هل ينجح السودان في تحويل تفوقه العسكري على الدعم السريع إلى استقرار دائم، أم تعيد الضغوط الخارجية والانقسامات الداخلية إنتاج أخطاء الماضي، فتبدد مكاسب الجيش وتفتح الباب أمام أزمات جديدة تهدد وحدة الدولة ومستقبلها السياسي والاجتماعي؟
• انتصارات الجيش السوداني متواصلة لأكثر من عام.. وميليشيا الدعم تتراجع
وتتفكك.
•
أمريكا حاولت حظر الطيران السوداني وفرض هدنة لإعادة الحياة للدعم.. وأعلنت مؤخرًا
عدم الاعتراف بحكومة البرهان!
•
كيف استفاد السودان من توجُّه دول الإقليم لإعادة الاعتبار لـ«الدولة» على حساب
«الميليشيات»؟
•
جرائم ميليشيات الدعم هيَّأت الأجواء لالتفاف الشعب خلف الحكم والجيش.
•
السودان يواجه تحديات خطرة ما بعد تلاشي قوة الدعم السريع.
يعيش السودان حالةً مشابهةً لتلك التي عاشها عام 2005 خلال حُكم الرئيس السابق عمر
البشير. وقتها كان السودان قاب قوسين أو أدنى من إعلان هزيمة وانتهاء تمرد الجنوب
-الذي بات متراجعًا إلى الكرمك على الحدود مع إثيوبيا-؛ فتدخّلت الولايات المتحدة،
ومارست جميع أنواع الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية، حتى رضخ الحكم، ووافق
على الدخول في مفاوضات مع متمردي الجنوب المهزومين.
وقادت الولايات المتحدة وبريطانيا المفاوضات في نيفاشا، وانتهت إلى إقرار الحكم
الذاتي للجنوب، وإجراء استفتاء لتقرير المصير في عام 2011، لينتهي الأمر إلى تقسيم
الجغرافيا السودانية وظهور دولة جنوب السودان بقيادة الحركة الشعبية لتحرير
السودان.
وقتها ساد تصوُّر لدى أروقة الحكم في السودان بأن انفصال جنوب السودان يُمثّل نهاية
لمشكلات الحرب التي استنزفت السودان منذ أغسطس 1955، ويفتح الطريق لازدهار البلاد.
فكان أن تفجَّرت معارك التمرد في دارفور غرب السودان، وتواصلت التوترات، وتعزّزت
الانقسامات، ووصلت إلى العاصمة الخرطوم، وانتهى الأمر إلى الإطاحة بحكم «البشير»،
ووقوع انقلاب ميليشيات الدعم السريع.
الآن، وقد اقترب البرهان من تحقيق الانتصار النهائي في معركة إنهاء ميليشيات الدعم
السريع -التي باتت أقرب إلى التفكّك والانحسار في دارفور-؛ تعود الولايات المتحدة
إلى لُعبة الضغط على حكومة الخرطوم، وتكرار نفس ما فعلته في جنوب السودان.
لقد ضغطت الولايات المتحدة لحظر الطيران، وقت أن لم يكن لدى الجيش السوداني سوى هذا
السلاح لهزيمة التمرد الذي كان مسيطرًا على العاصمة الخرطوم، ثم تحوَّلت إلى محاولة
إجبار حكومة البرهان على عقد هدنة بعد نجاح الجيش السوداني في تحرير العاصمة،
مستهدفةً اقتطاع وقت لإعادة ترميم قوة ميليشيا الدعم السريع، والدخول في مفاوضات
على أساس مساواة الحكم والجيش الشرعي بالمتمردين، وتحوَّلت في الفترة الأخيرة -التي
شهدت تحقيق الجيش السوداني لانتصارات كبرى- للضغط بورقة سحب الاعتراف بحكومة
البرهان؛ تمهيدًا للدخول في تفاوض يتساوى فيه الحكم الشرعي مع المتمردين، ويتكرر ما
حدث في جنوب السودان في دارفور هذه المرة.
