في ظل التوترات المتصاعدة في شرق سوريا، تتجه الأنظار إلى الأحداث الساخنة التي تسعى إلى تغيير خارطة النفوذ في المنطقة، فهل نحن أما بداية مرحلة فاصلة جديدة ستحسم مصير التنظيمات المسلحة وخاصة تنظيم قسد وتعيد رسم المستقبل السياسي والأمني لسوريا؟
تشهد الساحة السورية في شهر يناير الحالي تصعيدًا عسكريًا هو الأخطر منذ سقوط
النظام السابق، حيث يبدو أن العلاقة بين الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع وقوات
سوريا الديمقراطية (قسد) قد وصلت إلى طريق مسدود، مما حول المناوشات الحدودية إلى
ما يشبه بداية معركة أوسع.
وقد اندلعت المواجهات في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، بعد تعثر
المفاوضات بين الحكومة السورية وقوات قسد حول دمج الأخيرة في مؤسسات الدولة.
وقد اشتدت المعارك واستخدمت فيها الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيرة، أسفرت (حسب ما
أصدرته قسد في بيان رسمي) عن قتل 35 من قواتها خلال المواجهات، بينما أعلنت الحكومة
السورية عن استشهاد حوالي 28 مقاتلاً من الجيش والقوى الأمنية.
وقد وثقت المنظمات الحقوقية والطبية في حلب مقتل 14 مدنيًا، بينهم طفلان وامرأة،
نتيجة الرصاص الطائش والقذائف التي سقطت على المنازل.
وبحلول الساعة الثالثة من مساء اليوم التالي، الموافق 10 يناير، سيطرت الحكومة على
حي الشيخ مقصود، وتم نقل عدة مئات من المقاتلين المرتبطين بقوات سوريا الديمقراطية
بالحافلات خارج المدينة إلى المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية في
الشرق.
وبينما كانت عمليات الإجلاء جارية، أطلقت قوات سوريا الديمقراطية في ريف حلب الشرقي
ما لا يقل عن 13 طائرة مسيرة انتحارية باتجاه مدينة حلب. أُسقطت ست منها، لكن سبعًا
وصلت إلى أهدافها. استهدفت إحداها مبنى بلدية حلب خلال مؤتمر صحفي ضم وزيرين
حكوميين، ومحافظ حلب. وسقطت أخرى خارج مسجد، واستهدفت طائرات أخرى مبانٍ سكنية
ومركزا للشرطة. وفي مساء ذلك اليوم، قطعت قوات سوريا الديمقراطية مصدر مياه الشرب
الرئيسي في حلب، وهو محطة بابري للضخ، لكن الضغط الأمريكي أجبرها على إعادة تشغيل
الإمدادات بعد ساعات.
وبعد ستة أيام من المعارك، انتهت هذه الجولة من الاشتباكات بانسحاب مقاتلي قسد من
أحياء حلب باتجاه مناطق شمال شرق سوريا، بموجب اتفاق برعاية دولية (أمريكية بشكل
رئيسي) لتجنب مزيد من التصعيد.
وبعد انتهاء معارك السيطرة على حيي حلب، تقدمت القوات السورية الى بلدة دير حافر،
وهي إحدى المناطق القليلة التي تقع غرب نهر الفرات ولاتزال بيد قسد.
ويبقى السؤال الذي يشغل بال الجميع، هل بدأت معركة تحرير المناطق التي تسيطر عليها
المنظمة الكردية المعروفة باسم قسد؟ وهل حانت لحظة الحسم؟ وما هي المحددات التي
نستطيع من خلالها توقع ما سيحدث في الأيام القادمة؟
ولكن قبل ذلك سنستعرض المناطق التي يسيطر عليها قسد في سوريا.
مناطق سيطرة "قسد"
تُعرف المناطق التي تسيطر عليها قوات قسد باسم (إقليم شمال وشرق سوريا)، أو مناطق
الإدارة الذاتية.
تمثل هذه المنطقة ثقلا استراتيجيا هائلا للدولة السورية من أربعة جوانب:
الأول/
المساحة والجغرافيا
فقسد
تسيطر على ما يقارب من 27% إلى 28% من مساحة سوريا الإجمالية، حيث تبلغ إجمالي
المساحة التي تسيطر عليها ما يقرب من 51,961 كم².
وتشمل سيطرتها كامل محافظة الحسكة تقريبا، والجزء الأكبر من محافظة الرقة، والضفة
الشرقية لنهر الفرات في محافظة دير الزور، إضافة إلى جيوب في ريف حلب الشرقي مثل
دير حافر التي تشهد توترا حاليا.
وقد
خسرت قسد مؤخرا نفوذها داخل مدينة حلب، وهما حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وانسحبت من
تل رفعت ومنبج في فترات سابقة لصالح الجيش السوري والقوات التركية.
الجانب
الثاني في الأهمية الاستراتيجية
لتلك المناطق، ما يتعلق بالحدود والتي تتميز بأنها حساسة للغاية.
