• - الموافق2026/06/15م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
مستقبل غزة

في ظل العدوان الصهيوني المستمر على غزة يثار السؤال عن شكل المستقبل وإلى أين تتجه الأوضاع في القطاع هل نحو استنزاف طويل، أم اجتياح جديد، أم تسوية مؤقتة؟ وبين ركام المدن وصمود الناس، تتشكل ملامح السنوات القادمة على وقع قرارات لم تُحسم بعد.


مع تعثر تطبيق خطة ترامب لوقف الحرب في غزة، تثار أسئلة كثيرة تتمحور حول مستقبل قطاع غزة، والسيناريوهات التي تنتظره في الشهور والسنوات القادمة.

فجيش الاحتلال الصهيوني لا يزال ينتهك الهدنة، باستمراره في عمليات القصف المحدودة لأهداف محددة من اغتيالات للقيادات العسكرية لكتائب عز الدين القسام، وما يصاحب ذلك من قتل النساء والأطفال.

وكذلك دأب جيش الكيان الصهيوني على توسيع منطقة الشريط الأصفر والتي يتواجد فيها عسكريا، وبدلا من الانسحاب التدريجي منها كما تنص خطة ترامب، إذا به يتوسع ويقضم مزيدا من أراضي غزة لتزداد المساحة المسيطر عليها من ٥٠ في المائة من مساحة غزة إلى ٦٠ في المائة، بل يتحدى ويصرح رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتانياهو بأن جيشه سوف يوسع المنطقة الصفراء إلى ٧٠ في المائة من مساحة القطاع، وترافق ذلك مع ما تقوم به الجرافات الصهيونية بتسوية المباني بالأرض داخل هذه المنطقة، لتحولها إلى أرض جرداء خالية من البشر والمباني.

وفي نفس الوقت، تواصل ميليشيات عملاء الصهاينة الخمس المنتشرة عبر مناطق غزة المختلفة في عملياتها ضد المقاومة.

هذه التطورات تدفعنا إلى التساؤل حول مستقبل قطاع غزة، وهل ستستمر المواجهة العسكرية المحدودة الحالية، أم أن الكيان الصهيوني يخطط لعملية عسكرية جديدة بغض النظر عن نتائج التفاوض، سواء التزمت المقاومة بالهدنة أم لا؟ أم أن الأمر في النهاية سيؤول إلى حل توافقي؟

ولكن كيف يمكن توقع الاحتمالات التي يؤول إليها الوضع في غزة؟

لعل أنسب مقاربة علمية من العلوم السياسية تمكننا من فهم مآلات الوضع في غزة هي مقاربة بناء السيناريوهات الاستراتيجية.

السيناريوهات الاستراتيجية

هذا الاقتراب مصمم للمواقف التي تتسم فيها بيئة الصراع بعدم يقين عالٍ، وفاعلين متعددين، ومعلومات ناقصة، وهذا ينطبق تماماً على غزة الآن.

فالعلوم السياسية تفرق بين نوعين من التنبؤ:

الأول التنبؤ الحتمي، مثل أن تقول سيحدث كذا، وهذا التنبؤ يفشل عادة في توقع نتائج الحروب لأنها أنظمة معقدة.

والثاني هو التنبؤ الاحتمالي عبر السيناريوهات: فهناك مثلا 3-4 مسارات محتملة، ولكل منها شروط حدوث ووزن احتمالي، وهذا الذي تعتمده مراكز الدراسات والأبحاث.

فمقاربة السيناريوهات الاستراتيجية لا تخمن النتيجة، بل تحدد ما يطلق عليه شجرة القرارات المحتملة، وتقول: إذا تحقق الشرط (س) زادت احتمالية المسار (أ)، وإذا تحقق (ص) انحرفنا للمسار (ب)، وهكذا..

المتغيرات التي ترسم مستقبل غزة والمسارات المحتملة

أي مستقبل سيكون لغزة لا يُقرره حدث واحد، بل تفاعل 3 متغيرات رئيسية. كل متغير منهم أشبه بمفتاح: لو تحرك يميناً أو يساراً، تغير وجه الطريق كاملاً.