لقد أعلن مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، أن
لقاءاته مع رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، لا تعني اعتراف
الولايات المتحدة بحكومته. كما رفضت الولايات المتحدة مَنْح تأشيرة دخول للفريق
البرهان لتمثيل السودان في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وهكذا، تضغط
الولايات المتحدة بورقة سَحْب الاعتراف بالحكم في السودان، للوصول إلى اعتراف
بالمتمردين.
فهل يُكرّر البرهان خطأ البشير؟
وكيف تمكّن الحكم والجيش السوداني من الاقتراب من تحقيق النصر النهائي، بعد أن كان
متمردو الدعم السريع قد سيطروا على معظم مؤسسات الدولة في الخرطوم -بما فيها
التلفزيون الرسمي للدولة والمطار والجسور الرئيسية على النيل-، وحاصروا معسكرات
الجيش وكثيرًا من عواصم الولايات؟
ولِمَ نقول: إن الجيش السوداني والدولة قد حقَّقا انتصارات إستراتيجية، وإن الدعم
السريع يعيش أسوأ أوضاعه تكتيكيًّا وإستراتيجيًّا؟ وكيف استفاد الحُكم في السودان
من التغيير الحادث في الإقليم، الذي تحوَّل من إهمال السودان وتركه يواجه مصير
التفكك إلى دعم الحُكم سياسيًّا وعسكريًّا في معركة إنهاء الميليشيات؟
وكيف حملت ميليشيا الدعم عوامل تفكُّكها واضمحلالها في داخلها؟ وما هي المخاطر
والتحديات الكبرى التي يواجهها السودان الآن؟
الجيش السوداني: من الحصار إلى الحسم الإستراتيجي
جاءت الانتصارات الأخيرة للجيش السوداني في شمال كردفان والتحرُّك إلى غربها وإلى
دارفور، لتؤكد قرب تحقيق الانتصار النهائي على ميليشيات الدعم السريع.
لقد حقَّقت تلك الانتصارات تأمينًا للعاصمة، بما سمح بعودة الحكومة ومؤسسات الدولة
من شرق السودان، وبَدْء عودة اللاجئين من دول الجوار، وإصلاح المؤسسات والبنية
الأساسية، كما حقَّقت تأمينًا لطريق الصادرات الرابط بين أطراف السودان، بما سمح
بعودة النشاط الاقتصادي. كما أثَّرت على نحو حاسم على معنويات وإرادة ضباط ومقاتلي
الدعم السريع، فتصاعدت عمليات الانشقاق والانضمام للجيش السوداني، خاصةً بعد أن
استمر منحنى هبوط وتراجُع قدرة تلك الميليشيات لأكثر من عام، وإلى افتقادها القدرة
على الاستمرار في القتال المُوسّع والإمساك بالأرض والسيطرة على المدن.
وإذ سيطرت القوات المسلحة السودانية على كثير من طرق دعم تلك الميليشيات من دول
الجوار في شمال غرب السودان، واندلعت أحداث القتال في إثيوبيا التي مثَّلت داعمًا
رئيسيًّا لتلك الميليشيا ومحورًا لفتح جبهة في شرق السودان -منطقة الكرمك-؛ فقد
باتت تلك الميليشيا في وضع أقرب إلى الحصار، في المناطق الرئيسية التي تنتشر فيها
في غرب السودان؛ إذ انفتح الطريق أمام الجيش السوداني للحركة باتجاه دارفور بعد
تحرير شمال كردفان.
وتُظهر مراجعة الأوضاع الإستراتيجية منذ انقلاب الدعم السريع على الدولة والجيش
السوداني في 15 أبريل عام 2023 وحتى الآن، أن الجيش السوداني يواصل تحقيق
الانتصارات ويطرد الميليشيات بشكل متواصل من مختلف المناطق التي كانت قد سيطرت
عليها، دون انتصار واحد لتلك الميليشيات، التي بات نشاطها العسكري متمركزًا في
القصف التخريبي للمؤسسات الحكومية والبنية الأساسية.
