• - الموافق2026/02/04م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
كيف نبني هوية المسلم في عصر التطرف الرقمي؟

الهوية لا تُبنى في عزلة. يجب تشجيع المراهق على المشاركة في أنشطة مجتمعية، بناء صداقات إيجابية، والدخول في أنشطة مجتمعية تحافظ على الهوية الإسلامية.


في أركان تلك الفترة الـمتوترة بين الطفولة والنضج، تدور الرحى على جيل جديد يقف على حافة هاوية اللاانتماء. جيل ولد في حضن الثورة الرقمية، ورأى العالم وهو ينفتح كصفحة بيضاء بين يديه، لكنه رأى أيضاً تناقضاته الصارخة وهو يتفكك أمام عينيه. وبين زئير التطرف الذي يعد بأبطال أسطوريين، وهمس الانحلال الذي يعد بالحرية المطلقة، يبحث هذا القلب اليافع عن بوصلة توجهه في بحر متلاطم الأمواج.

قال الإمام الغزالي - رحمه الله تعالى -: "الصبيُّ أمانةٌ عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرةٌ نفيسةٌ خاليةٌ عن كل نقشٍ وصورة، وهو قابلٌ لكل نقش، ومائلٌ إلى كل ما يُمالُ إليه، فإن عُوِّد الخيرَ نشأ عليه، وسَعِدَ في الدنيا والآخرة أبواه، وإن عُوِّد الشر وأًهْمِلَ إهمال البهائم، شَقِيَ وهَلَكَ، وكان الوزر في رقبة القيِّم عليه. وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملاً، وإنما يكمل ويقوى بالغذاء، فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال، وإنما تكمل بالتربية، وتهذيب الأخلاق، والتغذية بالعلم".

ويقول ابن القيم الجوزية "التربية تهذيباً للخلق وتقويماً للسلوك، بمحاربة الأخلاق السيئة وتوجيه الغضب والشهوة نحو الخير".

إن التحدي الذي يواجهه الوالدين اليوم ليس مجرد تعديل سلوك، ولا مراقبة تصرفات ابنهم المراهق بل هو تحد وجودي أعظم؛ كيفية بناء هوية إسلامية عميقة الجذور، مرنة الأغصان، قادرة على أن تستقبل نور الحق من كل اتجاه، دون أن تنكسر أمام رياح الضلال، هوية تجعل من الشاب المسلم إنساناً يعيش في عصره بكل جوارحه، لكنه لا يغرق في تياراته الضالة.

على الوالدين أن يبحثا عن الطرق العملية لصناعة نسيج من الثقة والحوار، وزرع القلوب بحب للدين ينبع من الفهم والإقناع.

هذه ليست مهمة تربوية فحسب، بل هي مشروع حضاري يؤجر عليه الوالدان ويبدأ مع المراهق منذ نعومة أظفاره في خطوات يمكن أن نوجزها فيما يلي:

 تشبع المراهق بالهوية الإسلامية:  وهي مرحلة تبدأ من الروح إلى الجسد فهي فلسفة حياة ونسيج حي يجمع عقيدة نقية، أخلاقاً صلبة، وسلوكاً يتناغم مع نبض العصر. يجب على الآباء والمعلمين أن يرووا للمراهق قصة الإسلام كمنظومة تُشبع الفطرة، تحترم العقل، وتواجه التحديات الرقمية بجرأة. هكذا يشعر بالفخر الحقيقي، بعيداً عن الانغلاق أو التفريط، مستلهماً الوسطية الإسلامية التي تحول دون التطرف أو الانهيار.

 تنشئة الطفل في جو إسلامي وتعليمه أركان التوحيد وإحاطته برفقاء يشاركونه نفس التوجه في التعلم والممارسة هو خط البداية؛ قد تكون البيئة في مدرسة إسلامية أو في حلقات تربوية في المسجد أو في دور تلقي العلوم الشرعية أو حتى في المراكز الإسلامية للمغتربين.

 

ومرحلة المراهقة ليست مجرد انتقال بيولوجي أو نفسي عابر، بل هي نقطة تحول حاسمة تتشكل فيها الشخصية بشكل نهائي تقريباً، حيث يصطدم الشاب بتيارات العولمة والثقافات الغريبة

العقيدة الصحيحة هي الأساس كما قال الداعية الإسلامي الدكتور محمد راتب النابلسي، ثم العبادات، ثم الأخلاق

القدوة الحية: سيرة النبي هي خير قصص تربوي ونعم المعلم في عصر لا يقتنع المراهق بكلام مجرد؛ فهو يحتاج إلى حياة تنبض.  يجب أن يعيش المراهق منذ طفولته سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم كفيلم حي، يجيب على أسئلته اليومية عن الحب والصداقة والنجاح

وقد قال نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ".