فشمالا، حدود برية طويلة مع تركيا، وهي منطقة استنزاف دائم ومسرح لعمليات الطيران
المسير التركي.
وشرقا،
حدود دولية مع العراق، في إقليم كردستان العراق ومناطق نينوى، وتعد معابرها في تلك
المناطق شريان الحياة الوحيد للمنطقة.
أما
غربا
وجنوبا، يفصلها نهر الفرات في أغلب النقاط عن مناطق سيطرة الحكومة السورية، مما
يجعل النهر خط تماس عسكري واقتصادي.
الجانب
الاستراتيجي الثالث يتعلق
بالموارد الاقتصادية، بحيث أصبح يطلق على المناطق التي تسيطر عليها قسد بخزان
سوريا.
وذلك باعتبار
أن هذه
المنطقة هي سلة الغذاء والطاقة لسوريا، وهو ما يجعلها محور الصراع، ومن هذه
الموارد:
النفط والغاز، فهذه المنطقة تضم أكثر من 90% من إنتاج النفط السوري، و45% من إنتاج
الغاز.
ومن الموارد
الزراعة،
حيث تُعرف بالجزيرة السورية، وتنتج حوالي 80% من القمح وقطاعا واسعا من القطن، كما
تضم أكبر صوامع الغلال في البلاد.
وأيضا تضم هذه الأراضي،
المياه
والطاقة الكهرومائية، فقسد تسيطر على أهم سدود سوريا على نهر الفرات، (سد الفرات في
الطبقة، وسد تشرين)، وهي المصدر الرئيسي لتوليد الكهرباء ومياه الري.
الجانب
الرابع من الأهمية الاستراتيجية
لتلك المناطق الديموغرافيا السكانية، فالمنطقة تتميز بتركيبة اجتماعية معقدة تتداخل
فيها القوميات والعشائر، وتضم المنطقة (كرد، عرب، سريان، آشوريين، تركمان، وأرمن).
وعلى
عكس الشائع، فإن المكون العربي يمثل الأغلبية السكانية في إجمالي المساحة، خاصة في
محافظتي دير الزور والرقة وريف الحسكة الجنوبي، كما تلعب القبائل العربية (مثل
العكيدات، البكارة، وشمّر) دورا حاسما في استقرار المنطقة، وتعتبر علاقة دمشق بهذه
العشائر الورقة الحاسمة في أي معركة حسم قادمة.
بينما
يتركز الوجود الكردي الكثيف في الشريط الحدودي الشمالي، مثل القامشلي، وعين
العرب/كوباني.
محددات ترسم ملامح الأيام القادمة
هناك
عدة عوامل أو محددات هي التي ستحسم شكل الصراع في الفترة المقبلة:
·
العامل الأول يتمثل في
الموقف
التركي: فتركيا تضغط بقوة لإنهاء وجود قسد ككيان
عسكري مستقل، وتدعم توجه دمشق لبسط سيادتها على كامل التراب السوري، وتعتبر أي
تراجع في هذا الملف تهديداً لأمنها القومي.
·
والعامل الثاني هو
الثروات
النفطية والغاز:
فاستعادة حقول النفط في دير الزور والحسكة هي الأولوية القصوى للحكومة السورية
لإنعاش الاقتصاد المتهالك. هذا الاحتياج يجعل الصدام العسكري حول آبار النفط
احتمالاً كبيرا جدا في حال فشل التفاوض.
·
أما العامل الثالث فهو
الموقف
الأمريكي: وامريكا لا تزال تدعم قسد، وتطرح نفسها كوسيط،
لكن نفوذها على الأرض يواجه اختبارا حقيقيا، أمام إصرار كل من سوريا وتركيا على
تغيير الأمر الواقع الذي كان قائماً قبل عام 2025، واستعادة وحدة الأراضي السورية.
في التاسع من يناير الحالي، وخلال مؤتمر صحفي تناول فيه التصعيد العسكري في مدينة
حلب وشمال سوريا، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب:
"الأكراد والحكومة السورية، نحن نتفاهم مع كليهما، كما تعلمون جيدا. لقد كانوا
أعداء طبيعيين على مر السنين، لكننا نتفاهم مع الطرفين."
وأضاف: "نريد أن نرى سوريا تنجح.. وحتى الآن أعتقد أنهم ينجحون، لكن هذا القتال قد
اندلع ونريد أن نرى توقفه."
ولذلك صرح السيناتور الامريكي ليندسي غراهام والمقرب من ترامب معلقا على القتال في
أحياء حلب، "أؤيد منح هذه الحكومة السورية الجديدة فرصة، ولكني لن أتسامح أو أقبل
بهجوم سافر ضد حلفائنا الأكراد، الذين يمثلون القوة الرئيسية في تدمير خلافة داعش".
