• - الموافق2026/10/31م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
معادلة الحكم المأزومة في الكيان الصهيوني.. ما هي سيناريوهات تشكيل الحكومة القادمة؟

ما بين حكومة وحدة وطنية أو نجاح المعارضة في تشكيل حكومة بالتحالف مع القائمة العربية تبقى الخيارات أمام طرفي المعادلة نتنياهو وآيزنكوت محدودة، ما هي السيناريوهات المتوقعة وكيف يدير كل طرف أدواته لكسب اللعبة


أفرزت الانتخابات الأخيرة لانتخاب الكنيست السادس والعشرين في دولة الكيان المحتل، والتي أُجريت قبل أيام وسط نسبة مشاركة قياسية بلغت نحو 77.7%، مشهداً سياسياً حاد الاستقطاب يكسوه الغموض ويعمق حالة الجمود السياسي في الكيان الصهيوني. فقد كشفت النتائج النهائية عن معادلة معقدة؛ بين معسكر اليمين بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وتكتل المعارضة المناهض له بقيادة رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، ومع فشل أيٍّ من المعسكرين في بلوغ عتبة الأغلبية المطلقة المحددة بـ 61 مقعداً في الكنيست المؤلف من 120 مقعداً، برزت القوائم العربية بوصفها المفاجأة الكبرى. وأمام هذا الوضع يواجه النظام السياسي انسداداً غير مسبوق تجعل تشكيل أي ائتلاف حكومي مستقر أمراً يحتاج إلى تنازلات مؤلمة، أو يفرض الذهاب نحو خيارات اضطرارية تتراوح بين حكومة وحدة وطنية، أو حكومة أقلية هشّة، أو العودة إلى صناديق الاقتراع مجدداً في جولة انتخابات جديدة.

مأزق الشلل الانتخابي

تعكس خريطة توزيع المقاعد البرلمانية عمق التشظي الذي يعانيه المشهد السياسي في دولة الكيان، حيث أظهرت النتائج أن حزب الليكود تصدر القوائم بفوزه بـ 26 مقعداً، مستنداً إلى تحالف تقليدي يجمع بين الأحزاب الدينية المتشددة "الحريديم" كحزب شاس (7 مقاعد) وحزب يهودوت هتوراة (7 مقاعد)، إلى جانب أقصى اليمين القومي المتمثل بحزب عوتسما يهوديت بزعامة إيتمار بن غفير (7 مقاعد) وحزب الصهيونية الدينية بزعامة بتسلئيل سموتريتش (6 مقاعد). وعلى الرغم من أن هذا المعسكر القومي الديني استطاع تأمين 53 مقعداً في المجمل، إلا أنه ظل عاجزاً عن حشد المقاعد الثمانية المتبقية التي تمكنه من تشكيل حكومة يمين خالص.

في المقابل، حَلّ حزب "يشار" بزعامة غادي آيزنكوت ثانياً برصيد 21 مقعداً، ونجح في قيادة كتلة معارضة ضمت تحالف "معاً" بزعامة نفتالي بينيت (12 مقعداً)، وحزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيغدور ليبرمان (7 مقاعد)، وحزب "الديمقراطيون" اليساري بزعامة يائير غولان (8 مقاعد). غير أن هذا التكتل المعارض، الحاصل على نحو 48 إلى 51 مقعداً، يواجه حقيقة حسابية قاسية مفادها أن استعادة السلطة من نتنياهو تتطلب جسر الفجوات الأيديولوجية الحادة بين مكوناته القومية واليسارية.

فيما سجلت هذه الانتخابات التشريعية تحولاً تاريخياً في سلوك الشارع العربي داخل إسرائيل؛ حيث تدفقت الجماهير العربية نحو صناديق الاقتراع بنسب مشاركة غير مسبوقة تجاوزت 70% في معظم البلدات العربية. هذا الإقبال الجماهيري الحاشد أثمر عن القفز بتمثيل القوائم العربية إلى 19 مقعداً في البرلمان، موزعة بين "القائمة المشتركة" بزعامة يوسف جبارين (12 مقعداً) و"القائمة العربية الموحدة - رعام" بزعامة منصور عباس (7 مقاعد).

