• - الموافق2026/01/09م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
مناظرة دلهي: صوت التوحيد في مواجهة الإلحاد

كيف كشفت مناظرة دلهي حول “وجود الله” الفارق بين منهجٍ عقلي برهاني قدّمه المفتي شمائل الندوي، ومنهجٍ قائم على الانطباع والسرد التاريخي مثّله جاويد أختر، وأعادت طرح سؤال الإيمان في صورته الفلسفية العميقة؟


شهدت العاصمة الهندية نيودلهي مناظرة كبرى كان عنوانها العريض "هل الله موجود"، وكانت مناظرة غير مسبوقة في موضوعها وأثرها، إذ مثّل فيها الشاعر والملحد المعلن جاويد أختر الاتجاه الرافض للدين، بينما تولّى المفتي الشاب شمائل أحمد عبد الله الندوي الدفاع عن الرؤية التوحيدية الإسلامية بلسان رصين ومنهج عقلي واضح.

 

وقد لفت هذا الحدث أنظار الأوساط العلمية والفكرية في الهند، إذ جمع بين صراحة الطرح ودقة الحجة وتوازن الخطاب.

ابتدأ المفتي شمائل بكلمات قليلة لكنها أسست لبنية الاستدلال كله، حيث بيّن أن الكون حقيقة ممكنة لا تقوم بذاتها، وأن كل ممكن يحتاج إلى سبب، وأن سلسلة الأسباب لا يمكن أن تمتد إلى غير نهاية، فيلزم من ذلك وجود ذات واجبة، أزلية، مستقلة، لا تحتاج إلى سبب ولا يطرأ عليها عدم. وهذه الحجة تمثل جوهر البرهان الكوسمولوجي القديم، وقد جاءت في طرح المفتي بلغة حديثة تجمع بين الدقة الفلسفية والوضوح المنطقي. ثم عضّد كلامه ببيان أن القوانين الرياضية والفيزيائية في الكون تشير إلى انتظام لا يمكن أن يكون وليد الصدفة، وأن وجود الوعي الإنساني وما فيه من إدراك للمعنى والغائية دليل آخر على أن الوجود ليس عبثاً. واستشهد أيضاً بترابط المبادئ الأخلاقية الكبرى في الحضارات المختلفة وأن أصلها لا يفسَّر بالتطور المادي وحده، بل يدل على أصل أعلى تستمد منه قيمتها وضرورتها.

أما جاويد أختر فقد اتجه إلى الحديث عن تاريخ الأديان ونشأة الأساطير القديمة، وربطها بالتطور الاجتماعي للإنسان، ولكنه لم يقدّم نقضاً مباشراً للبرهان الذي أقامه المفتي، بل ظلّ حديثه في إطار السرد التاريخي والتفسير الاجتماعي، وهو طرح قد يكون مؤثراً في المجال الثقافي، ولكنه ضعيف في مقام البحث الفلسفي والميتافيزيقي. وقد بدت اعتراضاته عامة، لا تمسّ البنية المنطقية للحجة، مما جعل موقفه أقل تماسكًا عند المتابعين.

دارت خلال المناظرة لحظات كاشفة أظهرت عمق الفارق بين منهجَي الرجلين. فقد قال جاويد أختر في أثناء اعتراضه إنّ الجماهير هي التي تقرّر الحقيقة، فأجابه المفتي شمائل بعبارة هادئة ولكنها قاطعة، إذ بيّن له أن الاحتكام إلى الجماهير لو كان ميزاناً للحق، لكان كل فعل أقدم عليه طاغيةٌ أو ظالمٌ حين اصطفت الجماهير خلفه حقًّا وصواباً، مع أنّ البشر ذاقوا الويلات من زعماء صنعوا المجازر وكان لهم من الجماهير من يصفّق ويؤيّد. فهل يعني هذا أنّ صمت الجماهير أو تأييدها يصنع الحق؟

فحاول جاويد أختر تحويل المسألة إلى صورة أخرى قائلاً إنّ معيار الجماهير يشمل جماهير الكرة الأرضية كلها. وهنا التقط المفتي خيط القول وأعاد توجيهه نحو صميم النقاش، فسأله: إذا كان رأي الجماهير هو الفيصل عندك، فإنّ جماهير البشرية عبر التاريخ، وفي أغلب الحاضر أيضاً، تعترف بوجود الله وتقرّ به فطرةً وطبعاً، فلماذا تنفرد أنت وحدك بإنكار ما يسلّم به الأغلبون؟ وكان لهذا الرد وقعٌ خاص، لأنّه نقل الحديث من العموميات الشعاراتية إلى المحاجّة المنطقية المباشرة، وألزم الخصمَ بما يقتضيه قوله هو نفسه.

