خلف وجه الفيلسوف البراغماتي، يختبئ لاريجاني "القمعي" الذي لم يتوانَ عن استخدام أقسى الوسائل للحفاظ على هيبة النظام، فبينما كان يكتب عن الحكمة والتعقل في الحكم، كان هو المهندس الحقيقي وراء سحق الاحتجاجات الشعبية
يُمثّل
علي لاريجاني في بنية النظام الإيراني حالة استثنائية تتجاوز كونه مجرد مسؤول
تكنوقراط أو قيادي أمني، بل هو العقل التنظيري الذي حاول طوال أربعة عقود سد الفجوة
بين الفلسفة وقسوة الممارسة الأمنية في إطار مشروع ولاية الفقيه، تأتي أهمية
لاريجاني من كونه خيط المسبحة الذي يربط بين نخب الحوزة الدينية، وقيادات الحرس
الثوري، ودهاليز الدبلوماسية الدولية، مما جعله في لحظات الحرب والاضطراب هو الرجل
الأقوى الذي استُدعِي لترميم التصدعات القيادية عقب غياب المرشد، إن قراءة مسيرة
لاريجاني، خاصة في ظل أنباء مقتله إثر الاستهداف الإسرائيلي الأخير، ليست مجرد سرد
لسيرة ذاتية، بل هي تشريح لآلية عمل الدولة العميقة في إيران، وكيفية توظيف المنطق
الفلسفي لشرعنة التمدد الإقليمي والقمع الداخلي، وضمان ديمومة النظام أمام أعنف
العواصف الوجودية التي واجهته منذ ثورة 1979.
الجذور
والنخبوية الدينية
وُلِدَ علي لاريجاني عام
1958 في مدينة النجف العراقية، مهد الحوزة العلمية، لأسرة ذات نفوذ في مفاصل الدولة
الإيرانية، والده هو آية الله ميرزا هاشم آملي، المرجع الديني المرموق، وصهره هو
المفكر الثوري مرتضى مطهري، مما منحه شرعية مزدوجة تجمع بين النخبوية الدينية
والولاء الثوري المطلق، هذا الانتماء الطبقي داخل النظام مكّنه من الصعود السريع،
حيث لم يكن يُنظر إليه كفرد، بل كممثل لتيار يجمع بين ثروة العائلة ونفوذ المؤسسة
الدينية التي تُدير شؤون البلاد.
لم يكتفِ لاريجاني
بالتحصيل الديني التقليدي، بل سلك مساراً أكاديمياً حديثاً، حيث تخرج في علوم
الحاسوب والرياضيات من جامعة شريف التقنية، قبل أن يغوص في أعماق الفلسفة الغربية
بجامعة طهران. كان لاريجاني يرى في الرياضيات لغةً لليقين، وفي الفلسفة أداةً
للمناورة، وهو ما انعكس لاحقاً في أسلوبه السياسي الذي يمزج بين دقة الحسابات
العسكرية وبرود التحليل المنطقي. هذا التكوين جعل منه شخصية قادرة على مخاطبة
الأكاديميين بلغة الفلسفة الأكاديمية ومخاطبة البسيج بلغة الثورة والنضال، مما منحه
تفوقاً نوعياً على أقرانه من رجال الدين التقليديين.
إن زواجه من ابنة مطهري لم
يكن مجرد رابط عائلي، بل كان تحالفاً فكرياً وضعه في قلب الدائرة الضيقة لصناعة
القرار منذ ريعان شبابه، لقد أدرك لاريجاني مبكراً أن البقاء في قمة السلطة في
إيران يتطلب التمركز عند تقاطع طرق المصالح: الحوزة، والعسكر، والمال. ومن هنا، بدأ
مسيرته في الحرس الثوري في أوائل الثمانينيات، ليضمن لنفسه موطئ قدم في المؤسسة
الأكثر تأثيراً، منتقلاً بين الرتب والمهام الثقافية بعقلية المهندس الذي يبني هيكل
الدولة وفق مقاسات أيديولوجية صارمة.
الفلسفة في خدمة
السلطة
يُعد لاريجاني فيلسوف
النظام بامتياز، حيث ركزت أبحاثه لنيل الدكتوراه على أفكار إيمانويل كانط، وهو
اختيار يحمل دلالات عميقة في سياق الفكر السياسي الإيراني. لقد حاول لاريجاني توظيف
المنطق الكانطي والبديهيات الرياضية لتبرير بنية نظام ولاية الفقيه، معتبراً أن
الحقيقة المطلقة يمكن الوصول إليها عبر العقل الجمعي المرتبط بالمرجع الديني. هذا
التوظيف الأيديولوجي للفلسفة الغربية كان يهدف إلى تقديم الإسلام السياسي كبديل
حضاري متماسك قادر على مواجهة الحداثة بأدواتها ذاتها.
