1. هل قاد طوفان الأقصى إلى إضعاف نتنياهو فعلاً، أم منحَه فرصة لإعادة بناء شرعيته السياسية عبر الحرب والخوف، بينما يرسّخ اليمين المتطرف نفوذه ويعيد تشكيل مفهوم الأمن وحدود المعارضة ومستقبل النظام السياسي الإسرائيلي من الداخل أيضًا؟
لم يكن طوفان الأقصى حدثًا أمنيًّا وعسكريًّا عابرًا في «إسرائيل»، بل تَحوَّل إلى
نقطة انعطاف أعادت ترتيب أولويات المجتمع والدولة، ودفعت النظام السياسي إلى مزيدٍ
من اليمين والتشدُّد. فقد أحدَث الهجوم صدمةً عميقة في الوعي «الإسرائيلي»، وفتَح
نقاشًا واسعًا حول مسؤولية الحكومة وأجهزة الأمن، لكنّه في الوقت نفسه أتاح لرئيس
الوزراء بنيامين نتنياهو فرصة لإعادة تعريف الصراع باعتباره معركة وجودية طويلة، لا
أزمة سياسية قابلة للاحتواء.
وتكمن المفارقة الأساسية في أن الحدث أضعف نتنياهو من جهة؛ لأنه كشَف إخفاقات
حكومته وأجهزته الأمنية، لكنّه منَحه، من جهة أخرى، مُبرِّرًا سياسيًّا لإطالة
الحرب، وتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية، وتعزيز حضور التيارات اليمينية المتطرفة.
وهكذا انتقلت «إسرائيل» من أزمة داخلية تمحورت حول القضاء والاحتجاجات، إلى بيئة
سياسية يهيمن عليها الأمن والحرب والخوف من التهديدات الإقليمية. ومن أجل فَهْم هذا
التحوُّل، لا بد من النظر إلى الطريقة التي أعاد بها الطوفان ترتيب العلاقة بين
المسؤولية السياسية والحاجة إلى الحفاظ على حالة الطوارئ.
يعرض هذا المقال قراءة تحليلية لتأثير طوفان الأقصى في إعادة تشكيل البيئة السياسية
في الكيان الصهيوني: نتنياهو واليمين الشعبوي أمام لحظة التحوُّل.
قبل طوفان الأقصى، كان الصراع الداخلي في «إسرائيل» يدور بصورة أساسية حول مشروع
حكومة نتنياهو لإضعاف المحكمة العليا، وتقليص الرقابة القضائية على السلطة
التنفيذية. وقد أدَّى هذا المشروع إلى احتجاجات واسعة وانقسام حادّ داخل المجتمع
والجيش والنُّخَب السياسية. غير أنّ الهجوم أعاد ترتيب الأجندة العامة؛ ليتراجَع
النقاش حول الإصلاح القضائي مؤقتًا أمام سؤال أكثر إلحاحًا يتعلق بكيفية عجز الدولة
وأجهزتها الأمنية عن مَنْع الهجوم أو التعامل معه.
ومع تحوُّل الحرب إلى أولوية الوجود المطلقة؛ أصبح من الصعب على المعارضة أن تُحافظ
على زخمها السابق، أو أن تجعل تفكيك القضاء محور المواجهة السياسية اليومية. لم
تَخْتفِ الأزمة المؤسسية، لكنّها دخلت مرحلة جديدة؛ فبدل أن تظهر محاولة إضعاف
القضاء باعتبارها مشروعًا حزبيًّا مثيرًا للانقسام؛ أصبح من الممكن تقديمها داخل
خطاب الحكومة بوصفها جزءًا من إعادة بناء الدولة وتعزيز قدرتها على مواجهة الأخطار،
وهو ما كان في حكومة الإنقاذ أو الحرب أو حتى الائتلاف بمختلف المسميات، بقيادة
نتنياهو. وبهذا أتاح مناخ الحرب للسُّلطة أن تُبرِّر توسيع نفوذها باسم الأمن
القومي، وأن تنقل مركز النقاش من حدود السلطة إلى قدرة السلطة على استخدام القوة.
