• - الموافق2026/06/02م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
سوريا وتقاطع المصالح

هل تحولت سوريا من دولة مأزومة، إلى موقع الفاعل المحوري في الإقليم، وكيف تنظر إسرائيل إلى التحولات الجارية في سوريا، وما طبيعة الدور الأمريكي في إدارة الملف السوري وكيف يمكن توصيفه؟


"سوريا قد تصبح مركزا لتحالف إقليمي جديد"

هذا ما صرح به توماس باراك، المبعوث الأمريكي لسوريا.

وأضاف باراك: إن التقدم في سوريا كان ملحوظًا، وأن المرحلة القادمة تحمل فرصًا لتحقيق تقدم هائل واستقرار دائم،

ثم جاءت العبارة الأخطر: أن سوريا قد تصبح مركزًا لتحالف إقليمي جديد قائم على الدبلوماسية والتكامل والأمل.

هذه التصريحات، أتت بعد لقاء وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بالمبعوث الأمريكي باراك. واللافتأن التحرك السعودي يأتي بعد لقاء باراك بالرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق.

وفي أثناء ذلك، جرى لقاء سوري مع حزب الله في تركيا برعاية المخابرات التركية، وفي اليوم التالي للكشف عن هذا اللقاء، تم الإعلان عن كشف خلية للحزب في سوريا كانت تخطط لتفجيرات.

وفي نفس اليوم نشرت صحيفة معاريف الصهيونية تحقيقًا ينقل عن مسؤول أمني صهيوني تصريحات منها؛ "لا نثق بنظام الشرع في سوريا، وعلينا أن ننظر إليه باعتباره تهديدا بالغ الخطورة".

ويضيف المسئول الصهيوني: نظام الشرع هو نظام خطير يستند إلى أيديولوجيا إسلامية متطرفة، وهو يرسخ قوته ويبني جيشًا بمساعدة ودعم من تركيا، لكن على المدى البعيد يمكن أن يوجّه كل ذلك ضد "إسرائيل".

وورد في تحقيق الصحيفة الصهيونية، أن شعبة الاستخبارات العسكرية تراقب ما يجري في سوريا عن كثب.

وفي خضم هذا التناقض، إذا بالرئيس الأمريكي ترامب يعاود الإشادة بالرئيس السوري أحمد الشرع ويرسل له هدية ثمينة.

ولكن في خضم هذه التفاعلات، جرت تنحية توم باراك عن منصبه كمبعوث لسوريا مع استمرار بقائه في منصب سفير أمريكا لدى تركيا.

ولكن كما ورد في نص تصريحات ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكي في تغريدته الرسمية على منصة إكس، "رغم أن هذا المسمى الوظيفي (مبعوث خاص) قد انتهت صلاحيته، إلا أن باراك سيستمر في تولي دور قيادي مركزي لدى إدارة ترامب في كل من سوريا والعراق".

وكل هذه التطورات تأتي ضمن سلسلة تحركات متسارعة حول الملف السوري.

والسؤال الآن: ماذا يريد المبعوث الأمريكي السابق لسوريا؟

وكيف نفهم هذه التحركات المتسارعة؟

وهل الإعلان عن انتهاء مهمة المبعوث الأمريكي لسوريا توم باراك بداية لمرحلة جديدة في التعامل الأمريكي مع الملف السوري؟

وكيف نجمع كل هذه التطورات لتكون بمثابة خيط ناظم متناسق؟

ثمة حقيقة لم تعد خافية، وهي أن ما يجري في المنطقة منذ أشهر، يوحي فعلًا بأن الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة تشكيل واسعة جدًا.

تركيا تتحركالسعودية تتحركالإمارات تعود بقوة إلى دمشقالحديث يتزايد عن مشاريع اقتصادية وربط إقليميوالحوار يدور حول وكيف يمكن تحويل سوريا إلى عقدة وصل اقتصادية وسياسية وجغرافية في المنطقة؟

وهناك حقيقية أخرى ...فعندما ترى هذا الزخم الدبلوماسي حول دمشقفافهم أن كثيرًا من العواصم بدأت تدرك أن استقرار سوريا لم يعد مصلحة سورية فقطبل مصلحة إقليمية كاملة.