ثم انتقل جاويد أختر إلى صورة بلاغية حاول أن يجعلها دليلاً على فشل المجتمعات الدينية، فقال: خذ خريطة العالم وضع النقطة حيث ترى الظلم والرشوة والفساد وحقوق المرأة المنتهكة، ثم خذ خريطة أخرى للدول الإسلامية وضع النقطة في المواضع نفسها، ستجدها متطابقة. وكان يريد بهذا الإيحاء أنّ الدين سبب الانحراف والظلم وأن المجتمعات المتدينة تحمل المشكلة في بنيتها.

غير أنّ المفتي شمائل لم يدع الصورة تمرّ دون تفكيك، فقال له بهدوء: إنني جرّبت المثال نفسه، فأخذت خريطة الخليج، ومنها السعودية وقطر، ونظرت إلى معدلات اغتصاب المرأة العاملة، فوجدتها أقل بكثير من نظيراتها في الدول الأوروبية التي تتبنى العلمانية الكاملة ولا تنسب نفسها إلى أي دين. فإذا كانت الخريطة هي حجتك، فهذه خريطة أخرى تنقض دعواك، ولا تجعل من الدين سبباً في الظلم كما تحاول أن توحي. وسكت جاويد عند هذا التعقيب، لأن الصورة التي صنعها انقلبت عليه بمعيارها نفسه.

ثم أضاف المفتي أن معيار الحق في الفلسفة لا يُستخرج من التوزيع الجغرافي، ولا من نسب الجرائم في دولة دون أخرى، بل من البرهان العقلي القائم بذاته؛ فالحق ثابت لا تدور معه الخرائط، ولا يحكم عليه اضطراب السياسة والاجتماع.

وبيّن كذلك أن وجود الشرور لا ينقض الإيمان بالله، لأن نقص الإنسان جزء من طبيعته، ولأنّ إدراك الشر نفسه دليل على معيار سابق في النفس لا يمكن تفسيره بالمادة وحدها. فالإنسان لا يعرف الظلم من خلال التجربة فقط، بل من خلال مبدأ ثابت يشعر به قبل وقوع الفعل، وهذا الشعور لا يولد من التفاعلات البيولوجية المجردة، بل يدل على أصل أعلى من المادة.

قال جاويد أختر في سياق اعتراضه إنّ الكتب الدينية مليئة في رأيه بصور لا يجدها في الواقع المادي، فلا تجد ذكر الديناصورات في أي كتاب سماوي. فرد الندوي قائلا إنّ الكتب السماوية لم تُنزَل لأجل تسجيل كل الكائنات، وليست هي موسوعات للأحياء، بل نزلت لتوجيه الإنسان إلى ربه، وتعليمه الأخلاق، وتقويم سلوكه وفهم معنى وجوده. كما أنّ كتب الرياضيات لا تذكر مثل هذه الأشياء، لأنها ليست مادتها. وأضاف المفتي أنّ ذكر الديناصورات أو عدم ذكرها لا يغيّر شيئاً من حقيقة الخالق، فالعلم نفسه لا يملك سجلاً كاملاً لحياة الأرض، ولا يرى في ذلك نقصاً، لأن المنهج العلمي يبحث عن القوانين والنظم، لا عن تعداد كل الأنواع. فكيف يُلزم الوحي بما لا يُلزم به العلم؟

وعند هذه النقطة بدا واضحاً أن مسار الحوار عاد إلى أصله: هل الكون محتاج إلى علة، أم مكتفٍ بذاته؟ وهل الوعي الأخلاقي حادثٌ بالصدفة، أم شاهدٌ على حقيقة تتجاوز الطبيعة؟ وقد كشفت هذه اللحظات عن اتساع الهوة بين منهج يبني حجته على الفكرة، ومنهج يعتمد على الانطباع. وظلّ المفتي في كل ذلك محافظاً على سكونه، يترك الأسئلة تعمل في ذهن السامع، بينما بقي جاويد أختر في دائرة التعميمات التي لا تستقيم في ميزان الفلسفة الدقيقة.