عندما بدأ تمرّد وانقلاب الدعم السريع، تمكَّنت تلك الميليشيا من السيطرة على
المطار والتلفزيون الرسمي للدولة، ومقرات الحكم ممثلة في القصر الجمهوري ومقر مجلس
الوزراء والقيادة العامة للجيش، كما حاصر المتمردون مقرات سلاح المدرعات وسلاح
المهندسين، وأحياء جنوب الخرطوم وغربها في أم درمان، كما سيطروا على العديد من
الجسور الواصلة بين مكونات العاصمة. وكان المتمردون قد سيطروا أو حاصروا المدن
الرئيسية في ولايات غرب السودان. وتظهر الإحصاءات الرسمية، أن المتمردين قد سيطروا
وانتشروا على 70% من الجغرافيا السودانية.
وقد ظلت الأوضاع في حالة الاشتباك والحصار، إلى أن تمكَّن الجيش من تحرير الخرطوم
وإعلانها خالية من المتمردين في مايو 2025، أي بعد نحو عامين من وقوع الانقلاب.
ومنذ هذا التاريخ وحتى الآن، واصَل الجيش السوداني انتصاراته، حتى انحسرت المساحة
التي يسيطر عليها المتمردون، وباتت مُحاصَرة في دارفور وبعض المناطق في غرب كردفان،
ولم تَعُد لديهم قدرة على شنّ عمليات هجومية واسعة، إلا بالطائرات المُسيَّرة التي
كانت تتفوق في البداية على ما يمتلكه الجيش النظامي؛ إذ شنّت وتشنّ الهجمات في
المؤسسات الخدمية ومُقدّرات الدولة، وهو ما زاد من تضامن المجتمع السوداني والتفافه
حول الدولة والجيش.
لماذا تراجعت الميلشيا وتحدّد مستقبلها إستراتيجيًّا؟
لقد ساهمت مجموعة من العوامل -الداخلية والإقليمية- في تحقيق الجيش السوداني
انتصاراته، والأهم أن تغيّرت بيئة الصراع بما يجعل التقدير الغالب أن الميليشيات
ضعفت، ولن تستطيع العودة إلى ما كانت عليه سابقًا. وقد ساهمت طبيعة بنية وفكر الدعم
السريع وسلوكياته الهمجية، سواء خلال نشاطها في بداية نشأتها أو بعد احتلالها
للخرطوم، في حدوث هذا التغيير. كما كان لقدرة الجيش السوداني وقوة إرادة الحكم
دورهما بطبيعة الحال. واللافت هنا هو الدور الذي لعبه التغيير في البيئة السياسية
العربية ومواقف الدول العربية والإسلامية، التي انتقلت من إهمال السودان إلى دعم
الحكم سياسيًّا وعسكريًّا لإنهاء دور الدعم السريع، وإنقاذ السودان.
1-الدعم السريع ميليشيا للقتل لا للحكم
لقد تشكَّلت مجموعات تلك الميليشيا قوة عسكرية للقتل والقتال في صحراء السودان. وقد
مرَّت بتحوُّلات متعددة ولافتة. كانت أقرب في بدايتها إلى أعمال النهب والسلب على
أساس قبَلي، ومن هنا جاءت تسميتها بـ«الجنجويد». وتحوَّلت خلال مرحلة الصراع في
دارفور إلى ميليشيا مُموّلة من الحكومة للاشتباك مع المتمردين، حمايةً لمناطق هنا
أو هناك لتخفيف الضغط الواقع على كاهل الجيش في أقصى غرب السودان. وقد ساهم الدعم
الحكومي في توسُّع قدراتها عددًا وعُدةً، ووسَّع من طموحاتها. وحين جرى استدعاؤها
للعاصمة لمواجهة المظاهرات وأعمال التمرد -لاستمرار الجيش في أداء دوره الوطني
وإبعاده عن أدوار أمنية-؛ توسّع دَوْرها وطموحها، وباتت تلعب دورًا لفت أنظار قوى
خارجية، كانت تبحث عن طرف عسكري قادر على هزّ مكانة الجيش ودوره المركزي في وحدة
السودان، وعن قوة عسكرية قادرة على تأمين استخراج واستنزاف ثروات السودان. وهو ما
تطوَّر بعد ذلك إلى دَفْع تلك الميليشيات للسيطرة على الحكم بالقوة.