في مؤلفاته الستة حول كانط
والفلسفة السياسية، يجادل لاريجاني بأن الروح الجماعية للأمة لها هوية مستقلة تسمو
فوق حقوق الأفراد، وهو تنظير فلسفي صريح لشرعنة قمع المعارضة وحصر الحريات في إطار
الفداء والازدهار"وفق معايير نظام ولاية الفقيه، ويرى لاريجاني أن العلم والدين
يمكن أن يتعايشا طالما التزم كل منهما بمجاله، لكنه في الواقع جعل العلم تابعاً
لمتطلبات الدولة الأمنية والسياسية، هذا العقل البارد هو الذي جعل منه المنظر
الاستراتيجي الذي يغلف القبضة الحديدية للنظام بلغة عقلانية تخدع المراقب الغربي
أحياناً.
تجلت خطورة هذا النهج في
إدارته لهيئة الإذاعة والتلفزيون لعشر سنوات، حيث حول الإعلام إلى مختبر فلسفي
لتشكيل الوعي الجمعي بما يخدم الثورة، لم يكن مجرد مراقب، بل كان مهندس الهوية الذي
استخدم البرامج التلفزيونية مثل "هويت" لتشويه المثقفين الإصلاحيين ومحاكمتهم
فكرياً قبل أمنياً. بالنسبة للاريجاني، الفن والإعلام أدوات لاكتشاف الحقيقة التي
يحددها النظام، وأي خروج عن هذا المسار هو تدهور اجتماعي يجب كبحه باسم الحرية
الروحية، وهو ما يفسر قسوته في الرقابة خلال توليه وزارة الثقافة.
هندسة
التوازنات النووية
انتقل لاريجاني من التنظير
الفلسفي إلى مواجهة الواقع الدولي عندما تولى أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي
وقيادة المفاوضات النووية عام 2005، تميزت إدارته للملف النووي بما يمكن وصفه بـ
"البراغماتية المتشددة"؛ فهو الذي رسخ مبدأ أن القدرة النووية "اختراع لا يمكن
سلبه"، محولاً التكنولوجيا إلى جزء من السيادة الوطنية والكرامة الثورية، ورغم
استقالته لاحقاً بسبب صدامه مع مراهقات أحمدي نجاد السياسية، إلا أنه ظل العقل
المرجعي الذي يوجه بوصلة البرنامج النووي من خلف الستار.
لعب لاريجاني دور هام داخل
البرلمان لضمان تمرير الاتفاق النووي عام 2015، متجاوزاً حقول الألغام التي نصبها
المتشددون. وببراعة الفيلسوف ومكر السياسي، استطاع إقناع المؤسسة العسكرية بأن
الاتفاق هو تراجع تكتيكي لضمان بقاء النظام وتخفيف الخناق الاقتصادي، دون المساس
بالبنية الأساسية للمشروع، لم يكن لاريجاني يوماً مؤمناً بالانفتاح على الغرب
لذاته، بل كان يراه ضرورة وجودية محكومة بقواعد الاشتباك الصارمة التي تضمن بقاء
إيران كقوة إقليمية مهيمنة.
مع عودته إلى أمانة مجلس
الأمن القومي في عام 2025، انقلب لاريجاني على مساره المعتدل المزعوم، معلناً إلغاء
التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، هذا التحول يعكس رؤيته العميقة بأن
الاتفاقيات الدولية ليست سوى أدوات وظيفية تنتهي صلاحيتها بانتهاء الحاجة إليها،
لقد أثبت لاريجاني أنه ليس "حمامة سلام"، بل هو "صقر براغماتي" يعرف متى ينحني
للعاصفة ومتى يطلق الصواريخ لتعزيز شروط التفاوض، وهو ما جعله الشخصية الأكثر
موثوقية لدى المرشد في إدارة حافة الهاوية النووية.
إدارة حرب
الوجود
عندما اندلعت الحرب
المباشرة الحالية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، استعاد النظام وجود لاريجاني في
لحظة فارقة، ومع اغتيال المرشد علي خامنئي في بدايات الحرب، برز لاريجاني كقائد
فعلي يدير المرحلة الانتقالية، موظفاً خبرته في الربط بين المؤسسات العسكرية
والسياسية لمنع انهيار الدولة. كان هو الوجه الذي يطل على الإيرانيين ليمنحهم
ثباتاً فلسفياً وسط دوي الانفجارات، مؤكداً أن خطط القيادة مرتبة وفق الدستور ولا
تتأثر بموت الأفراد.