ولا يتوقف الاستعصاء الانتخابي عند الحسابات الرقمية للمقاعد، بل يمتد ليعكس صراعاً عميقاً على هوية دولة الكيان الصهيوني وبنيتها المؤسسية. فقد جرت هذه الانتخابات بوصفها استفتاءً مصيرياً وشخصياً على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي خاض معركته الانتخابية محملاً بتداعيات الفشل الأمني والعسكري في أحداث السابع من أكتوبر 2023، إلى جانب أزمات تجنيد الشبان الحريديم وقضايا الفساد الملاحق بها قضائياً. وفي مقابل الخطاب الأمني الذي يتبناه اليمين بالتركيز على المواجهة مع إيران وحلفائها الإقليميين، صاغت المعارضة حملتها حول ضرورة المحاسبة، وتشكيل لجان تحقيق رسمية، وإعادة بناء ثقة الشارع في مؤسساته. وقد أدى هذا الصراع المتصاعد إلى شلل المكونات السياسية عن تقديم تنازلات متبادلة.

مناورة نتنياهو الأخيرة

يستند بنيامين نتنياهو في مقاربته للعملية السياسية إلى خبرة تاريخية عريضة جعلت منه السياسي الأطول بقاءً في سدة الحكم في تاريخ دولة الاحتلال. فتكتيكاته الانتخابية والائتلافية طالما اعتمدت على الاستثمار المكثف في الاستقطاب الداخلي، وإدارة الأزمات الأمنية، واستحضار الخطر الإيراني الوجودي كعنصر توحيد للشارع اليهودي. وخلال الساعات الأخيرة من الاقتراع، لجأ نتنياهو إلى استراتيجية التجييش وتخويف قاعدته اليمينية من صعود القوة التصويتية للعرب، محذراً من تشكيل حكومة تعتمد على النواب العرب المعاديين للصهيونية حسب وصفه. وقد نجحت هذه المناورة في الحفاظ على حزب الليكود كقوة أولى بـ 26 مقعداً وتأمين 53 مقعداً لمعسكره، لكنها في الوقت ذاته سدت منافذ التفاوض المباشر مع أطراف الوسط ومنعت توسيع قاعدته الحزبية.

وتواجه مساعي نتنياهو للوصول إلى الرقم 61 عقبات هامة داخل البيت اليميني والمؤسسة السياسية. فهو يعاني من قيود المفاوضات مع حلفائه الحاليين في أحزاب الحريديم وأقصى اليمين؛ فالأحزاب الدينية تصر على إقرار قانون يضمن إعفاء طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية كشرط لأي ائتلاف، وهو ما يثير غضباً عارماً لدى القطاعات العلمانية والعسكرية. وفي المقابل، فإن وجود بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير في التشكيلة الحكومية يثير تحفظات دولية وإقليمية واسعة، ونتيجة لذلك، يجد نتنياهو نفسه بين مطرقة وسندان: فإرضاء حلفائه يكرس عزلة حكومته، واستبعادهم يدمر كتلته الموحدة.

أمام هذه الموازنة الحرجة، يراهن نتنياهو على استراتيجية إدارة الوقت واللعب على وتر استغلال موقعه الدستوري كرئيس لحكومة تصريف الأعمال، ومحاولة اختراق المعارضة عبر استمالة عناصر منشقين من أحزاب اليمين أو الوسط القومي، مستفيداً من المغريات الوزارية والمواقع القيادية. وفي حال فشل الاستقطاب الفردي، فإن خياره المفضل يكمن في الدفع نحو انتخابات مبكرة جديدة؛ حيث يضمن هذا المسار بقاءه في السلطة لعدة أشهر إضافية، أملًا في تفكيك المعارضة أو حدوث تطورات أمنية وإقليمية تعيد تشكيل المزاج الانتخابي لصالح اليمين.

