• - الموافق2026/07/22م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
ليندسي غراهام.. مُشعِل الحروب وأوفى صديق لإسرائيل

بين أروقة الكونغرس وساحات الحروب، صاغ ليندسي غراهام إرثًا صادما وحادًا؛ اعتبره مؤيدوه حاميًا للمصالح الأمريكية، ورآه منتقدوه مهندسًا للتصعيد العسكري وأحد أكثر السياسيين الأمريكيين قربًا من إسرائيل. فكيف تشكل هذا الإرث، وما الذي يتركه رحيله خلفه؟


لم يكن رحيل السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام عن عمر ناهز 71 عامًا إثر تمزق مفاجئ في الشريان الأبهر ناتج عن تصلب الشرايين، مجرد غياب لصقر بارز من صقور الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة ومجلس شيوخها، بل حدثٌ يفتح الباب واسعاً أمام محاكمة تاريخية وشعبية لإرث سياسي لم يعرف المهادنة، مسيرة حافلة بالتحريض على الحروب والصراعات المسلحة، والولاء المطلق للكيان الصهيوني. لقد كان غراهام، العقيد المتقاعد والمحامي العسكري، يجسد ثقافة الحرب في أقسى صورها، حيث ارتبط اسمه بكل رصاصة أُطلقت أو عقوبة فُرضت في سبيل ما كان يراه "عظمة أمريكا"، حتى لو كان الثمن دمارًا ومعاناة إنسانية لا توصف في بقاع الأرض المختلفة.

إرث الصقور الأخير

يمثل موت غراهام النهاية الفعلية للثلاثي الأشهر في مجلس الشيوخ، الذي كان يضمه إلى جانب الراحلين جون ماكين وجو ليبرمان، وهو القطب الذي شكّل لسنوات طويلة العمود الفقري لتيار "المحافظين الجدد" المدافع بضراوة عن التدخل العسكري الخارجي. هذا التيار الذي تراجعت سطوته في عهد ترامب لصالح الأصوات الانعزالية، وجد في غراهام حارساً أخيراً يرفض التراجع عن سياسة السلام عبر القوة، حيث صوّت لصالح غزو العراق وأيّد البقاء طويل الأمد في أفغانستان، معتبراً أن الانكفاء الأمريكي هو تقويض للمصداقية أمام الحلفاء. غراهام لم يكن يرى شجاراً بالأيدي إلا وأراد تحويله إلى غارة وقصف، وهو ما جعله أحد أكثر الوجوه حضوراً في الملفات الدولية الساخنة، من أوكرانيا التي زارها عشر مرات، إلى فنزويلا وكوبا اللتين لوح بالخيار العسكري ضدهما طوال الوقت.

 

كان غراهام يتبنى نزعة متعطشة للدماء يغلفها بخطاب رصين في السياسة الخارجية، وهو ما منحه سمعة زائفة بالرصانة في واشنطن. لقد استخف في تصريحاته الشهيرة بالخسائر البشرية لأي حرب محتملة ضد كوريا الشمالية، معتبراً أن الموت سيحدث هناك، وليس في أمريكا، وهي لامبالاة تعكس رؤيته للعالم كساحة للحروب وتجارب الأسلحة. وقد برع في استخدام منصبه كرئيس للجنة الموازنة ولجنة القوات المسلحة سابقاً لتعزيز الإنفاق الدفاعي، هذه الرؤية هي التي دفعته ليكون عراب الخيارات العسكرية بامتياز، وعلى الرغم من كونه شخصية مثيرة للجدل، استطاع غراهام الحفاظ على مقعده في الكونغرس منذ عام 1994 بفضل قدرته الفائقة على المناورة السياسية وربط مصالح ولايته كارولينا الجنوبية بالأجندة الوطنية الكبرى. لقد كان أداؤه في تمثيل ولايته محل انتقاد من بعض الأوساط التي رأت فيه شخصية تخدم أجندات خارجية أكثر من اهتمامها بالداخل، إلا أن الماكينة الانتخابية والدعم الحزبي كانا كفيلين ببقائه في السلطة لأكثر من عقدين.

هندسة العداء الإيراني

في الملف الإيراني، لم يكن غراهام مجرد سيناتور متشدد، بل كان يرى أن الحرب على إيران هي ضرورة وجودية، وهو ما جعله يرفض الاتفاق النووي لعام 2015 ويقود جبهة شرسة لمعارضته، قبل أن ينبري ليكون لاحقًا هو المحرض الأول الذي دفع إدارة دونالد ترامب نحو المواجهة العسكرية المباشرة. لقد لعب دوراً محورياً في إقناع ترامب ـ الذي كان متردداً في البداية ـ بضرورة شن حرب ضد طهران، حيث عقد جلسات مطولة مع الاستخبارات الإسرائيلية ومع بنيامين نتنياهو لشرح كيفية التأثير على عقلية الرئيس الأمريكي. غراهام هو من ابتكر مصطلح "ريغان بلس" للإشادة بترامب وتصويره كنسخة مطورة من الرئيس الجمهوري القوي، وذلك لإغرائه باتخاذ قرارات عسكرية كبرى تجعل من سقوط النظام الإيراني سقوطاً لجدار برلين آخر.