في هذا السياق، أضعف الطوفان مكانة نتنياهو السياسية؛ لأنه وقع خلال فترة حُكمه،
ولأن الهجوم كشف خللًا في منظومة الإنذار والاستعداد والقيادة. كما أثار تساؤلات
حول مسؤولية الحكومة عن إخفاقات الأجهزة الأمنية، وحول قدرة نتنياهو على إدارة
البلاد في ظل الانقسام الداخلي والملفات القضائية التي تُلاحقه. إلا أن رئيس
الوزراء سعى إلى تحويل مركز النقاش من مسؤولية الماضي إلى إدارة الحرب في الحاضر.
فكلما طال أمد الحرب، أصبح من الأسهل تأجيل المحاسبة السياسية، وربط أيّ تغيير
حكومي باحتمال إضعاف الجبهة الداخلية أو منح الخصوم فرصة لاستغلال الانقسام.
ولا يعني ذلك أن إطالة الحرب تمنح نتنياهو ضمانة دائمة للبقاء؛ إذ يمكن أن يتزايد
الضغط الشعبي، وأن تُحمِّل عائلات الأسرى والجنود الحكومة مسؤولية الإخفاقات
المستمرة، كما قد تُفْضِي الأزمة إلى لجان تحقيق أو تحالفات سياسية جديدة. لكنّ
الحرب تمنحه وقتًا للمناورة، وتسمح له بتقديم نفسه بوصفه «المَلِك المُخلِّص»
القادِر على التعامل مع التهديدات، حتى لو كان جزءًا من الأزمة التي أنتجتها. ومن
هنا نشأت معادلة سياسية متناقضة: نتنياهو هو أحد المسؤولين عن البيئة التي سبقت
الطوفان، لكنّه يحاول في الوقت نفسه أن يصبح المستفيد السياسي من البيئة التي
أعقبته.
ولم تقتصر نتائج الطوفان على إعادة تموضع نتنياهو، بل أسهمت أيضًا في تقوية الخطاب
الذي يربط أمن «إسرائيل» باستخدام القوة العسكرية الواسعة ورفض التسويات السياسية.
فقد وجد اليمين المتطرف في الحدث فرصة لتقديم مواقفه باعتبارها أكثر واقعية من
دعوات التهدئة أو التفاوض. فالأحزاب والشخصيات اليمينية، مثل «بتسلئيل سموتريتش
وإيتمار بن غفير»، لا تنظر إلى الحرب على أنها عملية عسكرية محدودة فحسب، بل
تستخدمها لإعادة تعريف المُسمّيات والعلاقة بين الدولة والمجتمع والأرض؛ ضمن تعاريف
توراتية وأساطير دينية تدعو إلى توسيع الاستيطان، وتشديد السيطرة الأمنية، ورفض
إقامة دولة فلسطينية، وربط أيّ تنازل سياسي بتهديد وجودي للدولة.
وقد جعل الطوفان هذه المواقف أكثر قبولًا لدى قطاعات من الجمهور «الإسرائيلي» الذي
يعيش حالة خوف عميقة. ففي أوقات الأزمات، تتراجَع جاذبية الخطابات التي تُركّز على
التسوية، بينما يزداد الطلب على خطاب الحسم والردع. لذلك لا يحتاج اليمين المتطرف
إلى السيطرة الكاملة على الحكومة كي يُغيِّر اتجاهها؛ يكفي أن يَفرض تعريفه للأمن
وحدود النقاش الممكن. وحين تصبح القوة معيار الوطنية، يتحوَّل كل اعتراض على مسار
الحرب إلى موقف يمكن اتهامه بالتخوين أو بعدم المسؤولية.
