• - الموافق2026/10/21م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha

مع اقتراب الانتخابات البرلمانية في الكيان الصهيوني يبرز غادي أيزنكوت بوصفه مناسفا قويا لنتنياهو، لكن ما الذي يمثله حقيقة هذا الجنرال هل يمثل بديلًا سياسيًا جديدًا يجنح للتهدئة، أم وجهًا أكثر انضباطًا لعقيدة التدمير والهيمنة الصهيونية؟


تتكشف في خضم الأزمة المتصاعدة التي يعيشها الكيان الصهيوني عقب طوفان الأقصى وانكشاف هشاشة المنظومة الأمنية والمؤسسية للاحتلال، ظاهرة الصعود السياسي للجنرال المتقاعد غادي أيزنكوت، كبديل مفترض لبنيامين نتنياهو في انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر الجاري، لكن قراءة هذا الصعود من منظور رصين تتجاوز الصخب الانتخابي الداخلي لتسلط الضوء على آليات التفكير الاستعماري في مرحلة الانحدار؛ حيث لا يمثل أيزنكوت مشروعاً للتراجع عن الهيمنة الصهيونية أو الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، بل يجسد محاولة واعية لإعادة تدوير العقيدة العسكرية وإضفاء الترتيب والانضباط على حروب الإبادة والسياسات التوسعية، عبر تقديم جنرال هادئ ينحدر من أصول شرقية لترميم صورة المؤسسة العسكرية بعد أن أكلت صراعات اليمين الفاشي وهستيريا نتنياهو رصيدها السياسية.

الجذور والمسار العسكري

وُلِدَ غادي أيزنكوت عام 1960 في مدينة طبريا المحتلة لأسرة يهودية هاجرت من المغرب، ونشأ في بيئة بعيدة عن النخب الأشكنازية الغربية التي احتكرت تأسيس الكيان وصناعة قراراته خلال العقود الأولى. لم يلتحق أيزنكوت بالوحدات النخبوية مثل "سيريت متكال" التي تخرج منها بنيامين نتنياهو وإيهود باراك، بل بدأ مسيرته عام 1978 كجندي مشاة عادي في لواء "غولاني"، وتدرج صبوراً في الرتب الميدانية حتى تولى قيادة اللواء نفسه. هذه الخلفية المتواضعة بين الشرقيين "المزراحيم" منحت أيزنكوت بريقاً خاصاً داخل الشارع الصهيوني، إذ يُقدَّم في الأدبيات الإعلامية العبرية بصفته عصامياً صعد بعرق الخدمة العسكرية لا بالنفوذ العائلي، وهو ما يجعله قادراً على اختراق البيئات الاجتماعية المحافظة في إيلات وطبريا والجنوب، التي ظلت تاريخياً خزان تصويت صلباً لحزب الليكود اليميني.

امتدت خدمة أيزنكوت العسكرية أربعين عاماً متواصلة (1978–2019)، تنقل خلالها في أكثر المواقع الأمنية حساسية واستراتيجية داخل جيش الاحتلال. فشغل منصب السكرتير العسكري لرئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك بين عامي 1999 و2001، وقاد "فرقة يهودا والسامرة" المسؤولة عن قمع الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية خلال أحداث الانتفاضة الثانية عام 2003، ثم تولى شعبة العمليات في هيئة الأركان، قبل أن يستقر قائداً للمنطقة الشمالية لست سنوات متواصلة عقب حرب لبنان الثانية. وفي عام 2015، اختاره نتنياهو نفسه لمنصب رئيس هيئة الأركان العامة، حيث قاد المؤسسة العسكرية حتى عام 2019، في فترة اتسمت بالتركيز على بناء القدرات الهجومية، وإدارة الترسانة العسكرية ببرود المؤسسات لا بشعارات السياسيين.