خصوصًا مع كل ما يجري من اضطرابات في المنطقة

من إيرانإلى البحر الأحمرإلى الطاقةإلى طرق التجارة

وهنا تصبح سوريا قطعة مهمة جدًا في أي مشروع استقرار قادم.

ولهذا يبدو أن ما يجري اليومبداية مرحلة جديدة تحاول فيها القوى الإقليمية والدولية رسم شكل الشرق الأوسط القادموسوريا هذه المرة في قلب هذه المنطقة...

لفهم هذه التحركات المتناقضة ظاهرياً والمترابطة جوهرياً، سنبدأ بتأطير علمي منهجي قبل الغوص في تفكيك المشهد والإجابة على هذه الأسئلة.

الاقتراب العلمي المقترح للتحليل

أفضل اقتراب علمي لتفكيك هذا المشهد هو نظرية المُركَّب الأمني الإقليمي التي صاغها العالمان باري بوزان وأولي ويفر.

ينطلق هذا الاقتراب من مبدأ أن أمن أي دولة لا يمكن فهمه بمعزل عن جيرانها، وأن الدول تتجمع في مُركّبات أمنية تتداخل فيها التهديدات والمصالح. وعندما يحدث تغيير جذري في دولة مركزية مثل سوريا، فإن المُركّب الأمني الإقليمي بأكمله يعاد تشكيله.

وهذا الاقتراب يحدد أدوات التحليل في هذا الاقتراب بثلاث أدوات:

1-  الفاعلون: من هم اللاعبون الإقليميون (سوريا، تركيا، السعودية، الإمارات، الكيان الصهيوني) والدوليون أمريكا.

2- أنماط العداء والصداقة كيف تتحول التحالفات (الابتعاد عن إيران وحزب الله، والتقارب مع الخليج وتركيا).

3- الاختراق الخارجي: كيف تدير القوة العظمى (الولايات المتحدة) توازنات هذا الإقليم لتحقيق مصالحها دون التورط المباشر.

تفكيك المشهد في سوريا

بناءً على هذا الاقتراب، يمكن أن نفكك ما يحدث وهذا التعقيد في المشهد خطوة خطوة:

أولا ماذا يريد المبعوث الأمريكي توم باراك؟ ولماذا تغير مسماه الوظيفي؟

الولايات المتحدة، في ظل إدارة ترامب ورؤية ماركو روبيو، لا تريد إدارة أزمة في سوريا، بل تريد إدارة حل استراتيجي.

إنهاء المسمى ليس تراجعاً، بل ترقية للملف: عندما يُلغى منصب المبعوث الخاص، ويُكلف باراك (وهو سفير في تركيا) بملفي سوريا والعراق معاً، فهذا يعني أن واشنطن لم تعد تنظر لسوريا كدولة مارقة تحتاج مبعوث أزمات، بل تنظر للساحة الممتدة من تركيا مروراً بسوريا وحتى العراق كنسق جيوسياسي واحد.

فباراك يريد تحويل سوريا من ساحة نفوذ إيرانية روسية إلى عقدة توازن حليفة ضمن المنظومة التي تشمل تركيا والخليج. وعلى هذا يمكن تفسير الهدية الثمينة من ترامب للشرع، فهي رسالة دعم وتثبيت، تعني: نحن ندعم شرعيتك الجديدة طالما أنك تلعب ضمن قواعدنا لإعادة هندسة المنطقة.

وهذا الأمر يمكن اعتباره هدفًا أمريكيًا، بصرف النظر عن هدف الشرع، والمراحل التدريجية التي يحاول بها تثبيت نظامه، وإعادة تموضعه في المنطقة.

ثانيا، كيف نفهم هذه التحركات المتسارعة في كل من السعودية، الإمارات، تركيا؟

في نظرية المُركّب الأمني، الفراغ يُملأ فوراً. فالدول الإقليمية تدرك أن سوريا تخرج الآن من مرحلة الحرب الأهلية إلى مرحلة بناء الدولة الإقليمية.