الأخطر من ذلك أن تأثير اليمين المتطرّف لا يقتصر على نتائج الانتخابات أو على
تشكيل الائتلافات الحكومية، بل يمتدّ إلى مؤسسات الدولة نفسها. فقد شهدت سنوات ما
قبل الطوفان محاولات لتعيين شخصيات أكثر قربًا من التيار اليميني في الأجهزة
الأمنية، وإعادة تشكيل الجيش وأجهزة الاستخبارات بما يتوافق مع الرؤية السياسية
للحكومة. وبعد الطوفان، اكتسب هذا المسار مُبرّرات إضافية؛ إذ تستطيع الحكومة
القول: إن الدولة تحتاج إلى أجهزة أكثر حزمًا وأقل ترددًا، وإن القيادات التي تعارض
التوسع العسكري أو تنتقد القرارات السياسية تعرقل مواجهة الخطر، وهو ما كان.
وتحت هذا الغطاء قد يتراجع الحد الفاصل بين المؤسسة الأمنية والقرار الحزبي.
فالديمقراطية لا تتآكل فقط عندما تُلغَى الانتخابات، بل قد تَضْعف أيضًا عندما تصبح
الرقابة القضائية موضع اتهام دائم، وعندما تُقدَّم المعارضة باعتبارها تهديدًا
للأمن، وعندما تُحصَر الوطنية في تأييد خيارات الحكومة العسكرية. وبذلك يتحوَّل
الطوفان من صدمة أمنية إلى أداة لإعادة تعريف الدولة، لا من خلال قرارات مُعلَنة
تُغيِّر نظام الحكم دفعةً واحدةً، بل عبر سلسلة من الإجراءات التي تجعل الاستثناء
جزءًا من الحياة السياسية اليومية.
في المقابل، أعاد الطوفان تشكيل المعارضة بالقَدْر الذي أعاد تشكيل الحكومة.
فالمُعارضة «الإسرائيلية» لا تبدو ضعيفة وهي تُعيد ترتيب صفوفها حول شخصيات قادمة
من المؤسسة السياسية والعسكرية، وفي مقدمتها «غادي آيزنكوت»، الذي انسحب من حكومة
الحرب بعد خلافات مع نتنياهو، وبدأ يطرح نفسه جزءًا من بديل سياسي أوسع. أهمية
آيزنكوت لا تأتي فقط من خلفيته العسكرية، بل من كونه يُمثّل نموذجًا «إسرائيليًّا»
أقل ارتباطًا باليمين الديني، وأكثر قبولًا لدى قطاعات ترى أن استمرار حكومة
نتنياهو صار خطرًا على الدولة من الداخل. كما أن علاقته الأفضل بالمؤسسة الأمريكية،
مقارنةً بعلاقة نتنياهو وشركائه اليمينيين، تمنحه وزنًا إضافيًّا في لحظةٍ يصبح
فيها النفوذ الأمريكي عاملًا مؤثرًا في إعادة ترتيب السياسة «الإسرائيلية».
وهنا تظهر العُقْدة الأمريكية في حسابات نتنياهو. فالإدارة الأمريكية، رغم دعمها
الواسع لـ«إسرائيل»، لا تريد حربًا بلا نهاية ولا انفجارًا استيطانيًّا في الضفة
يُهدِّد أيّ ترتيبات إقليمية لاحقة. كما أن الوثائق والمبادرات الأمريكية المتعلقة
بغزة، وخصوصًا ما يرتبط بإعادة الإعمار وإدارة القطاع بعد الحرب، تضع نتنياهو أمام
معادلة صعبة: فإذا قَبِل بها خسر جزءًا من قاعدته اليمينية، وإذا رفَضها عمَّق
التوتر مع واشنطن. لذلك يحاول المناورة بين الطرفين: يطمئن الأمريكيين بخطاب سياسي
عام، ويطمئن اليمين المتطرف بسياسات ميدانية على الأرض.
بهذا المعنى، لا يمكن فصل استمرار الحرب أو قابلية تجدُّدها عن مأزق حكومة نتنياهو.
فالحرب بالنسبة إلى هذه الحكومة لم تَعُد فقط أداة رَدْع، بل صارت أداة بقاء.