تتبدى الخطورة الحقيقية لشخصية أيزنكوت العسكرية في أسلوبه الإداري ونمطه السلوكي؛ فهو رجل يبتعد عن الخطابات الحماسية والاستعراض الإعلامي الصاخب، ويميل إلى التخطيط الهادئ والعمل الصامت. هذا الانضباط الصارم أتاح له كسب ثقة المؤسسة الأمنية العميقة، والظهور بمظهر الجنرال العقلاني الذي يزن القرارات بميزان المصالح العليا للكيان الصهيوني. غير أن هذا الهدوء السلوكي لم يكن سوى غطاء لعقيدة بطش صريحة، صيغت في أروقة قيادته وكرست أفظع أشكال الجرائم بحق شعوب المنطقة.

مهندس عقيدة الضاحية

يرتبط اسم غادي أيزنكوت بصياغة واحدة من أكثر النظريات الاستعمارية وحشية، والمعروفة بـ "عقيدة الضاحية". تبلورت هذه العقيدة إبان توليه قيادة المنطقة الشمالية عقب حرب لبنان عام 2006، حين صرح صراحة في مقابلته الشهيرة عام 2008 بأن ما حدث في الضاحية الجنوبية لبيروت من تدمير شامل للبنية التحتية المدنية سيتكرر في كل قرية أو منطقة ينطلق منها تهديد لإسرائيل. تقوم هذه الاستراتيجية على الاستخدام المفرط وغير المتناسب للقوة النارية الهائلة ضد البيئات السكانية والحاضنات الاجتماعيّة، بهدف إلحاق أضرار اقتصادية ومادية هائلة، وفرض معادلة ردع تقوم على العقاب الجماعي الشامل وتحويل حياة المدنيين إلى جحيم.

 

الفارق بين نتنياهو وأيزنكوت ليس فارقاً في الرؤية الاستعمارية تجاه الشعب الفلسطيني والأمة العربية، بل في أسلوب الإدارة وطريقة استخدام أدوات البطش

لم تكن "عقيدة الضاحية" مجرد تصريح عابر، بل تحولت إلى عقيدة تشغيلية ناظمة لعمليات جيش الاحتلال في كافة الجبهات. فقد جرى تطبيق هذه النظرية التدميرية بالحرف الواحد خلال الحروب العدوانية المتكررة على قطاع غزة في أعوام 2008 و2014 و2023؛ حيث يتعمد الاحتلال تسوية الأحياء السكنية بالأرض، واستهداف محطات المياه والكهرباء والمستشفيات، تحت ذريعة تحوُّل المناطق المدنية إلى قواعد عسكرية. هذه الرؤية تعكس جوهر تفكير أيزنكوت الذي يرى في الكثافة السكانية العربية هدفاً مشروعاً للضغط والتركيع.

إلى جانب عقيدة التدمير الشامل، أصل أيزنكوت مفهوم "المعركة بين الحروب"، وهي استراتيجية تعتمد على شن عمليات سرية وضربات وقائية واغتيالات مركزة مستمرة ضد قوى المقاومة. وتهدف هذه العقيدة إلى حرمان الخصوم من امتلاك أدوات كاسرة للتوازن دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. يثبت هذا السجل العسكري أن أيزنكوت ليس "حمامة سلام" أو خياراً للدبلوماسية كما يروج بعض الإعلام الغربي والعبري، بل هو مهندس صلب للإكراه العسكري الشامل، يتفوق على خصومه السياسيين بإتقانه لغة القوة وتنفيذها بدقة مؤسسية باردة.

الانفصالُ عن نتنياهو

بدأت المحطة السياسية لأيزنكوت عام 2022 بتأثير محدود عندما انضم إلى تحالف "المعسكر الوطني" بزعامة بيني غانتس، وفاز بمقعد في الكنيست. ولكن التحول المفصلي في مساره تمثل في انضمامه كوزير بلا حقيبة ومراقب في "مجلس الحرب" المصغر الذي شكله نتنياهو عقب معركة طوفان الأقصى في أكتوبر 2023. جالس أيزنكوت داخل الغرف المغلقة قيادات الاحتلال السياسية والأمنية، وشهد عن قرب كواليس اتخاذ القرار، واكتشف حجم الارتباك والتخبط والنزعة الفردية التي تسير بها حكومة نتنياهو الحرب ضد غزة ولبنان.

