• - الموافق2026/09/30م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
فاطمة الزهراء المنصوري.. أول رئيسة وزراء مغربية من

من مراكش إلى قصر الحكم، قطعت فاطمة الزهراء المنصوري مسارًا سياسيًا استثنائيًا انتهى بوصولها إلى رئاسة الحكومة المغربية. صعود امرأة من قلب «الأصالة والمعاصرة» يفتح صفحة جديدة، ويطرح سؤالًا أكبر: كيف ستقود أول رئيسة حكومة المغرب؟


في 29 سبتمبر 2026، عيّن الملك محمد السادس المنصوري رئيسة للحكومة، بعدما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية بـ97 مقعدًا من أصل 395. وهكذا تحولت شخصية كانت حتى وقت قريب موضع تكهنات سياسية إلى أول امرأة تجلس على رأس السلطة التنفيذية في تاريخ المغرب.

ابنة مراكش.. وبيئة التعليم الغربي

ولدت فاطمة الزهراء المنصوري سنة 1976 في مراكش، وتنحدر أسرتها من منطقة الرحامنة. وكان والدها عبد الرحمن المنصوري شخصية بارزة في الإدارة والقانون؛ عمل محاميًا وتولى لاحقًا منصب سفير المغرب لدى الإمارات العربية المتحدة.

هذه الخلفية العائلية مهمة لفهم بداياتها، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير مسارها السياسي. فالمنصوري لم تبدأ حياتها موظفة في الدولة أو سياسية محترفة، وإنما اختارت القانون والمحاماة.

تلقت تعليمها في مؤسسات التعليم الفرنسي بمراكش، وحصلت على البكالوريا من ثانوية فيكتور هوغو سنة 1994. ثم التحقت بجامعة محمد الخامس بالرباط، حيث درست القانون الخاص وحصلت على الإجازة سنة 1998.

بعد ذلك انتقلت إلى فرنسا، وحصلت في جامعة مونبلييه على دبلوم الدراسات المعمقة في قانون عقود الأعمال سنة 1999، ثم تابعت تكوينًا في قانون الأعمال ذي التوجه الأنجلوسكسوني في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة سنة 2000.

إذًا نحن أمام تكوين تعليمي يجمع بين التعليم المغربي، والغربي بشقيه الفرنكفوني والأنجلوسكسوني. هو تكوين سينعكس لاحقًا على مسارها المهني والسياسي.

من المحاماة إلى السياسة

بعد عودتها إلى المغرب، اشتغلت المنصوري بالمحاماة، وارتبط نشاطها المهني خصوصًا بقانون الأعمال والمعاملات العقارية والتجارية، قبل أن تدخل تدريجيًا إلى المجال السياسي من بوابة العمل المحلي.

في يونيو 2009، انتُخبت عمدة لمراكش عن حزب الأصالة والمعاصرة، لتصبح أول امرأة تتولى عمودية المدينة. وكان وصولها إلى هذا الموقع وهي في الثالثة والثلاثين تقريبًا لحظة لافتة في مسار المشاركة السياسية للمرأة المغربية.

لم يكن الطريق آنذاك خاليًا من الجدل؛ فقد كانت شابة حديثة نسبيًا على السياسة الوطنية، بعد تجربتها الأولى في عمودية مراكش، انتقلت المنصوري إلى العمل البرلماني، وانتُخبت عضوًا في مجلس النواب عن دائرة المدينة، لتبدأ مرحلة جديدة في مسارها السياسي. وبالتوازي، أخذ موقعها داخل حزب الأصالة والمعاصرة في الصعود. فالمنصوري لم تكن مجرد منتخبة محلية، وإنما أصبحت مع الوقت إحدى الشخصيات التي تمثل الجيل الجديد داخل الحزب.

في أكتوبر 2021، دخلت المنصوري الحكومة وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة عزيز أخنوش. وبذلك أصبحت المنصوري واحدة من الوجوه الأساسية في الحكومة، إلى جانب استمرارها في قيادة مجلس مدينة مراكش.

وفي 2024، وصلت المنصوري إلى موقع قيادي بارز داخل حزب الأصالة والمعاصرة، وأصبحت منسقة للقيادة الجماعية للأمانة العامة للحزب إلى جانب محمد المهدي بنسعيد وفاطمة السعدي.

وهنا بدأت المنصوري تتحول من شخصية سياسية بارزة إلى واحدة من أهم الوجوه التي تختصر صورة الحزب.

واللافت أن تصريحاتها خلال هذه المرحلة تكشف كثيرًا من رؤيتها السياسية.

في سبتمبر 2026، تحدثت عن ضرورة تجديد العمل السياسي وتعزيز مشاركة الشباب والنساء، ودافعت عن «ثقافة الحوار»، معتبرة أن الاختلاف والنقد البناء يمكن أن يكونا مدخلًا لتطوير العمل السياسي وتصحيح الأخطاء.