ويمكن إضافة نماذج معاصرة كعلماء مسلمين يبتكرون، ومعلمين ودعاة مؤثرين وكلهم يجسدون انسجام الهوية الإسلامية مع الإنجاز هذا فضلا عن قصص الصحابة التي تجسد دروساً حية لبناء شخصية مسلمة واثقة.

الحوار العقلي: بحب التعامل مع عقل المراهق كصديق ناضج، لا كتلميذ مطيع وذلك مع مراعاة عدم إذابة حدود الاحترام الواجبة من المراهق لوالديه وعدم السماح له بتخطي حواجز الإحسان للوالدين.

عبر النقاش المثمر يمكن فتح أبواب النقاش حول الشبهات الرقمية، مدعومة بالأدلة العقلية والنصوص النبوية. هكذا تنمو قناعاته الخاصة، مقاومة لعواصف الشك.

المواجهة الرقمية من الاستسلام إلى السيطرة: فالإنترنت واقع لا مفر منه لكن يجب إحسان استخدامه بشكل مقنن ومراقبة ومتابعة حقيقية، ويمكن أن نسمح للمراهق باستخدام مقتن للهواتف لتعزيز هويته الإسلامية عبر تطبيقات قرآنية، ومحتوى تربوي رصين، وما يقوي مهاراته النقدية لتمييز الصحيح من الزائف. هذه الأدوات تحول معركة الهوية الرقمية إلى انتصار، لكن يجب الحذر من الإفراط في استخدامه للإنترنت قبل تأصيل مراقبة الله في قلبه وتقوية إيمانه ومتابعته في استخدامه بشكل يقود للتصدي للمحتوى الكفري والإلحادي أو المحتوى المخالف للشريعة.

الفاعلية الاجتماعية: الهوية لا تُبنى في عزلة. يجب تشجيع المراهق على المشاركة في أنشطة مجتمعية، بناء صداقات إيجابية، والدخول في أنشطة مجتمعية تحافظ على الهوية الإسلامية. هكذا يصبح قائداً، لا مجرد متفرج.

تبدأ وصايا لقمان بابنه بتوحيد الله: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان:13)، لترسيخ العقيدة أساس الهوية. فيما يدعو نبينا إبراهيم: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} (إبراهيم:40)، مشدداً على القدوة في العبادة

وفي إرث السنة نجد قول النبي صلى الله عليه وسلم: "مُرُوا أَوْلَادَكُمُ الصَّلَاةَ لِسَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ"  وهو تدريب تدريجي يحمي الهوية من الانحرافات.

كما قال خير الأنام: "لاعبوهم سبعاً وأدبوهم سبعاً وصادقوهم سبعاً"، وهي معادلة متوازنة للمصادقة المراهق وإيصاله لبر الأمان.

إن تربية المراهق على الهوية الإسلامية هي مشروع حضاري عميق الجذور، يمتد آثاره عبر الأجيال ليبني أمماً صالحة قائمة على أعمدة الإيمان الراسخ والأخلاق الفاضلة والعلم النافع.

 ومرحلة المراهقة ليست مجرد انتقال بيولوجي أو نفسي عابر، بل هي نقطة تحول حاسمة تتشكل فيها الشخصية بشكل نهائي تقريباً، حيث يصطدم الشاب بتيارات العولمة والثقافات الغريبة، وأمام التساؤلات الوجودية العميقة عن الذات والكون والغاية من الحياة تأتي التربية الإسلامية كدرع واقٍ محكم ومنارة هادية تضيء دروب الضلال، فهي لا تقتصر على نقل المعارف فحسب، بل تبني الوعي الإيماني الذي يُمَكِّن الشاب من التمييز بين الحق والباطل في زحمة العصر الرقمي

إن قول الله تعالى في كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [سورة التحريم: 6]، ليس دعوة عابرة، بل أمر إلهي ملزم يضع على كاهل الوالدين والمجتمع مسؤولية حفظ الأسرة والنشء من لهيب الضلال والانحرافات الأخلاقية التي تُهَدِّد الهوية. فالفطرة السليمة المنبثقة من رحم الخلقة الإلهية هشة أمام التأثيرات الخارجية، ودور الوالدين هو صقلها وتعزيزها قبل أن تُغْلَبَها التيارات المعادية

 في عصرنا الراهن، حيث تتسلل وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الغربي إلى أعماق النفوس الشابة محملة بقيم مادية تهدف إلى تفكيك الهوية الإسلامية، يصبح الالتزام بهذه التربية ليس خياراً رفاهياً بل ضرورة وجودية ملحة للبقاء وفقا  لقوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعد عيناك عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [سورة الكهف: 28].

 إن سر نجاح هذه التربية يكمن في التكامل الشامل بين القدوة الحسنة كأساس، حيث يكون الأب والأم مرآة تعكس الإسلام في العمل لا في القول؛ والتعليم المنهجي كسند، يجمع بين حفظ القرآن والفقه والسيرة مع العلوم الحديثة؛ والمسجد كملاذ يُرَبِّي الروح بالعبادة والجماعة

أعلى