ولكن هل يشمل الخط الأحمر الأمريكي لسوريا المناطق التي تسيطر عليها قسد في غرب
الفرات؟
يبدو أن أمريكا قد سمحت أخيرا لسوريا بالدخول الى مناطق قسد في غرب الفرات، ونقلت
صحيفة ذا ناشيونال الأمريكية عن مصدر في قسد قوله إن القيادة المركزية الأميركية
(سنتكوم) أبلغت قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي بتسليم أحياء حلب للجيش
السوري ووقف مقاومته، وعدم التدخل نيابة عن عناصره.
ولفت المصدر للصحيفة، إلى أن الولايات المتحدة لديها أهداف جيوسياسية أوسع، وبدأ
الشعور يتسلل إلى قسد بأنها أصبحت قوة مستنفدة، كما أعرب عن خوفه من إصدار القيادة
المركزية الأميركية المزيد من دعوات الانسحاب من مناطق أخرى.
ونقلت الصحيفة عن مصدر آخر مطلع على السياسة الأميركية، قوله إن لديه انطباعا بأن
الرئيس دونالد ترامب سيضحي بقسد طالما أن سوريا وتركيا توافقان على مسعاه لتحقيق
التقارب بين سوريا و"إسرائيل"، وتتعاونان مع الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب.
وأضاف أن قسد تدرك أنه بدون الدعم الأميركي، سيكون من العبث الدفاع عن مواقعها.
وتختم الصحيفة الأمريكية تحقيقها، السؤال الوحيد المتبقي هو ما إذا كان الرئيس
الأميركي سيعطي الضوء الأخر للرئيس السوري أحمد الشرع للتقدم شرقا.
·
أما رابع تلك العوامل، فهو
القدرة
العسكرية للجيش السوري الجديد:
هذا الجيش وجد نفسه في اختبار القوة في مواجهات أحياء حلب، حيث أظهرت قدرة الجيش
السوري على حسم المعارك الحضرية بسرعة، وهو ما قد يشجع القيادة العسكرية على توسيع
رقعة العمليات لتشمل دير حافر وربما مناطق شرق الفرات.
ولكن كثيرون يغفلون أن قوات الجيش السوري، ومنذ عملية ردع العدوان وعندما كانت
عبارة عن فصائل وتقدمت لتحرير كامل سوريا، انتهجت تكتيكات مغايرة، فقد كانت تتقدم
عسكريا وتدخل في معركة وتكسب أرضًا ثم تتمهل، لتترك المفاوضات والجانب السياسي
ليقوم بدوره بالضغط على الطرف أو الأطراف المعادية، لتستكمل مكاسبها على الأرض
بالسياسة، وهذا ما جرى بالفعل حتى سيطرة هذه الفصائل على سوريا، وما جرى أيضا مؤخرا
في حيي الشيخ مقصود والأشرافية في حلب.
·
وأخير العامل الصهيوني
يبدو أن الكيان
الصهيوني له دور في رسم المآلات القادمة في شرق سوريا.
فعلى الرغم من أن الدولة الصهيونية لاعب غير مباشر، ولكنه مؤثر جدا في رسم مآلات
الصراع في شرق سوريا، ورغم أن اهتمامها المباشر يتركز عادة على الجبهة الجنوبية
(القنيطرة ودرعا) ودمشق، إلا أن شرق الفرات يمثل لها عمقا استراتيجيا لعدة أسباب
حيوية، منها الحفاظ على تفتيت المركز، فتبقى سوريا في حالة لامركزية أو مقسمة إلى
مناطق نفوذ ضعيفة، ومنها التعاون التاريخي السياسي والاستخباراتي واذكاء روح التمرد
لدى قسد في المنطقة، ومنها المقايضة مع الحكومة السورية بمناطق الجنوب السوري وخاصة
في جبل الشيخ.
وهنا نأتي إلى مربط الفرس.
فنحن نتحدث عن صفقة مقايضة سيادة، حيث يتم التضحية بجزء من السيادة في الجنوب (جبل
الشيخ) مقابل استعادة السيادة الاقتصادية والعسكرية في الشمال والشرق (مناطق قسد).
وبالنسبة للصهاينة، السيطرة على جبل الشيخ (المرصد الاستراتيجي الذي يكشف دمشق
والداخل السوري واللبناني) أهم بألف مرة من بقاء تنظيم قسد في شرق سوريا. فالكيان
يدرك أن قسد مجرد ورقة مؤقتة، أما جبل الشيخ فهو أصل ثابت. والولايات المتحدة تدعم
الموقف الصهيوني.
وأمريكا تعرف جيدا إذا رفعت يدها عن قسد ضمن هذه الصفقة، فإن قسد ستنهار في أسابيع.
ولكن الحكومة السورية بزعامة أحمد الشرع تدرك إذا تنازل النظام عن هذه القمم (جبل
الشيخ)، فإنه عمليا يضع عاصمته تحت رحمة الرؤية الصهيونية، ولذلك حتى الآن تبدي
المعلومات الصحفية أن الشرع لم يعقد تلك الصفقة.