• - الموافق2026/01/10م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
فنزويلا كنموذج لإعادة إنتاج سلطة المجال الحيوي

تحتل فنزويلا موقعًا مركزيًا في إعادة تشكيل الاستراتيجية الأمريكية العالمية، لا بوصفها أزمة محلية مع نظام متمرّد، بل كحلقة مفصلية في مشروع أوسع يهدف إلى تثبيت المجال الحيوي الأمريكي في عالم لم يعد أحادي القطبية


ما جرى في فنزويلا لا يمكن فهمه كغزو عسكري تقليدي، ولا كانقلاب كلاسيكي على طريقة الحرب الباردة. ما حدث هو نموذج أكثر تطورًا وخطورة: عملية أمريكية منخفضة الضجيج، خفيفة الكلفة، عالية الانضباط، لا تستهدف إسقاط النظام دفعة واحدة، بل إعادة ضبطه من الداخل، وتقليم أظافره السيادية دون تحطيم هيكله

لم تسقط مؤسسات الدولة، لم تُشلّ البيروقراطية، لم تُفعل أدوات الردع، ولم تُطلق رصاصة واحدة ذات معنى. كل ذلك لا يشي بتفوق عسكري كاسح فحسب، بل بقرار داخلي واعٍ بعدم الاشتباك، وبقبول الترتيب الصامت تحت ضغط خارجي مباشر.

في هذا السياق، لا تبدو إزاحة مادورو حدثًا معزولًا، بل حلقة في هندسة انتقال محسوب، حيث جرى اقتلاع الرأس الأعلى كلفة سياسيًا، مع الحفاظ على الجسد التشافيزي قائمًا وقابلًا لإعادة التدوير.

 انتقال السلطة إلى ديلسي رودريغيز لم يكن تفصيلاً إجرائيًا، بل إشارة كاشفة إلى رغبة أمريكية في استمرارية المشروع السياسي نفسه، بعد تعديل سلوكه الخارجي، خصوصًا في ملفات الطاقة، والسيادة الاقتصادية، والعلاقات مع الصين وروسيا وإيران. نظام لا يُسقط، بل يُعاد توجيهه.

وفي سماء فنزويلا وبحارها، تكتمل الصورة الفجة لهذا التحول. لم يعد الهواء محايدًا، ولا الفضاء مشاعًا كما تدّعي القوانين الدولية. كل ما يسبح أو يطير هناك، صار في منطق القوة لا الشرعية ملكية أمريكية معلنة

السيطرة على ناقلة نفط روسية بزعم التهريب لم تكن عملية بحرية عابرة، بل بيانًا سياسيًا مكتوبًا بلغة البوارج: من يكسر الحصار يُعاقَب، ومن يتنفس خارج الرئة الأمريكية يُصادَر، أيًا كان علمه أو موقعه.

هنا يسقط السؤال القانوني، ويبرز السؤال الفلسفي الأخطر: متى تحولت السيادة إلى امتياز تمنحه القوة؟ ومتى صار القانون الدولي مجرد رأي استشاري يُستدعى عند الحاجة؟ 

يقول الكاتب والمحلل السياسي الدكتور مأمون فندي: "يكشف الواقع الدولي المعاصر عن تآكل خطير في احترام قواعد القانون الدولي العام. ففي فنزويلا، فإن أي مساس قسري برأس الدولة أو نقله خارج الإقليم يُعد انتهاكًا صريحًا لمبدأ سيادة الدول وعدم التدخل، المكرّس في ميثاق الأمم المتحدة. وفي اليمن، يشكّل تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي على الحكومة المعترف بها دوليًا خروجًا على الشرعية الدستورية ووحدة الدولة". 

 

القوى المنافسة كالصين وروسيا وإيران. التدخل الأمريكي هنا ليس اندفاعًا نحو مواجهة شاملة مع هذه القوى، بل رسالة ضبط إيقاع: يمكنكم المناورة عالميًا، لكن ليس داخل هذا المجال الحيوي.