وهكذا تشكّل عقل قيادتها، وصارت تجمع بين الفكرة القبَلية وأعمال السلب والنهب
والبحث عن مُموّل، والارتباط بقوًى خارجية، كانت هي ذاتها التي تدعم المتمردين
الذين كانت تقاتلهم هي من قبلُ في دارفور. وقعت في فخّ الجهوية والقبَلية -لم
تستوعب القبائل، بل كانت عنوانًا لسطوة قبيلة على الأخريات-، ووقعت في فخّ الارتباط
بمشاريع لتفكيك السودان، ولم تتشكل كقوة سياسية، بل كقوة ميليشياوية عسكرية، فجاءت
تصرفاتها شديدة الهمجية حين قامت بالانقلاب على الجيش، الذي كان قد أمدها بمجموعة
من الضباط لتحوُّلها من ميليشيا متفلتة إلى مجموعات قادرة على التعامل مع جمهور
المواطنين، غير أنهم لم ينجحوا في تغيير سلوكيات تلك الميليشيا، واستقال أغلبهم أو
عادوا للانضمام للجيش مرة أخرى.
وهكذا كانت مشروعًا للفشل في تحقيق أهداف رعاتها الخارجيين، وساهمت في حشد السكان
خلف الحكم والجيش. وهو ما انعكس في كثرة الانشقاقات المُؤثّرة في تماسكها
واستمرارها.
2-تماسك القادة السياسيين والعسكريين:
كان لتماسك القيادة السياسية في الحُكم والقيادات العسكرية وتمتُّعها بوحدة الرؤية
والإرادة، دَوْر حاسم في تغيير الوضع الإستراتيجي، وإلحاق الهزائم بالدعم السريع
ومَن اصطفوا إلى جانبه وخلفه. وتتجلَّى وحدة الإرادة في وحدة القرار رغم حصار
البرهان داخل أحد المقرات خلال الانقلاب، ورغم سيطرة الانقلابيين على مختلف مؤسسات
القيادة، وتجلّى أكثر في اعتماد خطة عسكرية طويلة المدى للجيش، للانتقال خطوةً
بخطوة على مدار نحو عامين لتحرير القطاعات والمجموعات العسكرية المُحاصَرة وتحرير
مقرّات الحكم. وكان لافتًا أن تقرّر نقل قيادة البلاد إلى شرق السودان كعاصمة
بديلة، وهو ما تطلَّب أعمالًا لوجستية بالغة التعقيد بسبب سيطرة المتمردين الكاسحة
على الخرطوم.
وفيما لم تتمكن قيادة الدعم السريع من تشكيل تحالفات سياسية مدنية حقيقية -بحكم
نشأتها- نجحت القيادة السياسية السودانية في تشكيل تحالفات سياسية وعسكرية داخلية
-بما في ذلك استمرار تنفيذ اتفاقيات سبق إبرامها مع مجموعات عادت عن التمرد في
دارفور وكردفان-، كما تمكنت من الحفاظ على علاقاتها الخارجية وتطويرها، وهي استثمرت
في علاقاتها العربية والإسلامية، وتميزت مواقفها بالتناغم بين المرونة السياسية
ومتطلبات إنفاذ خطط الحسم العسكري، بقدر ما استثمرت في جرائم الميليشيات داخليًّا
وخارجيًّا.