وهكذا اكتسب النقاش عمقاً جديداً، لأن الحوار لم يعد مجرد تبادل كلمات، بل تحوّل إلى مواجهة بين العقل والهوى، وبين الحجة المتماسكة والبلاغة التي تخدم الانطباع أكثر مما تخدم الحقيقة.

وكان لافتاً أنّ المناظرة لم تكن عملاً مرتجلاً، بل جرت بعد اتفاق مسبق عبر البريد الإلكتروني، وتحديد مكان الحضور، وضبط شروط التسجيل، وإشراف مقدم محايد لا يميل إلى طرف دون طرف، مما أعطى الحوار طابعاً علمياً بعيداً عن الفوضى والانفعال. وانتشرت المناظرة انتشاراً واسعاً في العالم العربي والغربي، وبرز فيها اسم المفتي الشاب بوصفه صوتاً جديداً يعرض العقائد الإسلامية بلغة فلسفية معاصرة، تجمع بين عمق التراث ودقة المفهوم الحديث.

وبعد انتهاء المناظرة لم يهدأ المشهد؛ إذ سارع بعض الناس وفيهم للأسف نفر من المسلمين إلى تشويه صورة المفتي شمائل، وربطه بتيارات لا تمتّ إليه بصلة، وكأن نجاحه الفكري جريمة تستوجب المحاكمة. وقد بلغ الأمر ببعضهم أن سلّموا مقاطع مبتورة لوسائل إعلام منحازة، فأعادتها تلك المنصّات في صورة محاكمة إعلامية متعمدة، تبحث عن أي ذريعة لاعتقاله أو لإسكاته، وجيء بمقاطع قديمة، قُطعت من سياقها، ليبدو فيها كأنه يعارض الدولة أو يناهض النظام، غير أنّ هذه المحاولات لم تُفلح إلى الآن، لأنّ ما قاله المفتي ليس بكلام تخالف القانون وإنما توجد أقوال نطق بها علماء الهندوس والكاهنون أنفسهم في عبارات أشدّ صراحة، تتداولها وسائل التواصل بلا إنكار ولا مساءلة، وتتجاهل التيارات الهندوتوية أقوال قادتها التي تضع "دينهم" فوق الدستور، وتتمسّك بنصوص لا تقبل النقاش، ومع ذلك لا تُفتح ضدها حملات، ولا تُشنّ عليها معارك إعلامية. أمّا المسلم، فإذا عبّر عن خصوصية عقيدته أو دافع عن توحيده، عُدّ متهماً بنزعة عدائية أو مشروعاً للتمرّد.

وخلاصة القول إن مناظرة دلهي جاءت حدثاً فارقاً في المشهد الفكري، لأنها لم تكن سجالاً خطابياً عابراً، بل مواجهة صريحة بين منهجين: منهج ينهض على البرهان ويستمد قوته من وضوح العقل وثبات القيم، ومنهج يعتمد على الانطباع والسرد التاريخي دون أن يمسّ لبّ السؤال الفلسفي. وقد أظهر المفتي شمائل الندوي قدرة لافتة على تقديم العقيدة الإسلامية بلغة منطقية معاصرة تجمع بين رسوخ التراث ودقة الفكر الحديث، بينما بدت اعتراضات خصمه متفرقة لا تستقر على قاعدة.

وأثبتت المناظرة أن سؤال الإيمان لا يمكن إخماده بالشعارات، ولا إزاحته بدعاوى التطور الاجتماعي أو بتعميمات عن تجارب الأمم، لأن جوهره يتعلق بالعقل الإنساني في بحثه عن العلة الأولى ومعنى الوجود.

ومهما يكن من ضجيج ما بعد المناظرة، فإن أثرها الفكري قد وقع، ورسالتها قد وصلت: أن صوت التوحيد لا يزال قادراً على مخاطبة العقل بثقة ورصانة، وأن الحقيقة لا تُقاس بالجماهير، بل بالحجة التي تقف على قدميها حين تتهاوى الشعارات.

أعلى