داخل النظام تكون مستعدة للتخلي عن
الطموح النووي مقابل البقاء. لكن هذا يصطدم بـ "أيديولوجيا الدولة"؛ فأي تنازل في
ملفات القوة هو بمثابة انتحار سياسي لنظام بُني على فكرة
الثورة. أما إسقاط النظام بالكامل، فهو مغامرة قد تفتح أبواب التقسيم العرقي، وهو
زلزال سيمس أمن الخليج والعراق وتركيا ويغير موازين القوى مع روسيا والصين.
وفي النهاية، نكتشف أن الضغط الأمريكي على إيران لم يكن دعما لثورة شعبها الذي
يعاني الفقر والظلم والفساد، فترامب آخر زعيم يمكن أن يتخذ هذه المواقف الأخلاقية،
وإنما هي ثلاثة مطالب نقلها مبعوثه للشرق الأوسط "ويتكوف": وقف تخصيب اليورانيوم ـ
تقليص مخزون الصواريخ، تسليم المادة النووية التي تم تخصيبها، وإذا لم ينفذ المطالب
فسيدعمون ثورة الشعب.
ترامب
يظن أن التلويح بالقوة سيحقق له صفقة رخيصة، لكن التاريخ يذكرنا بأن واشنطن أسقطت
حليفها "الشاه" حين أصبح عبئاً. الضربة الأمريكية لن تكون على إيران فقط، بل عن شكل
النظام الإقليمي القادم. المنطقة تعيش حالة سيولة قصوى، وأي خطأ في الحساب قد يقود
إلى حرب لن تنتهي بوقف إطلاق نار، بل بتغيير جذري في موازين القوة العالمية. السؤال
ليس: هل ستقع الضربة؟ بل: هل يمكن التحكم في نتائجها؟