لقد استغل غراهام شغف ترامب بالإعلام ليمارس ضغوطاً إقناعية هائلة، وكان يروّج لفكرة أن القوة هي الوسيلة الوحيدة للتعامل مع النظام في طهران. وبحسب معلومات مسربة فقد خاض غراهام مع ترامب جلسات مطولة داخل أجهزة الاستخبارات امتدت لـ 48 ساعة لوضع الخطوط العريضة للحرب التي جرت ضد إيران في مارس الماضي، وكان من العجيب احتفاله بمقتل تلميذات إيرانيات في إحدى الهجمات. هذا الاندفاع نحو الحرب لم يتوقف عند إيران، بل كان غراهام يطالب بتدخلات مماثلة في لبنان وكوبا، مؤمناً بأن أي تهديد يجب أن يُكسر بالقوة الغاشمة.

التحالف الصهيوني المطلق

ارتبط اسم ليندسي غراهام بالكيان الصهيوني ارتباطاً عضوياً تجاوز حدود التحالف السياسي إلى مستوى الحب الحقيقي والعقيدة الدينية الراسخة. لقد كان غراهام يرى أن أمن إسرائيل وأمن الولايات المتحدة لا ينفصلان، وهو ما دفع نتنياهو لوصفه بأنه "أوفى صديق لإسرائيل" وأحد أعظم الأشخاص الذين عرفهم. غراهام زار الأراضي المحتلة أكثر من 12 مرة منذ أحداث السابع من أكتوبر، وكان المدافع الأشرس عن حق إسرائيل في ارتكاب الإبادة الجماعية في غزة، بل وذهب إلى حد اقتراح تزويد الكيان بأسلحة نووية لإنهاء الحرب، مستشهداً بضرب هيروشيما وناغازاكي.

لقد كان غراهام الدرع الذي يحمي المسؤولين الإسرائيليين من الملاحقة الدولية، حيث شن هجوماً عنيفاً على المحكمة الجنائية الدولية ومدعيها العام كريم خان بعد إصدار مذكرات اعتقال بحق نتنياهو وغالانت. منطقه في الدفاع كان تحذيرياً: "إذا فعلتم هذا بإسرائيل، فنحن التالي"، معتبراً على حد قوله إن المحكمة وُجدت للتعامل مع الفاسدين في أفريقيا وروسيا فقط، وليس مع الديمقراطيات مثل أمريكا وإسرائيل. هذا الدعم المطلق لم يكن مرتبطاً بمكاسب انتخابية، إذ لا توجد قاعدة يهودية وازنة في ولايته، بل كان نابعاً من قناعة يمنية مسيحية ترفض إدارة الظهر لإسرائيل "خشية غضب الرب"؛ على حد معتقده.

برز دور غراهام كأحد أهم المروجين لـ "اتفاقيات أبراهام" وعملية التطبيع بين إسرائيل والدول العربية، وتقول تقارير أنه أمضى أسابيعه الأخيرة في محاولة وضع الأسس لحملة تهدف لتحقيق اختراق إقليمي عبر تحقيق التطبيع بين إسرائيل والسعودية. لقد كان يرى أن استبدال النظام الإيراني سيفتح مساراً جديداً للتطبيع الشامل، وهو ما يكشف عن حجم تشابك أجندته الحربية مع تطلعاته الصهيونية. وبوفاته، تشعر إسرائيل بحزن عميق لفقدان حارسها الأمريكي الشرس الذي لم يتردد يوماً في تقديم مصالح الكيان على حساب أي اعتبار إنساني أو حقوقي.

 

تقلبات سياسية

تعد علاقة غراهام بدونالد ترامب درساً في البراغماتية السياسية التي تصل حد التناقض الصارخ؛ فمنذ عام 2016 وصف غراهام ترامب بأنه "أحمق" و"جاهل" و"متعصب يثير النعرات العرقية"، محذراً من أن ترشيحه سيدمر الحزب الجمهوري. وبالمقابل، سخر ترامب من غراهام ووصفه بـ "الرجل الخفيف سياسياً" وكشف رقم هاتفه الشخصي على الهواء. لكن بمجرد فوز ترامب، تحولت هذه الخصومة إلى تحالف وثيق جعل من غراهام أحد أقرب أربعة أشخاص لترامب، إلى جانب عائلته الصغيرة.