أولاً: المتغيرات الثلاثة الحاكمة

1. الموقف الاستراتيجي الصهيوني

هذا هو المفتاح الأول. والسؤال هنا بسيط: ماذا تريد الدولة الصهيونية فعلياً من غزة بعد الحرب؟ 

لدينا احتمالان فقط: 

إما تكتفي حكومة نتانياهو بإدارة الصراع، أي كسر سلاح المقاومة ومنع عودتها، مع الإبقاء على غزة منطقة معرضة دائما للضرب والقصف، وخاضعة. وهنا المنطقة الصفراء مجرد أداة خنق. 

أو تذهب للحسم الكامل، أي إنهاء حكم حماس وتغيير الخريطة الجغرافية والديمغرافية بشكل جذري. وهناك مؤشر محتمل لهذا الخيار وهو التوسع التدريجي للمنطقة الصفراء والتي حسب تصريحات نتانياهو يمكن أن تصل إلى 70% من مساحة غزة.

2. مصير المسار التفاوضي

المفتاح الثاني هو الخارج ومساره التفاوضي، وهل ستنجح أمريكا وتركيا وقطر ومصر في فرض هدنة جديدة وصفقة تبادل، أم أن خطة ترامب ستموت ويعود الوضع لما قبلها؟ 

فلو عاد التفاوض بضغط دولي، ستُضبط يد الدولة الصهيونية. ولو تجمد التفاوض، ستتحرك يدها العسكرية بحرية أكبر.

3. وزن الصمود الشعبي

هذا هو المفتاح الثالث والأهم، وهو الذي سنستخدمه كعدسة نرى بها كل مسار. لا نقصد به المعنويات فقط، بل ثلاثة أشياء ملموسة: هل الناس قادرة على البقاء رغم الجوع؟ هل ما زالوا يرفضون فكرة التهجير؟ وهل ما زالت حماس هي الممثل المقبول شعبياً رغم كل الضربات؟ 

هذا المتغير لا يصنع سيناريو جديداً، لكنه يحدد: هل المسار سيكون قصيراً وسريعاً، أم طويلاً ومكلفاً للجميع؟

السيناريوهات المحتملة

هناك أربعة مسارات لهذه السيناريوهات، والتي يرسمها تفاعل المتغيرين الأولين، وذلك عندما يتفاعل موقف الكيان الصهيوني مع مصير التفاوض، حينها سيحدد صمود المقاومة وأهل غزة سرعة كل طريق وكلفته.

المسار الأول: استنزاف بلا نهاية 

هذا يحدث لو اختارت الدولة الصهيونية إدارة الصراع وتجمد التفاوض.

وهنا ستكون الصورة المرئية، قصفاً متقطعاً واغتيالات، وتوسع بطيء للمنطقة الصفراء. لا حرب كبرى، ولا سلام كامل، حيث يتبلور هدف الكيان هنا، وهو منع أي حياة طبيعية من العودة. 

لو الصمود الشعبي قوي، فهذا المسار سيصبح كابوساً طويلاً على الكيان نفسه. ولو الصمود انهار، فالمنطقة الصفراء التي يجري توسيعها، ستكرس فكرة تفريغ القطاع من سكانه، وهو المخطط الصهيوني الأصلي.

المسار الثاني: هدنة باردة

هذا يحدث لو اختارت الدولة العبرية إدارة الصراع، لكن التفاوض ينجح ويتقدم.

هذا المسار يبدأ عندما يقبل الكيان وقف إطلاق نار شامل بسبب ضغط أمريكي ودولي.

وعند ذلك تتوقف الغارات والقصف والاغتيالات بشكل كامل على طول القطاع.

وتتجمد الجغرافيا، حيث تبقى المنطقة الصفراء على حدودها الحالية ولا تتوسع أكثر.

كما يتم فتح منظم للمعابر، وتدخل شاحنات المساعدات والوقود يومياً بكمية ثابتة تكفي لمنع الانهيار الإنساني، تحت رقابة دولية.

ولكن وفق هذا المسار ستبقى غزة جريحة ومحاصرة، فلا حرب، ولا حل سياسي، فقط جمود طويل يحفظ الحد الأدنى من الحياة.

وفي هذه الحالة كلما كان الصمود أقوى، كانت شروط الهدنة أفضل، وكان التجميد مؤقتاً، وقابلاً للتغيير لاحقاً. وكلما ضعف الصمود، ثبت الواقع الحالي أكثر.