3-تغييرات في المواقف العربية والإسلامية:
كان للتطورات الجارية في مواقف الدول العربية والإسلامية، دَوْر مُهِمّ في دعم
القيادة السياسية والجيش السوداني، الذي كان يعاني -والسودان تاريخيًّا- من
الإهمال، حتى إن قوات التمرد كانت تمتلك أحدث الأسلحة -وخاصة الطيران المُسيَّر-
فيما كان الجيش محرومًا من إمدادات السلاح.
لقد حدث تحوُّل في مواقف دول عربية وإسلامية وازنة ليس فقط من الدعم السريع، بل من
الجماعات الميليشياوية التي عملت كظاهرة تفكيكية للدول العربية والإسلامية، لحساب
المشروع الأمريكي الصهيوني والإيراني الذي تحرَّك لسنوات دون مواجهة، بما أضعف
الوضع العربي إلى مدى خطر. لقد لاحظ الجميع كيف تدخلت المملكة العربية السعودية
لمواجهة تمرُّد الحوثيين في اليمن، وهو ما أدَّى إلى إفشال عملية تفكيك اليمن عبر
فصل الجنوب. وكيف تدخَّلت تركيا لمواجهة ميليشيات كانت تستهدف وحدة تركيا، وكيف
تحركت لدعم الشرعية في الصومال، وكيف جرى دعم جهود الشعب السوري في مواجهة
الميليشيات الإيرانية.
وقد انعكس هذا التحول -إلى مواجهة الظاهرة الميليشياوية بدلًا من استثمارها- لمصلحة
ودَعْم الحكم في السودان سياسيًّا وعسكريًّا، بما مكَّن من دَحْر ميليشيات الدعم هي
الأخرى.
التحديات الراهنة في السودان
لم يكتمل النصر النهائي بعدُ.
وإذ يمكن القول بأن النصر أصبح محسومًا إستراتيجيًّا، وأن الدعم السريع بات يتراجع
على جميع المستويات، غير أنّ مخاطر اللحظة الأخيرة هي الأخطر في مشوار الألف ميل.
وكثيرًا ما تحقّق نصر عسكري، لكنه انقلب إلى الهزيمة أو تبديد النصر، عبر ألاعيب
السياسية والضغوط الاقتصادية والتهديد العسكري.
وإذ يُشار إلى الدور الأمريكي -والبريطاني- الذي حوَّل الانتصار إلى مفاوضات انتهت
إلى تقسيم السودان، فثمة مؤشرات على نوايا أمريكية وغربية، للتحرُّك مجددًا لتعويم
الدعم السريع، عبر الضغوط السياسية وربما عبر ضغط عسكري مباشر من أطراف خاضعة
للإرادة الأمريكية في المنطقة.
ولذا، يبدو مُهمًّا للغاية، تلك المواقف التي يُعلنها الفريق أول عبد الفتاح
البرهان، رئيس مجلس السيادة السوداني، بشأن الضغوط الأمريكية وإزاء الدول التي
تساند وتُموّل وتُسلّح الدعم السريع. تلك المواقف تُظهر تنبُّه البرهان لمخاطر تلك
المواقف ورفضًا لكل الضغوط؛ حيث اتخذ مواقف حاسمة من الدعم السريع؛ إذ أصدر قرارًا
بحلّ الدعم السريع، والعفو عمَّن يُسلِّم سلاحه، كما تحرَّكت الأجهزة القضائية في
السودان لملاحقة المتمردين، كما تحرَّكت الدولة السودانية باتجاه عقد حوار وطني
لحشد القوى السياسية والمجتمعية وعزل المتمردين. وهو ما يقطع الطريق على محاولة جعل
الدعم السريع طرفًا مساويًا وموازيًا للحكم الشرعي في البلاد.