على الصعيد الشخصي، تلقت عائلة أيزنكوت ضربات قاسية خلال حرب الإبادة على غزة؛ إذ قُتل نجله الأصغر "غال مئير أيزنكوت" بانفجار عبوة ناسفة في جباليا في ديسمبر 2023، وتلاه مقتل اثنين من أبناء شقيقته في المعارك ذاتها خلال فترة وجيزة. هذه الخسارة الشخصية أضفت على أيزنكوت هالّة عاطفية وثقلاً رمزياً داخل المجتمع الصهيوني المصدوم، حيث نُظر إليه كأب وقائد دفع الثمن الأغلى في الميدان وواصل أداء مهامه القومية، في تباين صارخ مع نتنياهو الذي يواجه اتهامات باستغلال الحرب لمصالحه، بينما يقيم نجله "يائير" في منتجعات ميامي بالولايات المتحدة بعيداً عن أهوال الجبهات.

في يونيو 2024، أعلن أيزنكوت استقالته من مجلس الحرب برفقة غانتس، موجهاً لكمة سياسية حادة لنتنياهو. وتضمنت رسالة استقالته اتهامات صريحة لرئيس الحكومة بعرقلة اتخاذ القرارات الاستراتيجية، والامتناع عن وضع رؤية واضحة لليوم التالي للحرب، وتفضيل الحسابات السياسية والشخصية وضغط حلفائه المتطرفين (سموتريتش وبن غفير) على حساب إعادة الأسرى وتحقيق المصالح الأمنية القومية. كانت هذه الاستقالة ضربة موجعة لحكومة الليكود وأسست لبروز أيزنكوت كأشرس منافس لنتنياهو.

تأسيس حزب يشار

عقب انفصاله عن تحالف غانتس، أقدم أيزنكوت في سبتمبر 2025 على تأسيس حزبه السياسي المستقل باسم "يشار" (والتي تعني بالعبرية "المستقيم" أو "الصادق"). انطلق الحزب بمعدلات تأييد متواضعة، لكنه سرعان ما شهد قفزات متسارعة في استطلاعات الرأي مع اقتراب انتخابات أكتوبر 2026، متجاوزاً الأحزاب الوسطية واليمينية التقليدية مثل تحالف نفتالي بينيت ويائير لابيد وحزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة ليبرمان. وبات حزب "يشار" يحتل المركز الأول أو الثاني متنافساً على الصدارة مباشرة مع حزب الليكود الحاكم.

على الرغم من الصدارة التي يحققها أيزنكوت وحزبه في استطلاعات الرأي، فإن العقدة الحقيقية في النظام البرلماني الصهيوني تكمن في القدرة على تحشيد "النائب رقم 61" لتشكيل الحكومة. تظهر الاستطلاعات بوضوح حالة من التعادل والتفتت السياسي؛ إذ يجمع معسكر المعارضة المناهض لنتنياهو ما بين 50 و58 مقعداً، بينما يحصد معسكر نتنياهو واليمين المتطرف والحريديم بين 51 و53 مقعداً. تعني هذه الأرقام أن أياً من المعسكرين لا يمتلك الأغلبية المطلوبة (61 من أصل 120 مقعداً) دون الدخول في مساومات معقدة أو الاعتماد على الكتلة العربية.

تطرح الخريطة الانتخابية ثلاثة سيناريوهات حتمية لما بعد انتخابات 27 أكتوبر الجاري؛ وهي:

1- حكومة أقلية برئاسة أيزنكوت: تعتمد على دعم غير معلن أو امتناع الأحزاب العربية عن التصويت لإسقاطها، وهي حكومة هشة ستواجه تحريضاً يمينياً متواصلاً.

2- حكومة وحدة موسعة: تشمل حزب "يشار" وحزب الليكود (خاصة في حال إزاحة نتنياهو أو قبول صيغة تناوب تسقط محاكمته)، وهو الاقتراح الذي يدعمه البيت الأبيض والشارع الصهيوني لمنع التكرار اللانهائي للانتخابات.

3- الانسداد السياسي الممتد: إخفاق الطرفين في جمع 61 مقعداً، مما يفرض الذهاب إلى جولة انتخابية جديدة واستمرار نتنياهو رئيساً لحكومة تصريف أعمال مؤقتة.