المسار الثالث: اجتياح شامل

هذا هو السيناريو الأقسى، يحدث لو قررت الدولة الصهيونية الحسم الكامل وفشل التفاوض. عندها نتحدث عن عملية عسكرية واسعة، وتدمير ممنهج لكل شيء. 

هذا المسار مرتبط بالصمود أكثر من غيره. لو الصمود قوي، سيتحول الاجتياح إلى حرب شوارع طويلة وكلفة دولية عالية قد توقفه. لو الصمود ضعيف، ستتحقق الأهداف الجغرافية بسرعة لكن ستبقى مشكلة الحكم بعدها.

المسار الرابع: حسم سريع بغطاء سياسي 

هذا حل وسط مؤلم. وفيه سيأخذ الكيان ضوءا أخضر أمريكياً لعملية عسكرية مركزة ومحدودة زمنياً لإنهاء ما تبقى من القوة العسكرية، ثم تعود فوراً للتفاوض وتسليم الإدارة لطرف ثالث. 

نجاح هذا المسار متوقف كلياً على الصمود. صمود قوي يفشل عنصر السرعة فيقتل الفكرة كلها. صمود ضعيف يجعل الضربة سريعة ويمرر الصفقة.

ولكن كيف نستطيع ترجيح اي من المسارات الأربعة سيؤول اليها مصير غزة؟

مؤشرات المستقبل

العلم لا يتنبأ بالمستقبل، لكنه يضع لافتات على الطريق. هذه اللافتات هي المؤشرات المبكرة. رصدها أسبوعياً يعطينا إنذاراً مبكراً: أي متغير بدأ يتحرك، وأي مسار صار الأقرب.

1. مؤشرات الموقف الاستراتيجي الإسرائيلي: إدارة صراع أم حسم كامل؟

هذا المتغير نقرأه من الأرض، ليس من التصريحات، وهناك بالفعل مؤشران:

المؤشر الأول: مساحة المنطقة الصفراء

فإذا بقيت ثابتة عند 60% لأسابيع فهذا إدارة صراع. إذا بدأت تزحف بانتظام نحو 70% فهذا إعلان حسم كامل على الأرض قبل التصريح.

المؤشر الثاني: طبيعة الاستهداف

فيتم رصد هل الضربات كلها اغتيال لقيادات في أطراف القطاع؟ فهذا إدارة صراع. أم بدأت الجرافات تسوي أحياء كاملة بالأرض حتى لو بلا مقاومة؟ هذا حسم كامل وتغيير جغرافي.

2. مؤشرات مصير المسار التفاوضي: تجمد أم إعادة تفعيل؟

المؤشر الأول: حركة الوسطاء

فوجود وفد أمريكي رفيع في الدوحة أو القاهرة بشكل دائم يعني أن التفاوض حي. أما اختفاء الوفود وعودة كل شيء لتصريحات إعلامية فهذا يشير إلى أن التفاوض متجمد.

المؤشر الثاني: المعابر

فتح معبر كرم أبو سالم تجارياً ولو لساعات، أو إدخال شاحنات وقود منتظمة فهذا يعني أن هناك ضغط أمريكي ناجح لإعادة التفعيل. أما الإغلاق الكامل مع السماح فقط بمساعدات رمزية فهو يؤشر الى التجمد.

3. مؤشرات وزن الصمود الشعبي: عالٍ أم منخفض؟

هذا أصعب متغير لكن له مؤشرات ملموسة:

المؤشر الأول: حركة النازحين

وذلك بمقارنة عدد العائلات التي تعود لبيوتها المدمرة شمال القطاع مقابل عدد العائلات الجديدة التي تنزح جنوباً. إذا كان العائدون أكثر أو مساوين، فالصمود الاجتماعي عالٍ ورفض التهجير مستمر. إذا كان النزوح باتجاه واحد فقط، فالصمود يتصدع.

المؤشر الثاني: ظهور البدائل

ظهور أي مجموعات مسلحة محلية جديدة تتلقى دعماً وتقاتل المقاومة بشكل علني أو اتساع نطاق تجنيدها وانضمام شباب أكثر لصفوفها، فهذا يعني شبه بوادر انهيار الصمود السياسي. أما إذا اتسعت مظاهر التدين والاتجاه إلى التمسك بالإسلام مثل اتساع نطاق حفظ القرآن، فهذا مؤشر جيد على صمود الناس وتمسكهم بمبادئ المقاومة.

أعلى