حدود خيارات آيزنكوت

على الرغم من نجاح غادي آيزنكوت في حصد 21 مقعداً وقيادة المعارضة بوصفها البديل المباشر لحكم الليكود، إلا أن قوته التفاوضية تصطدم بتركيبة كتلته المتنافرة؛ إذ تضم خصوم سابقين يجمعهم هدف واحد هو الإطاحة بنتنياهو، بينما يختلفون حول الملفات الأمنية والاقتصادية وجوهر العلاقة مع المكون العربي داخل الكيان الصهيوني.

وتتجلى المعضلة الحسابية لآيزنكوت في أن الكتلة اليهودية المناهضة لنتنياهو لا تملك سوى 48 مقعداً، مما يجعل وصولها إلى الأغلبية الائتلافية ممتنعاً دون الاعتماد المباشر على الأحزاب العربية. لكن هذا المخرج الحسابي يصطدم بـ "فيتو" صلب يفرضه حلفاؤه اليمينيون، تحديداً نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، اللذان أعلنا رفضاً قاطعاً لأي ائتلاف يقام بشركاء عرب. هذا المأزق يضع آيزنكوت أيضا أمام أزمة شرعية أخرى، حيث يُنظر في الأوساط السياسية العبرية إلى أي حكومة لا تستند إلى أربعة أخماس صهيونية بكونها مفتقرة للشرعية المجتمعية.

وبالتالي، يقف آيزنكوت أمام خيارات شائكة تضع صدقيته السياسية على المحك. فهو إما أن يتراجع عن تعهداته الصارمة ويخوض تجربة تشكيل حكومة أقلية هشة مدعومة بأصوات القوائم العربية من الخارج، وهو خيار يهدد بانهيار ائتلافه الداخلي واستغلال اليمين لهذه الخطوة لاتهامه بالتخلي عن الصهيونية. وإما أن يذعن للضغوط الرئاسية للدخول في حكومة وحدة وطنية بالتناوب مع نتنياهو، وهو ما يتضمن نقضاً مباشراً لعهده الرئيسي للناخبين بعدم الجلوس مع نتنياهو في طاولة حكومية واحدة.

مسارات وسيناريوهات

تتنوع المسارات والسيناريوهات المتاحة لتشكيل الحكومة المقبلة، لكن كل مسار منها يحمل تعقيدات سياسية وأيديولوجية تمنع حسمه بسهولة.

* السيناريو الأول:

يرتكز على تشكيل حكومة أقلية بقيادة غادي آيزنكوت تحظى بدعم القوائم العربية من خارج الائتلاف أو الامتناع عن التصويت في جلسة الثقة. وهو ما يمنح هذا الخيار المعارضة فرصة لإزاحة نتنياهو بـ 67 صوتاً مفترضاً، غير أن هشاشته السياسية عالية جداً؛ إذ إن الرفض المعلن من ليبرمان وبينيت والطعن اليميني المتواصل بشرعيتها الصهيونية سيجعلها حكومة قصيرة العمر تعصف بها الأزمات الأمنية والتشريعية في أول اختبار.

* السيناريو الثاني:

وهذا هو المرجح لدى قطاعات واسعة، يتمثل في حكومة وحدة وطنية تجمع حزبي الليكود و"يشار". يقوم هذا الخيار على صفقة سياسية تشمل التناوب على رئاسة الوزراء بين نتنياهو وآيزنكوت، وتلبي رغبة نحو 55% من الشارع الإسرائيلي المفضلين للوحدة على إعادة الانتخابات. وتكتسب هذه الفكرة زخماً برغبة الرئاسة الإسرائيلية في تأسيس حكومة أكثر اعتدالاً، إلا أن العقبة الكبرى تحضر في العقد المبرم بين قادة المعارضة وقواعدهم الانتخابية القائم على التعهد النهائي بإسقاط نتنياهو وعدم الجلوس معه، فضلاً عن تعقد الموقف القضائي لنتنياهو وشكوك المعارضة في مدى التزامه باتفاقيات التناوب بناءً على تجارب سابقة مع بيني غانتس.

