• - الموافق2026/01/25م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
رفعت الأسد.. جزار حماة وصاحب السيرة المثقلة بالدم

بين سطور التاريخ السوري المعاصر، يبرز اسم رفعت الأسد كظل ثقيل، رجلٌ جمع بين دهاليز السلطة وأقبية الرعب، وصاغ بفصول حياته واحدة من أكثر سير العنف في التاريخ الحديث.


لم تكن وفاة رفعت الأسد مجرد خبر عن رحيل شخص من زمرة النظام السوري البائد، بل نهاية فصل طويل من العنف الممنهج في تاريخ سوريا الحديث، فصل امتد تأثيره على السياسة والمجتمع والذاكرة الجماعية. فالرجل الذي عُرِفَ بلقب "جزار حماة" بعد قيادته للمجزرة التي وقعت في عام 1982، والذي صعد إلى ذروة النفوذ الأمني داخل النظام، عاش عقودًا طويلة خارج السلطة، متنقلاً بين المنفى الأوروبي والملاحقات القضائية، بعيدًا عن مركز القرار، لكنه في نفس الوقت ظل رمزًا حيًا للسطوة والقمع، وتجسيدًا لأوجه الإفلات من العدالة. رحيله اليوم يفتح المجال أمام إعادة قراءة العلاقة بين السلطة والعنف في تاريخ سوريا، وبين العائلة والدولة، وبين الجرائم المنسية والذاكرة الجريحة، ليبقى السؤال الأساسي: هل تنتهي السيرة المثقلة بالدم مع موت صاحبها، أم أن العدالة المؤجلة ستظل حلمًا غير مكتمل؟

صعود الدم

وُلِدَ رفعت علي سليمان الأسد عام 1937 في قرية القرداحة بمحافظة اللاذقية، ضمن بيئة ريفية فقيرة ستشكّل لاحقًا أحد مفاتيح فهم صعود العائلة إلى السلطة. التحق مبكرًا بالمؤسسة العسكرية، مستفيدًا من التحولات التي شهدها الجيش السوري بعد الاستقلال، ثم من صعود حزب البعث وانقلابه على الدولة التقليدية. ومع انقلاب تشرين الثاني (نوفمبر) 1970، الذي أوصل حافظ الأسد إلى الحكم، لم يكن رفعت مجرد شقيق الرئيس، بل أحد أعمدة النظام الجديد، وقد جرى إدماجه سريعًا في قلب البنية الأمنية بوصفه ضامنها الأكثر صلابة. حصل على رتبة لواء، وتدرّج في مواقع النفوذ لا عبر المسار العسكري التقليدي، بل عبر موقعه في معادلة الحكم العائلية الأمنية.

في هذا السياق، أُنشِئَت "سرايا الدفاع" مطلع السبعينيات كقوة عسكرية خاصة، تتبع رسميًا للجيش السوري، لكنها عمليًا كانت تشكيلًا مستقلًا عن هيئة الأركان ووزارة الدفاع. ضمّت السرايا ما بين 25 و40 ألف عنصر في ذروة قوتها، وتمتعت بتسليح ثقيل شمل دبابات ومدفعية ووحدات صاروخية، إضافة إلى ميزانية مفتوحة وصلاحيات استثنائية. لم تكن السرايا وحدة نخبوية فحسب، بل أداة حكم قائمة بذاتها، ذات ولاء شخصي مباشر لرفعت الأسد، تُستخدم في الداخل لا على الجبهات، وتُستدعى حصريًا في الأزمات التي يرى النظام أنها تهديد وجودي. بهذا المعنى، شكّلت سرايا الدفاع العمود الفقري للعنف المنظم خارج أي مساءلة مؤسسية.

 

لم تبقَ حماة مجرد حدث تاريخي، بل صارت رمزًا لعلاقة مختلّة بين الدولة والمجتمع، واقترن اسم رفعت الأسد بها لا باعتباره شاهدًا على المأساة، بل بوصفه أحد مهندسيها، وعنوانًا لمرحلة جرى فيها تثبيت الحكم بالسلاح والدم.

خلال السبعينيات، ترسّخ موقع رفعت الأسد بوصفه رجل الحل الأمني النهائي. لم يُعرَف عنه أي دور سياسي أو فكري، بل بقدرته على تنفيذ ما يتجنّبه الآخرون. شاركت قواته في قمع اضطرابات داخلية متفرقة، وفرضت حضورها في دمشق والمدن الكبرى، ما جعل اسمه مقترنًا بالرهبة لا بالإدارة. هذا الصعود لم يكن نتيجة كفاءة عسكرية بقدر ما كان تعبيرًا عن قناعة راسخة داخل النظام بأن بقاء السلطة يقتضي ذراعًا لا تتردّد في استخدام القوة القصوى. وهكذا، تحوّل رفعت من ضابط صاعد إلى رمز للعنف المؤسسي، ومن أداة في يد السلطة إلى أحد مراكز ثقلها، ممهدًا الطريق للدور الذي سيبلغ ذروته لاحقًا في حماة.