فالتحرك السعودي والإماراتي والتركي ليس صدفة. هناك إدراك بأن دمج نظام الشرع في الحضن العربي بمظلة أمنية تركية هو الطريقة الوحيدة لمنع تشكل أي فراغ قد تستغله تنظيمات أخرى أو تحاول إيران العودة من خلاله.

وهنا السعي لاستقرار الوضع في سوريا لم يعد رفاهية؛ فأمن البحر الأحمر مهدد، وخطوط التجارة تبحث عن مسارات برية آمنة، بعد أن أصبح مضيق هرمز شبه مغلق نتيجة الحرب الأمريكية الإيرانية. فسوريا المستقرة هي الممر البري الأهم لربط الخليج بتركيا فأوروبا.

ثالثا، التناقض بين اللقاء مع حزب الله وكشف الخلية، والقلق الصهيوني

هنا تبرز براعة الرسائل المزدوجة في التعامل السياسي:

فرسالة الشرع العملية، بالكشف عن خلية حزب الله، عقب اللقاء الذي رعته المخابرات التركية، كان على الأرجح لإبلاغ حزب الله بقواعد الاشتباك الجديدة أو لإنذارهم، وليس للتحالف معهم. فالإعلان عن كشف خلية للحزب في اليوم التالي هو رسالة، يقدمها الشرع لأمريكا والخليج مفادها: أنا قادر وحازم في قطع أذرع المحور الإيراني في سوريا.

أما لماذا ترتعد الدولة الصهيونية من النظام السوري الجديد كما تنقل صحيفة معاريف عن مسئولين صهاينة؟

فمن منظور صهيوني واقعي، فإن النظام السابق المنهك والتابع لإيران كان أفضل من نظام جديد يقوده الشرع. فالكيان لا يخشى المليشيات الفوضوية بقدر ما يخشى الجيوش النظامية ذات العقيدة الأيديولوجية والمدعومة من قوى إقليمية وازنة كتركيا. الكيان الصهيوني يدرك أن سوريا القوية والمستقرة والسُنية، حتى لو حاربت حزب الله اليوم، ستشكل تهديداً استراتيجياً وجودياً للدولة الصهيونية على المدى الطويل، لأنها ستكون جزءاً من جبهة متماسكة لا يمكن اختراقها بسهولة.

الخيط الناظم للمشهد

إذا أردنا جمع كل هذه التطورات في سياق واحد متناسق، خاصة أن المنطقة تخضع لعملية هندسة عكسية لما تم بناؤه خلال العقدين الماضيين.

فالخيط الناظم هو: "استراتيجية فك الارتباط الاستراتيجي وإعادة التموضع".

ويعني فك الارتباط، انتزاع سوريا بالكامل من محور التمدد الإيراني، وتفكيك أي بنية تحتية لحزب الله أو المليشيات داخلها بقرار سوري، ورعاية تركية، وتشجيع أمريكي.

أما إعادة التموضع فتعني، جعل سوريا كحجر زاوية في تحالف جديد (دبلوماسي، أمني، اقتصادي) يضم الخليج وتركيا برعاية إدارة ترامب.

ويأمل الجانب الآخر في هذا المخطط، (تركيا والخليج) عزل إيران شرقاً، وتحجيم التمدد الصهيوني غرباً عبر إيجاد دولة سورية قوية عصية على الاختراق الصهيوني المعتاد، وهو ما يفسر الرعب في تل أبيب والتفاؤل الحذر لدى دول المنطقة.

خلاصة القول: تصريح توماس باراك لم يكن زلة لسان، بل هو عنوان المرحلة القادمة. سوريا لم تعد مجرد ملف أزمة، بل يتم العمل لتكون نقطة الارتكاز التي سيبنى عليها الهيكل الأمني والاقتصادي الجديد للشرق الأوسط، بصرف النظر عن أهداف النظم والدول التي يتشكل منها هذا الهيكل.

أعلى