براغماتية غراهام كانت وسيلته للبقاء في قمة الهرم السياسي، حتى لو تطلب الأمر التحالف مع من كان يراه بالأمس خطراً على بلاده، لكن تلك العلاقة لم تخلُ من اهتزازات، أبرزها غضبه عقب أحداث اقتحام الكابيتول في 6 يناير 2021، حين أعلن بمرارة: "لا تحسبوني معكم ـ يقصد الدائرة القريبة من ترامب ـ بعد الآن.. لقد طفح الكيل". ومع ذلك، فإن هذا التمرد كان سحابة صيف عابرة، إذ سرعان ما عاد لبيت الطاعة السياسي، ورفض إدانة ترامب في محاكمة العزل، بل وكان من أوائل المؤيدين لترشيحه في 2024. يرى مراقبون أن غراهام خان كل شيء من أجل البقاء قريباً من مركز القوة واشباع رغبته في التدخل العسكري الخارجي.

لقد كان غراهام يلعب دور الوسيط وقناة الاتصال الحيوية بين البيت الأبيض والكونغرس، وتولى بنفسه معارك الدفاع الشرسة عن مرشحي ترامب المثيرين للجدل في العديد من المناصب، هذا الولاء المطلق جعل ترامب يصفه بعد وفاته بـ "الوطني الأمريكي الحقيقي"، مؤكداً أن غيابه سيترك فراغاً كبيراً في الدائرة المحيطة به.

غموض اللحظات الأخيرة

أحاطت بوفاة غراهام أجواء من الصدمة والغموض، حيث لم تكن هناك أي مؤشرات صحية مسبقة، بل كان يمارس نشاطاً دبلوماسياً مكثفاً شمل زيارة أوكرانيا واللقاء بزيلينسكي. التفاصيل التي كشفتها وسائل الإعلام تشير إلى مكالمة استغاثة أجراها غراهام مع منسقة مواعيده، يشكو فيها من آلام حادة في الصدر، مفضلاً الاتصال بها بدلاً من الإسعاف.

ولا يمكن في هذا السياق تجاهل الخصومة الشرسة التي ناصبها غراهام للكرملين؛ فهو لم يكتفِ بوصف بوتين بـ "مجرم حرب"، بل ذهب بعيداً في تحريضه المباشر على تصفيته واغتياله، وناهيك عن الاندفاع الأخير لفرض عقوبات خانقة على موسكو قبل أيام قليلة من رحيله، هذا التوجه قد جعل من فرضية التدخل الخارجي أو الاغتيال السياسي حاضرة بقوة في الأذهان. وعلى الرغم من أن النتائج الأولية للطب الشرعي أرجعت الوفاة لتسلخ الأبهر المرتبط بتصلب الشرايين، إلا أن الأصوات داخل الحزب الجمهوري بدأت تطالب بتحقيق شامل تحسبًا لوجود شبهة جنائية، خاصةً في ظل كثرة خصومه.

تعيين شقيقة غراهام، دارلين غراهام نوردون، كعضو مؤقت في مجلس الشيوخ، هو إجراء لسد الفراغ حتى يناير المقبل، لكنه لا يعوض غياب المهندس الذي كان يجمع بين ولاء ترامب وثقة الجمهوريين التقليديين. بدون شك فإن رحيله المباغت وضع الحزب الجمهوري في مأزق انتخابي وتشريعي، حيث تقلصت الأغلبية الجمهورية مؤقتاً، مما يمنح الديمقراطيين هامشاً للمناورة في ملفات حساسة كان غراهام حائط الصد المنيع فيها.

نفوق مشعل الحروب

إن رحيل ليندسي غراهام المفاجئ يضع حداً لمسيرة سياسي لم يرَ في العالم سوى ساحة للرماية، إذ ارتبط اسمه بكل رصاصة أُطلقت وعقوبة فُرضت طوال ثلاثة عقود. لم يكن مجرد مشرّع عادي، بل كان الحارس الوفي للمشروع الصهيوني والمحرض الأول على إبادة غزة وضرب لبنان وإيران والداعم الجسور للهجوم على روسيا والمنادي المتحمس لشنّ الحرب الشاملة على كوريا الشمالية، والتحرك العسكري لإنهاء النظام في كوبا وفنزويلا، رحل غراهام تاركاً خلفه إرثاً مثقلاً بالدماء والمعاناة الإنسانية التي كان يراها مجرد ثمن زهيد لعظمة أمريكا المتوهمة. بوفاته تفقد الولايات المتحدة مُشعِل حروبها الأول الذي جسد تيار التدخل العسكري والدمار في أقسى صوره، وفيما فقدت إسرائيل أوفي صديق أمريكي لها.

أعلى