واليمين المتطرف لا يدعم نتنياهو لأنه يثق به بالضرورة، بل لأنه يرى فيه الجسر
الممكن لفرض مشروعها الاستيطاني. أما نتنياهو، فيحتاج هذا اليمين لأنه يعرف أن أيّ
تحالف آخر، خصوصًا مع قوى من نمط آيزنكوت أو لبيد أو أحزاب الوسط، قد يفتح باب
المحاسبة على السابع من أكتوبر، وعلى إدارة الحرب، وعلى التكلفة التي دفعتها
«إسرائيل» في الداخل والخارج.
من جهةٍ أخرى، المعارضة تستطيع مهاجمة نتنياهو بسبب الفشل الأمني، لكنّها تُواجه
صعوبة في تقديم بديل واضح للحرب أو في التمايز جذريًّا عن المزاج العام الذي يميل
إلى التشدد. كما أن اعتمادها على تحالفات مع الأحزاب العربية يظل خيارًا شديد
الحساسية في مجتمع يميني، بينما قد يؤدي الانضمام إلى حكومة وحدة وطنية إلى إنقاذ
نتنياهو بدل إسقاطه. لذلك تجد المعارضة نفسها بين مسارين صعبين: إما خوض مواجهة
أيديولوجية مع حكومة تستند إلى الخوف والحرب، أو المشاركة فيها وتحمُّل مسؤولية
سياساتها.
وتزداد هذه المعضلة تعقيدًا بسبب غياب بديل سياسي قادر على الجمع بين الأمن والحقوق
والحل السياسي. فإذا اكتفت المعارضة بانتقاد الأداء العسكري، فقد تبدو ضعيفة أمام
جمهور يريد الحسم. وإذا تبنَّت خطاب اليمين نفسه، فإنها تمنح اليمين انتصارًا
فكريًّا حتى لو نجحت في إزاحة نتنياهو انتخابيًّا أو حتى مُحاكمته قضائيًّا،
وأَشُكّ في ذلك؛ على الرغم من الأزمات السياسية والقضائية التي تحيط بنتنياهو،
وبالرغم من تأييد المقال فرضية «الانتخابات الأخيرة في حياة نتنياهو السياسية»،
لكنّ الرجل لن يسقط في الانتخابات بسهولة، لعاملين رئيسيين: تقارب نتائج استطلاعات
الرأي بين معسكر نتنياهو والمعارضة، ثم حالة التفكك والتردد السياسي الذي تعاني منه
المعارضة.
في المحصلة، أعاد طوفان الأقصى تشكيل البيئة السياسية في «إسرائيل» عبر ثلاث حركات
متزامنة؛ فقد أضعف نتنياهو وكشف إخفاقات حكومته، لكنّه منَحه أيضًا فرصة لتأجيل
المحاسبة وإعادة تقديم نفسه كقائد حرب. كما عزّز اليمين المتطرف، ليس فقط
انتخابيًّا، بل على مستوى تعريف الأمن وتوجيه مؤسسات الدولة. وأخيرًا، نقل الصراع
من إطاره الفلسطيني المباشر إلى إطار إقليمي أوسع يطل على دمشق وصولاً إلى عمق
البحر الأحمر.
ويبقى مستقبل نتنياهو مرتبطًا بقدرته على إدارة هذه التناقضات. فإذا تحوَّلت الحرب
إلى استنزاف طويل، فقد يصبح مسؤولًا عن الفشل بدل أن يكون عنوانًا للإنقاذ. أما إذا
نجح في إبقاء المجتمع داخل حالة الخوف والطوارئ، فقد يستمر في توسيع نفوذه رغم
تراجُع الثقة به. لكنّ السؤال الأهم يتجاوز مصير نتنياهو: هل تؤدي الصدمة إلى
مراجعة سياسية وأمنية تمنع الانفجار داخل المجتمع المُلفّق، أم تتحوَّل إلى ذريعة
لتثبيت اليمين المتطرّف وتوسيع سُلطة الحكومة؟