* السيناريو الثالث:

ويتمثل في نجاح أحد المعسكرين في استمالة منشقين، وهي مهمة بالغة الصعوبة، وإن كانت خبرة نتنياهو في المفاوضات تمنحه فرصة للمراهنة على هذا المسار. وقد تقوم محاولات الاستمالة على عرض حقائب وزارية أو منح نفوذ أوسع في ملفات محددة، خصوصاً لشخصيات ترى أن موقعها داخل أحزابها لا يلبي طموحها. لكن قبول هذه العروض يظل مرهوناً بحسابات تتجاوز المكسب المباشر؛ فالمنشق يخاطر بخسارة ثقة ناخبيه وحاضنته الحزبية مقابل شراكة لا يضمن استمرارها.

* السيناريو الرابع:

وهو الأكثر احتمالاً في حال استمرار الانسداد الكامل هو التوجه نحو انتخابات مبكرة جديدة خلال 90 يوماً. هذا الخيار، رغم كلفته الاقتصادية والإحباط الذي يسببه للجمهور، يمثل المخرج العملي المفضل لنتنياهو؛ لأنه يضمن بقاءه رئيساً لحكومة تصريف أعمال كامل الصلاحيات، ويعطيه فرصة جديدة لإعادة ترتيب البيت اليميني وتفكيك معسكر الخصوم.

معادلة الحرب والوحدة

لا تقتصر حسابات تشكيل الحكومة على قواعد اللعبة البرلمانية والسياسة الداخلية، بل تتدخل فيها عوامل واشنطن والإقليم بوزن ثقيل. فالإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب تراقب عن كثب المشاورات في تل أبيب وتضغط باتجاه تشكيل حكومة وحدة وطنية موسعة تتجاوز الاستقطاب الحالي. وترغب في وجود ائتلاف إسرائيلي مستقر ليكون قادراً على التعاطي مع ترتيبات الأمن الإقليمي، وتوسيع نطاق اتفاقيات إبراهام الشاملة.

ويبرز عامل التصعيد العسكري ضد إيران بوصفه المتغير الحاسم الذي قد يقلب الطاولة السياسية ويفرض حكومة أمر واقع. فوجود تقارير واستعدادات لشن ضربات عسكرية أمريكية على المنشآت الإيرانية قد يولد حالة طوارئ قومية تُجبر المعارضة وقادتها العسكريين، مثل آيزنكوت وغانتس، على الانضمام إلى حكومة طوارئ وطنية برئاسة نتنياهو. وتوفر هذه الظروف الأمنية لنتنياهو غطاءً سياسياً مثالياً لإذابة جدار الرفض لدى المعارضة، وتحويل التهديد الخارجي إلى طوق نجاة يضمن استمراره في السلطة وتجاوز تداعيات نتائج الاقتراع.

الانتخابات في الأخير لم تنتج فائزاً حاسماً على الرغم من الارتفاع التاريخي في نسبة التصويت، فإن التجربة البرلمانية تؤكد أن المأزق الدستوري بات السمة الغالبة للنظام السياسي. فرئيس الكيان إسحاق هرتسوغ يجد نفسه أمام مهمة معقدة للغاية عند إطلاق المشاورات الرسمية وتلقي التوصيات من رؤساء الكتل لتكليف الشخصية الأقدر على تشكيل الحكومة. وتكمن الأزمة في أن القواعد العرفية التي تمنح التفويض لرئيس الكنيست أو رئيس الحزب الأكبر لا تكفي لضمان الولادة السياسية للحكومة؛ إذ يظل خطر الفشل مسيطراً على أي مرشح لا يملك أغلبية صلبة. وبذلك، تنزلق إسرائيل نحو دوامة جديدة من المفاوضات الائتلافية الشاقة التي تعيد إلى الأذهان أزمة عدم الاستقرار السياسي التي شهدتها بين عامي 2019 و2021.

أعلى