تجلت عقيدة لاريجاني
القتالية في تحويل إيران من الدفاع إلى الهجوم المباشر، حيث أشرف على التنسيق مع
الحرس الثوري لشن ضربات صاروخية واسعة النطاق. لم يكن يرى في الحرب مجرد صراع
عسكري، بل معركة وجود واختبار لصمود الأمة الإيرانية أمام من يصفهم بـ "المضطهدين
الدوليين". وفي الوقت الذي كان يطلق فيه الوعيد بحرق قلوب الأعداء، كان يدير قنوات
خلفية مع موسكو وبكين لضمان تدفق الدعم الاستراتيجي، مما يجعله مهندس التحالفات في
زمن الحرب.
قمع الداخل
والشرعية
خلف وجه الفيلسوف
البراغماتي، يختبئ لاريجاني "القمعي" الذي لم يتوانَ عن استخدام أقسى الوسائل
للحفاظ على هيبة النظام، فبينما كان يكتب عن الحكمة والتعقل في الحكم، كان هو
المهندس الحقيقي وراء سحق الاحتجاجات الشعبية في أواخر عام 2024 ومطلع 2025، والتي
خلفت آلاف القتلى والمعتقلين. فبالنسبة له، استقرار النظام هي الحقيقة العليا التي
تبرر التضحية بأي عدد من الأفراد، واصفاً المتظاهرين بـ "الإرهابيين" المرتبطين
بالخارج.
هذا التناقض بين المنطق
والبطش هو جوهر شخصية لاريجاني؛ فهو يرى أن الديمقراطية والحرية يجب أن تُمارس فقط
داخل الإطار الذي يقود لرفاهية الأمة كما يراها الفقيه، لقد شرعن شرطة الفكر عبر
حجج فلسفية تدعي أن أي فكر يفتقر للتماسك المنطقي أو يؤدي لتدهور اجتماعي لا يستحق
الحرية. هذه الرؤية حولت الدولة إلى سجن فلسفي كبير، حيث يتم إقصاء المخالفين ليس
فقط لأنهم أعداء سياسيون، بل لأنهم غير منطقيين وفق معايير النظام.
يمكن رصد ازدواجية
لاريجاني في تعرضه هو نفسه للتهميش والإقصاء من قبل الجناح الأكثر راديكالية، حيث
استُبعد من الترشح للرئاسة مراراً بدعوى عدم التديّن الكافي، ورغم ذلك، لم يخرج عن
عباءة النظام، بل ظل يدافع عن هيكليته، معتبراً أن الحضارة الغربية موجهة نحو اللذة
بينما مشروعه موجه نحو الحقيقة. هذا الولاء المطلق رغم الإهانة السياسية يكشف عن
شخصية ترى في البقاء داخل حصن السلطة، حتى كمهمش، أفضل من الخروج إلى فضاء المعارضة
الضائع.
مآلات غياب
المُنظّـر
يمثل مقتل علي لاريجاني
نهاية حقبة العقول الاستراتيجية التي منحت النظام الإيراني طوال عقود قدرة فائقة
على المناورة والالتفاف؛ فخسارته تعد ضربة موجعة لبنية صناعة القرار تتجاوز في
أثرها غياب القيادات الميدانية العسكرية، لقد كان لاريجاني المترجم السياسي الوحيد
القادر على إعادة صياغة تطلعات الحرس الثوري الصدامية وتحويلها إلى استراتيجيات
دبلوماسية قابلة للتداول في الأروقة الدولية، وبغيابه اليوم، تفقد طهران هذا الوسيط
الاستراتيجي، مما يرشحها للانزلاق نحو راديكالية عسكرية مطلقة تفتقر لحنكته
المعهودة في إدارة الأزمات واحتواء الضغوط الخارجية.
لقد رحل لاريجاني تاركاً
النظام الإيراني في مواجهة مكشوفة مع أزماته الوجودية، بعد مسيرة طويلة سخر فيها
مهاراته الأكاديمية وخبراته الأمنية لشرعنة قبضة السلطة وضمان بقائها تحت ستار من
البراغماتية المتشددة، إن هذا الفراغ القيادي يضع مؤسسات الحكم في طهران أمام
اختبار حقيقي، حيث لم تعد القوة الصاروخية وحدها كافية لتعويض فقدان الشخصية
المحورية التي أدارت أعقد الملفات، من البرنامج النووي إلى التحالفات مع القوى
الكبرى. لقد فقدت طهران عقلها المدبّر في اللحظة الأكثر حرجاً، ليبقى النظام في
مواجهة مصيره أمام تحولات إقليمية ودولية كبرى لم تعد تجدي معها لغة المناورات
التقليدية التي أتقنها لاريجاني.