وهو ما يتطلب أيضًا ضرورة وضع خطط لمواجهة تحديات لمرحلة ما بعد القضاء على القوة
العسكرية للدعم السريع، هي تحديات داخلية خطيرة؛ إذ المعركة سياسية واجتماعية
بالأساس.
وأول تلك التحديات، يتعلق بترميم الجراح الغائرة في المجتمع السوداني، الذي تعرَّض
لمآسٍ وأعمال استنزاف تواصلت لسنوات طوال. فالمجتمع السوداني تعرَّض لنزيفٍ ومآسٍ
خلال أحداث دارفور، وخلال أحداث العنف وصراعات الشوارع خلال الأحداث التي انتهت إلى
إقالة الرئيس السابق عمر البشير، وجاءت أحداث انقلاب الدعم السريع لتضيف خسائر
ومآسي بالغة الخطر، وأعمال تدمير للحواضن المدنية والمؤسسات، بما أدَّى إلى أعمال
لجوء ونزوح كبرى.
ولا يخفى على الجميع أهمية مواجهة نتائج التحيُّزات الجهوية والقبلية التي أنتجت
ظاهرة الدعم السريع، وما نتج عن الاحتراب الأهلي، الذي جرى على امتداد السودان كله
خلال تلك الحرب.
وإذ بدا مجلس السيادة برئاسة البرهان أعمال الحوار الوطني لإعادة ترميم العلاقات
بين القوى السياسية، وعزل ميليشيات الدعم السريع، فهناك خشية من أنّ يؤدّي ذلك
مجددًا إلى استبعاد قوى إسلامية، كان لها دَوْر مُهمّ في التصدي لانقلاب الدعم
السريع مجتمعيًّا وعلى صعيد مساندة القوات النظامية، وهو نفس الفخّ الذي سقط فيه
الرئيس البشير من قبل.
وثاني التحديات يتعلق بأعمال إعادة إعمار البنية الأساسية وأبنية المؤسسات التي جرى
تدميرها وفق خطة ممنهجة للدعم السريع ومن يقف وراءها. لقد تعرَّضت المدن الرئيسية
-وخاصة العاصمة- لأعمال تدمير واسعة للبنية الأساسية من كهرباء ومياه وطرق، ومبانٍ
خاصة، بما يتطلب وضع خطط عاجلة لإعادة الإعمار، لتلبية متطلبات العائدين من الخارج.
وثالث التحديات يتعلق بإعادة دوران عجلة الاقتصاد، وبشكل خاص أعمال الاستثمار
الداخلي، وجذب الاستثمار الخارجي. وعلى صعيد الاستثمار الداخلي، فقد خرجت أموال
هائلة من السودان، سواء عبر أعمال النهب والسلب التي قامت بها ميليشيا الدعم
السريع، التي قامت باستخراج الذهب ونقله للدول الداعمة للتمرُّد، أو عبر المواطنين
الذين سحبوا أموالهم خلال هروبهم من البلاد خوفًا من أعمال القتل والنهب التي قامت
بها مجموعات الدعم السريع.
وإذ يتطلّب أمر جَلْب الاستثمارات الخارجية تطوير العلاقات السودانية العربية
والإسلامية -والبناء على ما تحقق خلال المرحلة الأخيرة-؛ فلا شك أن الحُكم يُدرك
ضرورة وضع خطط لمواجهة الضغوط الأمريكية والبريطانية التي ستتدخل لتعطيل مثل هذا
التواصل.
وفي ذلك يمكن القول بأن التغييرات الحادثة في المنطقة، وأهمها تشكيل تحالف مكة
المكرمة، يمكن أن يكون محور ارتكاز لخطة السودان لمواجهة تلك الضغوط. كما يُشار هنا
إلى ضرورة حفاظ السودان على استمرار فتح الأبواب التي تدفَّق منها الدعم له مِن
قِبَل أطراف عربية وإقليمية، أبدَتْ رفضًا لأعمال الميليشيات في الإقليم وتقييدًا
لعلاقاتها مع الدول التي تدعمها.