مضيفاً: "كما أن تمرّد قوات الدعم السريع في السودان يقوّض السلطة الشرعية ويغذّي نزاعًا مسلحًا غير مشروع. وفي غزة، تتجلى أخطر صور الانتهاك عبر الاحتلال المستمر وجرائم حرب، وإبادة جماعية، شاهدناها لمدة عامين في خرق جسيم لاتفاقيات جنيف والقانون الإنساني الدولي. المشترك بين هذه الحالات هو تطبيع انتهاك القانون، ووجود قوى تشجّع الإفلات من المساءلة بدل الدفاع عن الشرعية الدولية".

الصمت الصينيالروسي، وتفاعل الأسواق، يؤكدان أننا أمام إعادة تشكيل فجّة لمجالات النفوذ، حيث تتخلى واشنطن عن سرديات الديمقراطية، وتعتمد منطق الإمبراطورية المباشرة

التدخل الأمريكي لم يسعَ إلى هدم المشروع التشافيزي، بل إلى تحييده سياسيًا وترويضه اقتصاديًا، وتحويله من مشروع اشتباك إلى نظام قابل للإدارة ضمن الشروط الأمريكية.

الترتيب الداخلي الصامت يتيح لواشنطن تحقيق أهدافها بأقل كلفة استراتيجية: لا احتلال، لا صور جنود قتلى، ولا عبء إعادة إعمار. في المقابل، تتحقق السيطرة الفعلية على مفاصل الطاقة، ومسارات القرار السيادي، واتجاهات السياسة الخارجية

تقول الصحفية والمدونة ديما الخطيب: "لا أريد أن أصدق أن ترامب لا يريد أن تحكم ماريا كورينا ماتشادو فنزويلا لمجرد أنها قبلت جائزة نوبل للسلام التي كان يريدها له!

وتضيف الخطيب: "بالعقل.. إذا كان هدف ترمب في فنزويلا هو الحصول على النفط فمعناه يحتاج للاستقرار وهو أمر لن تحققه له ماتشادو بكل تأكيد لأن وصولها الحكم يعني بالضرورة هدم المنظومة البوليفارية، أو المحاولة على الأقل، وهذا سيدخل البلاد في مواجهة أهلية لن يكون سهلاً السيطرة عليها..هذه نقطة".

وتوضح: "والنقطة الثانية أن ديلسي رودريغيس الرئيسة المؤقتة هي أيضاً وزيرة النفط وتعرف كل التفاصيل ولديها كل المفاتيح. فهي أفضل من ماتشادو بالنسبة لترامب. في الوقت نفسه لا أتخيل أن ديلسي يمكن أن تخون عهد أسرتها فهي ابنة مناضل خضع للتعذيب والأسر والقتل على يد الاستخبارات الأمريكية، وهي تشافيستا حتى النخاع ومتعمقة في الفكر اليساري أكثر من مادورو على المستوى الفكري، وشقيقها خورخي رودريغيس رئيس البرلمان وأحد مفكري الثورة البوليفارية. فكيف ستخون العهد وتعطي ترامب ما يطلبه حتى تنجو من مصير مشابه لمصير مادورو؟ لا أعرف! ".

فنزويلا هنا ليست استثناءً، بل مختبرًا متقدمًا لنموذج تدخل جديد، يقوم على إفراغ السيادة من مضمونها، مع الإبقاء على شكل الدولة قائمًا، ليبدو العالم وكأن شيئًا لم يحدث بينما كل شيء قد تغيّر.

استمرارية التشافيزية تحت الإكراه الأمريكي

يمثل صعود ديلسي رودريغيز إلى واجهة المشهد السياسي في فنزويلا لحظة انتقال محسوبة بعناية، لا يمكن قراءتها كحلٍّ طارئ أو تسوية تقنية، بل كخيار استراتيجي يوازن بين البقاء الداخلي ومتطلبات الإكراه الخارجي. اختيار شخصية تنتمي إلى الدائرة الصلبة للتشافيزية، وتحمل في الوقت ذاته خبرة دبلوماسية وإدارية طويلة، يكشف أن الهدف لم يكن القطيعة مع المشروع القائم، بل إعادة تقديمه بصيغة أقل صدامية وأكثر قابلية للتكيّف مع الشروط الأمريكية الجديدة. هنا لا تُستبدل الأيديولوجيا، بل يُعاد ضبط سلوكها.