مجزرة حماة

في شباط (فبراير) 1982، شهدت مدينة حماة واحدة من أعنف المجازر في تاريخ سوريا الحديث، حين قرر النظام حسم المواجهة مع جماعة الإخوان المسلمين عبر القوة العسكرية الشاملة. لم يكن القرار وليد لحظة أمنية طارئة، بل تتويجًا لمسار تصاعدي من الصدام بين السلطة والحركة الإسلامية، اتخذ طابعًا دمويًا منذ أواخر السبعينيات. غير أن ما جرى في حماة تجاوز منطق مكافحة تمرّد، ليتحوّل إلى عملية عقاب جماعي استهدفت مدينة كاملة، بوصفها حاضنة محتملة للمعارضة.

استمرت الحملة قرابة ثلاثة أسابيع، وشملت حصارًا كاملًا للمدينة، وقصفًا مدفعيًا مكثفًا طال أحياء سكنية بكاملها، واقتحامات برية نفذتها وحدات من الجيش وسرايا الدفاع. وتفاوتت تقديرات الضحايا بين عشرة آلاف وأربعين ألف قتيل، وفق مصادر وشهادات لاحقة، فضلًا عن تدمير أحياء تاريخية واسعة، وتهجير آلاف السكان، واعتقال أعداد كبيرة اختفى كثير منهم قسرًا. لم يكن العنف هنا أداة ظرفية، بل رسالة سياسية صريحة مفادها أن الدولة مستعدة لاستخدام أقصى درجات القوة من أجل تثبيت سلطتها، حتى لو تطلّب الأمر محو مدينة من المعادلة.

في قلب هذه العملية، برز رفعت الأسد بوصفه الفاعل التنفيذي الأبرز. فقيادته لسرايا الدفاع، جعلته الطرف القادر على تنفيذ هذا الخيار الدموي من دون تردد. لم يكن دوره ميدانيًا فحسب، بل سياسيًا بامتياز، إذ جسّد نموذج الحل الأمني الشامل الذي حسم النقاش داخل النظام لمصلحة القوة، وأسّس لمرحلة جديدة من الحكم قوامها إخضاع المجتمع عبر الصدمة والرعب، لا عبر الاحتواء أو السياسة.

ومنذ ذلك الحين، تحوّلت مجزرة حماة إلى مرجع ثابت في عقل السلطة السورية. فغياب أي تحقيق رسمي، أو مساءلة داخلية، أو اعتراف بحجم الجريمة، جعلها سابقة مؤسِّسة لعنف لاحق، استُعيدت منطقته وأساليبه بعد عام 2011 على نطاق أوسع. ولهذا، لم تبقَ حماة مجرد حدث تاريخي، بل صارت رمزًا لعلاقة مختلّة بين الدولة والمجتمع، واقترن اسم رفعت الأسد بها لا باعتباره شاهدًا على المأساة، بل بوصفه أحد مهندسيها، وعنوانًا لمرحلة جرى فيها تثبيت الحكم بالسلاح والدم.

ذروة النفوذ

بعد مجزرة حماة، بلغ نفوذ رفعت الأسد ذروته داخل بنية الحكم، وتحول إلى أحد أعمدة التوازن الداخلي في النظام. فقد أصبح رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه، إلى درجة أن كبار المسؤولين توجّهوا إليه خلال مرض حافظ الأسد مطلع الثمانينيات، خوفًا من فراغ في السلطة أو اختلال المعادلة الأمنية. وتُوّج هذا الموقع بتعيينه نائبًا لرئيس الجمهورية، في إشارة سياسية صريحة إلى حضوره في معادلة الخلافة المحتملة، وإلى دوره بوصفه ضامنًا للقوة الصلبة التي يقوم عليها النظام.

غير أن هذه الذروة كانت تحمل في داخلها عناصر الصدام. فرفعت الأسد، المسنود بقوة عسكرية شبه مستقلة ممثلة في سرايا الدفاع، لم يعد يتصرّف بوصفه تابعًا في هرم السلطة، بل كشريك يطالب بحصته ونفوذه. ومع تدهور صحة حافظ الأسد، خرج التنافس من نطاقه المكتوم، وظهر إلى العلن عبر استعراضات للقوة داخل دمشق، ومحاولات للسيطرة على مفاصل استراتيجية، في مشهد كشف هشاشة التوازنات التي حكمت العلاقة بين الشقيقين.