رؤية أيزنكوت

يكشف تفكيك الرؤية السياسية والأمنية لأيزنكوت تجاه القضية الفلسطينية عن زيف المراهنات على إحداث تحول جذري نحو السلام حال وصوله إلى السلطة. يتخذ أيزنكوت موقفاً رافضاً لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، معتبراً الدعوات المطالبة بحل الدولتين مجرد شعارات تسطح أبعاد الصراع، ولديه إصرار مطلق على تجريد قطاع غزة من السلاح وتدمير القوة العسكرية والسياسية لحركة حماس بشكل كامل. وفي الوقت نفسه، يرفض الضم الكامل للضفة الغربية المحتلة ليس بدافع حماية الحقوق الفلسطينية، بل لخشية أيدولوجية وأمنية صهيونية من التحول إلى دولة ثنائية القومية تهدد الأغلبية اليهودية للكيان.

أما على صعيد العلاقات الإقليمية والدولية، فيظهر أيزنكوت كصقر مؤسسي حذر. فقد هاجم نتنياهو بحدة عندما أبدى مرونة تجاه مطالبات واشنطن بوقف إطلاق النار في لبنان، مؤكداً أن "حزب الله عدو يجب ضربه في بيروت والبقاع دون تكبيل أيدي الجيش". وعلى الرغم من تأييده للضربات الجوية والعمليات العسكرية ضد إيران وبرنامجها النووي، يرى أيزنكوت أن استخدام القوة يجب أن يقترن بتنسيق وثيق مع البيت الأبيض والدول الإقليمية للوصول إلى ترتيبات سياسية تثبت الإنجازات العسكرية. هذا النهج يثبت أن أيزنكوت لا يسعى لإيقاف الحروب الصهيونية، بل لإدارتها بفاعلية أكبر وضمان ترجمة نتائجها الميدانية إلى مكاسب استراتيجية دائمة.

لعنة الجنرالات

يكشف تتبع التاريخ السياسي للكيان الصهيوني عن ظاهرة متكررة تُعرف بـ "لعنة الجنرالات"؛ فمن بين أربعة عشر رئيس حكومة تعاقبوا على الكيان، لم ينجح في تحويل الهيبة العسكرية إلى استقرار سياسي ممتد لبعض الوقت سوى ثلاثة منهم، وهم: (إسحاق رابين، إيهود باراك، وآرييل شارون). ينزع المجتمع الصهيوني في لحظات الأزمات الوجودية والانكسارات النفسية إلى الهروب نحو المؤسسة العسكرية، والبحث عن جنرال متمرس لترميم ثقته المستنزفة في عقيدة الردع. صعود أيزنكوت يسير تماماً على هذا المسار التاريخي.

من نافلة القول إن الترويج الإعلامي الغربي والصهيوني لأيزنكوت بوصفه "خياراً معتدلاً" أو "نقيضاً أخلاقياً لنتنياهو" ليس سوى وهم تضليلي يستبدل الشكل بالمضمون. الفارق بين نتنياهو وأيزنكوت ليس فارقاً في الرؤية الاستعمارية تجاه الشعب الفلسطيني والأمة العربية، بل في أسلوب الإدارة وطريقة استخدام أدوات البطش؛ فبينما يمارس نتنياهو الفاشية السياسية بأسلوب استعراضي يخدم بقاءه في السلطة، يمثل أيزنكوت "الفاشية المؤسسية" المنظمة، التي تنفذ التدمير والقتل والانقضاض على الحقوق العربية ببرود وبأعلى درجات الكفاءة العسكرية والتنسيق الدبلوماسي.

وصول غادي أيزنكوت إلى سدة الحكم في تل أبيب ـ إن حدث لن يوقف استهداف أرض فلسطين ولبنان وسوريا وإيران، بل سيضع المؤسسة العسكرية الصهيونية تحت قيادة أكثر انضباطاً وقدرة على إدارة الصراع. وعليه، فإن الرهان العربي والإسلامي الأصيل يظل معقوداً على الصمود، وعلى المقاومة الشاملة في الميدان التي تسقط كل جنرالات الاحتلال ومشاريعهم التدميرية، بغض النظر عن أسماء أحزابهم ونتائج صناديق اقتراعهم الاستعمارية.

أعلى