الانتقال إلى رودريغيز يعكس إدراكًا داخل النظام بأن الاستمرار لم يعد ممكنًا بذات الأدوات والخطابات. التشافيزية، بوصفها إرثًا سياسيًا واجتماعيًا، ما زالت تمثل قاعدة شرعية لا يمكن التفريط بها دون المخاطرة بانفجار داخلي، لكن الحفاظ عليها يقتضي التضحية بالواجهة الأكثر استفزازًا للخارج. رودريغيز تؤدي هذا الدور الانتقالي: واجهة مألوفة للداخل، ورسالة طمأنة محسوبة للخارج بأن فنزويلا مستعدة لإعادة ترتيب علاقاتها دون إعلان استسلام صريح.

غير أن هذا الانتقال يجري تحت ضغط مباشر، لا ضمن خيار سيادي كامل. القيادة الجديدة مطالبة بالسير على حبل مشدود بين خطاب داخلي يحافظ على التعبئة الرمزية ضد الإمبريالية، وخطاب خارجي يفتح أبواب التعاون والتنازلات المؤلمة، خصوصًا في ملفات الطاقة والاقتصاد والعلاقات الدولية. بذلك، تصبح استمرارية التشافيزية استمرارية مشروطة، لا نابعة من القوة بل من الضرورة. إنها تشافيزية مُعاد تدويرها تحت الإكراه الأمريكي، هدفها كسب الوقت، لا حسم المعركة، وتأجيل الانفجار بدل مواجهته.

وهو ما جعل متظاهر أمريكي يعبر عن غضبه في ميدان تايمز سكوير، ويتسائل: "كيف يجرؤ ترامب على القول إنهم يديرون فنزويلا؟ شعب فنزويلا هو من يدير فنزويلا. ليس للولايات المتحدة أي حق في إملاء رغباتها على شعوب العالم. ليس للولايات المتحدة أي حق في السيطرة على الموارد الطبيعية لأي بلد آخر. النفط في فنزويلا ملك لشعب فنزويلا."

وتحتل فنزويلا موقعًا مركزيًا في إعادة تشكيل الاستراتيجية الأمريكية العالمية، لا بوصفها أزمة محلية مع نظام متمرّد، بل كحلقة مفصلية في مشروع أوسع يهدف إلى تثبيت المجال الحيوي الأمريكي في عالم لم يعد أحادي القطبية. التعامل مع كاراكاس يكشف تحوّلًا بنيويًا في العقل الاستراتيجي لواشنطن: لم تعد الغاية إعادة هندسة النظام الدولي أو فرض نموذج أيديولوجي شامل، بل إدارة التعددية القطبية عبر ترسيم حدود النفوذ بشكل فجّ وصريح، خصوصًا داخل نصف الكرة الغربي الذي يُعاد تعريفه كمنطقة سيادة أمريكية غير قابلة للمساومة.

في هذا السياق، تُقرأ فنزويلا كعقدة جيوسياسية تتقاطع فيها الطاقة، والمعادن، وحضور القوى المنافسة كالصين وروسيا وإيران. التدخل الأمريكي هنا ليس اندفاعًا نحو مواجهة شاملة مع هذه القوى، بل رسالة ضبط إيقاع: يمكنكم المناورة عالميًا، لكن ليس داخل هذا المجال الحيوي. بهذا المعنى، تتحول فنزويلا إلى ساحة اختبار لنموذج إدارة الصراع الجديد، حيث تُستخدم أدوات منخفضة الكلفة وعالية الدلالة لفرض الانضباط، دون الانزلاق إلى حروب كبرى أو احتلالات مباشرة.

هذا النموذج يعكس قبولًا أمريكيًا ضمنيًا بواقع التعددية القطبية، لكن من موقع القوة لا من موقع التراجع. واشنطن لا تنازع خصومها على كل الساحات، بل تختار معاركها بعناية، وتفرض خطوطًا حمراء في مناطق تعتبرها امتدادًا لأمنها الاستراتيجي. فنزويلا، في هذا الإطار، ليست استثناءً، بل مقدمة: تثبيت المجال الحيوي أولًا، ثم إدارة المنافسة عالميًا بأدوات اقتصادية وتقنية وجيوسياسية أقل صخبًا، وأكثر فاعلية في عالم تتآكل فيه القدرة على الهيمنة الشاملة.

أعلى