في تلك اللحظة، ظهرت الحدود الفعلية للقوة داخل نظام يقوم على شبكة ولاءات دقيقة لا على القوة العسكرية وحدها. فرغم مرضه، تمكن حافظ الأسد من استعادة زمام المبادرة، مستندًا إلى دعم أوسع داخل الجيش والحزب وأجهزة الدولة، ليُحاصر شقيقه سياسيًا ويُجرّده من أدواته. انتهت المواجهة من دون انفجار شامل، لكنها أسفرت عن إقصاء رفعت الأسد من مركز القرار، وإخراجه من المشهد السياسي المباشر في عام 1984 بنفيه إلى الخارج، إيذانًا ببدء مرحلة جديدة عنوانها المنفى لا النفوذ.

المنفى والملاذ المؤقت

لم يكن خروج رفعت الأسد إلى المنفى نهاية لمسيرته، بل انتقالًا من مركز السلطة إلى فضاء مختلف حاول فيه إعادة تعريف نفسه. ففي أوروبا، نسج صورة جديدة لرجل أعمال نافذ، يمتلك شبكة واسعة من العقارات والاستثمارات، ويعيش في محيط أمني مغلق يعكس استمرار ذهنيته السلطوية. غير أن هذا التحوّل لم يُخفِ الأسئلة الثقيلة حول مصادر ثروته، التي بدت ـ في نظر كثيرين ـ امتدادًا مباشرًا لسنوات النفوذ والقوة غير الخاضعة لأي رقابة.

في هذا المنفى، لم ينقطع رفعت الأسد عن السياسة بقدر ما غيّر أدواته. فقد ظل حاضرًا في كل محطة مفصلية من تاريخ سوريا الحديث، من مرحلة ما بعد وفاة حافظ الأسد عام 2000، إلى اندلاع الاحتجاجات عام 2011، حيث سعى إلى تقديم نفسه من الخارج بوصفه خيارًا بديلًا أو صاحب رؤية إصلاحية. إلا أن هذه المحاولات افتقرت إلى أي مراجعة نقدية لدوره في ترسيخ العنف، ما جعل خطابه أقرب إلى إعادة تدوير الماضي منه إلى قراءة جديدة للمأساة السورية.

بالتوازي، بدأ القضاء الأوروبي يقترب منه ببطء، فالقضايا المتعلقة بالمكاسب غير المشروعة في فرنسا، والتحقيقات في سويسرا بشأن الاشتباه بارتكاب جرائم حرب، أعادت تسليط الضوء على منفاه بوصفه مساحة اختباء مؤقتة لا ملاذًا دائمًا. ومع صدور الأحكام ومذكرات التوقيف بحقه، تآكلت الصورة التي حاول ترسيخها، وتحول رفعت الأسد من منفي سياسي سابق إلى متهم دولي، يطارده تاريخ لم يعد من الممكن عزله عن الحاضر.

عدالة مؤجلة

تُجسّد سيرة رفعت الأسد واحدة من أكثر حالات الإفلات من العقاب فجاجة في تاريخ المنطقة الحديثة. فعلى الرغم من جسامة الجرائم المنسوبة إليه، وعلى رأسها دوره المركزي في مجزرة حماة، لم يمثل الرجل يومًا أمام محكمة جنائية مختصة. وحتى حين اقترب المسار القضائي في سويسرا من لحظة الفصل، سمحت الذرائع الصحية والسياسية بخروجه من أوروبا وعودته إلى سوريا عام 2021، في خطوة أحاطها الغموض بشأن طبيعة التفاهم الذي أُبرم مع نظام بشار الأسد، وحدود الحماية التي وفّرتها له الدولة السورية، ليغلق بذلك عمليًا أحد أهم مسارات مساءلته القضائية خارج البلاد.

غياب العدالة في قضية رفعت الأسد لا يُختزل في مصير شخص واحد، بل يعكس نمطًا متكرّرًا في تاريخ العنف السياسي السوري، حيث يموت الفاعلون الأساسيون خارج قاعة المحكمة، فيما تبقى الضحايا حاضرة في الذاكرة من دون إنصاف أو اعتراف رسمي. هكذا، لا تتحول الجرائم إلى وقائع مُدانة، بل إلى مجرد أحداث قابلة للتأجيل والنسيان. ويمكن قراءة تفاعل السوريين مع خبر وفاته، بين الشماتة الصامتة والحزن الغاضب، بشكلٍ يعكس هذه المفارقة. فالكثيرون لم ينتظروا موته بقدر ما انتظروا محاكمته. وحين جاءت النهاية بلا قصاص، بدت كأنها تذكير قاسٍ بأن العدالة في السياق السوري ما تزال مؤجلة.

برحيل رفعت الأسد، يُطوى فصل شخصي من تاريخ العنف في سوريا، من دون أن تُطوى أسئلته الأساسية. فموته لا يُنهي النقاش حول مسؤوليته، ولا يُخفف من ثقل المجزرة التي ارتبط اسمه بها، بل يعيد نقاشًا مفتوحًا على سؤال لا يشيخ: كيف يمكن لمجتمع أن يتجاوز ماضيه، فيما لم يُحاسَب صانعو ذلك الماضي؟

أعلى