وفي مقابلة أخرى، ربطت الشرعية السياسية بالمواطن، معتبرة أن المناصب وحدها لا تمنح صاحبها شرعية، وأن المسؤولية السياسية تصبح ذات معنى عندما تستند إلى ثقة المواطنين والمناضلين.

في فبراير 2023، تحدثت المنصوري عن العلاقة بين مدونة الأسرة والاتفاقيات الدولية، ووصفت المسألة بأنها «إشكال فكري حقيقي»، بسبب التداخل بين التشريع الوطني والتشريعات ذات المرجعية الكونية. لكنها في الوقت نفسه أقرت بوضوح بأن المصدر الرئيسي لمدونة الأسرة هو الشريعة الإسلامية، وفي مقدمتها القرآن والسنة والمذاهب الأربعة ثم الاجتهاد الفقهي.

والمنصوري لا تقدم نفسها، في هذا الملف، بوصفها داعية إلى إلغاء المرجعية الإسلامية للتشريع الأسري؛ وإنما تتحدث عن كيفية التوفيق بين المرجعية الدينية والتشريعات والاتفاقيات ذات الطابع العالمي. وهذا التفصيل مهم جدًا. فهو يضعها في منطقة فكرية مختلفة عن التصنيف السهل الذي يضع الحداثيين في مواجهة مباشرة مع المرجعية الإسلامية. إنها حداثة مرنة تبحث عن اعتماد المرجعية الإسلامية وتطويعها لتتطابق مع مفاهيم الحقوق والمساواة والقانون الدولي، دون إظهار الصدام المباشر معها.

فالمنصوري تنتمي إلى حزب يحمل «الأصالة والمعاصرة» في اسمه، وهي تسمية تختصر إلى حد بعيد طبيعة المشروع الذي يتحرك داخله الحزب. لكن «المعاصرة» التي تتحدث عنها المنصوري متوافقة مع مؤسسات الدولة المغربية أو مع ثوابتها.

ففي سبتمبر 2026، عندما سئلت عن قضية فلسطين والهجوم الذي تعرض له الحزب بسبب مواقف أطراف أخرى من الكيان الصهيوني والتطبيع، لم تدخل في سجال أيديولوجي، وإنما قالت إن مواقف حزبها من القضية الفلسطينية «واضحة ومعروفة»، ودعت إلى الرجوع إلى بيانات الحزب وبلاغاته. ثم أضافت عبارة شديدة الدلالة على موقعها السياسي: «أنا وحزبي الأصالة والمعاصرة نخدم وطننا ووطننا فقط، وثوابته ومؤسساته؛ هذا هو شرفنا الوحيد والأكبر». وهذه العبارة ربما تختصر جانبًا أساسيًا من شخصيتها السياسية: الحداثة عندها تتحرك داخل الدولة، لا خارجها.

ولا يمكن قراءة المنصوري بعيدًا عن تاريخ حزب الأصالة والمعاصرة وعلاقته بحزب العدالة والتنمية. فالحزبان يمثلان رؤيتين مختلفتين في عدد من القضايا السياسية والمجتمعية، فبعد الانتخابات الأخيرة، أكدت أن «البام» يميز بين حزب العدالة والتنمية وبين بنكيران، وأن الخلافات السياسية والفكرية لا تعني إهانة مناضلي الأحزاب الأخرى. فالمنصوري هنا لا تنكر الخلاف الفكري، لكنها تحاول أن تضعه داخل قواعد المنافسة السياسية. وهو أسلوب مختلف عن تحويل الخلاف السياسي إلى صراع وجودي.

فاطمة الزهراء المنصوري ليست فقط أول امرأة تصل إلى رئاسة الحكومة المغربية. إنها أيضًا ابنة مشروع سياسي اسمه الأصالة والمعاصرة. مشروع يحاول الجمع بين المرجعية المغربية التقليدية والحداثة السياسية والاجتماعية؛ بين الملكية والثوابت الوطنية والديمقراطية والمؤسسات؛ بين المرجعية الإسلامية المطوعة ومفاهيم الحقوق والمساواة؛ وبين اقتصاد السوق والدولة الاجتماعية.

وقد كشفت تصريحاتها بشأن المرأة، ومدونة الأسرة، والشرعية السياسية، والإسلاميين، وفلسطين، والثوابت الوطنية، عن شخصية حداثية في خطابها الاجتماعي والسياسي، قانونية التكوين، مؤسساتية في لغتها، نسائية في خطابها حول المشاركة السياسية، ومحافظة على إطار الدولة وثوابتها في خطابها الوطني. وهنا يبقى السؤال مطروحا في المستقبل  .. أي مغرب ستقوده أول امرأة وصلت إلى هذا الموقع؟

أعلى