إلى أي مدى تغيّر معرفة سبب ورود الحديث فهمنا لأحاديث الأحكام، وهل يمكن أن يؤدي إغفال سياقها وملابساتها إلى استنباط غير دقيق، رغم صحة النص، بسبب غياب الصورة الكاملة التي قيل فيها الحديث عند وروده أصلًا؟
إن رحمة النبي
صلى الله عليه وسلم وشفقته على الأطفال وحُنوّه عليهم، فاقت كل رحمة وكل شفقة؛
فقد أخرج الإمام مسلم عن أنس بن مالك -رضي الله عنه، الذي خدم رسول الله صلى الله
عليه وسلم، عشر سنين- قال:
«ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله
صلى الله عليه وسلم
»[1].
ومن أمثلة رحمة النبي
صلى الله عليه وسلم ، وشفقته وحنوّه على الأطفال، أنه صلى الله عليه وسلم
كان يحمل الحسن والحسين على عاتقيه؛ فعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال:
«رأيت الحسن والحسين على عاتقَي النبي
صلى الله عليه وسلم ، فقلت: نِعْم الفرس تحتكما، فقال صلى الله عليه وسلم
:
«ونِعْم الفارسان هما»[2].
وفي رواية لجابر -رضي الله عنه-، قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو
يمشي على أربعة، وعلى ظهره الحسن والحسين -رضي الله عنهما-، وهو يقول: «نِعْم الجمل
جَمَلكما، ونِعْم العدلان أنتما»[3].
وفي إحدى المرات قال رجل للحسن بن علي -رضي الله عنهما، وهو على عاتق النبي صلى
الله عليه وسلم-: يا غلام، نِعْم المركب ركبتَ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: «ونِعْم الراكب هو»[4].
فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يُحِبّ أولاده وأحفاده ويُشْعِرهم بهذا
الحب وذاك الحنان، فقد كان يحب ابنته فاطمة، ويُرحِّب بها إذا أقبلتْ، ويُقْعِدها
في مجلسه، ويبتسم لها، وعن المسور بن مخرمة -رضي الله عنهما-، أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، قال: «فاطمة بَضْعة مني، فمن أغضبها أغضبني»[5].
ولم يُفرِّق رسول الله صلى الله عليه وسلم في حُبّه وحنانه بين الذكور والإناث؛
فالكل داخل في دائرة رحمته وشفقته؛ فقد كان يحب حفيدته أُمَامة بنت زينب، مثلما
يُحِبّ حفيديه الحسن والحسين، فكثيرًا ما كان يخرج من البيت وقد حمل على كتفه
أُمَامة، وكان يحملها أحيانًا على ظهره وهو يُصلّي، فإذا ركع وضَعها على الأرض،
وإذا قام رفعها، فعن أبي قتادة الأنصاري -رضي الله عنه-، أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم كان يُصلِّي، وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها[6].
ومن مظاهر رحمته صلى الله عليه وسلم بالأطفال وشفقته عليهم: أنه كان إذا قدم من
سفر يتهافت عليه الصبيان، فيدنو منهم، ويبسط ذراعيه لهم، ويأخذهم في حضنه ويداعبهم
ويلاعبهم، فمنهم مَن يضمّه إلى صدره، ومنهم مَن يحمله على كتفه، ويتفاخر الأطفال،
فمنهم مَن يقول: ضمّني النبي إلى صدره، ومنهم مَن يقول: بل حملني على كتفه، فعن ابن
عباس -رضي الله عنهما-، قال: «لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة، استقبله
أُغَيْلِمَة بني عبد المطلب، فحمل واحدًا بين يديه، وآخر خلفه»[7].
وإذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم طفلًا حزينًا، فإنه يُخفِّف عنه أَلَمه وحزنه،
فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل
علينا، وكان لي أخ صغير، وكان له نُغر يلعب به، فمات نُغره، فدخل النبي صلى الله
عليه وسلم ، ذات يوم فرآه حزينًا، فقال: ما شأن أبي عمير حزينًا؟ فقالوا: مات نُغره
الذي كان يلعب به يا رسول الله. فقال: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ أبا عمير، ما
فعل النغير؟»[8].
ويُلاطف النبي صلى الله عليه وسلم ، صبيًّا فيداعبه ويلاعبه حتى تبول، فقامت أُمّه
لتأخذه وتضربه، فلم يرضَ أن تضربه أمه أو تَنْهره، فعن الحسن بن علي -رضي الله
عنهما- عن امرأة منهم: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم مُستلقٍ على ظهره
يُلاعب صبيًّا إذ بال، فقامت أُمّه لتأخذه وتضربه. فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : «دعيه، ائتوني بإناء من ماء». قالت: فأتيته بإناء فنضح الماء على البول»[9].
ولم تمنعه صلى الله عليه وسلم صلاته، ووقوفه بين يدي ربه، أن يُظهر مشاعر الرحمة
والشفقة بالأطفال؛ فعن عبد الله بن شداد، عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله صلى
الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشاء، وهو حامل حسنًا أو حسينًا، فتقدم رسول الله
صلى الله عليه وسلم فوضعه، ثم كبَّر للصلاة فصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة
أطالها، قال أبي: فرفعت رأسي، وإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وهو ساجد فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة، قال
الناس: يا رسول الله، إنك سجدتَ بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث
أمر، أو أنه يُوحَى إليك؟ قال: «كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أُعجله
حتى يقضي حاجته»[10].
ويستنكر النبي صلى الله عليه وسلم ، حال الأعرابي الذي لا يعرف قلبه معنى الرحمة،
ويتعجب منه كيف لا يتخلّق بخُلق الرحمة للأطفال، فعن عائشة، -رضي الله عنها- قالت:
جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تُقبِّلون الصبيان؟ فما
نُقَبِّلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «أو أملك لك أن نزع الله من قلبك
الرحمة»[11].
ورحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالأطفال وشفقته عليهم عامة حتى تشمل غير
المسلمين، فها هو الغلام اليهودي الذي كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ، عندما
عَلِم بمَرضه أسرع بزيارته والاطمئنان عليه، فعن أنس -رضي الله عنه-، قال: كان غلام
يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم
يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: «أَسْلِم»؛ فنظر إلى أبيه، وهو عنده فقال له:
أطِعْ أبا القاسم، فأسلم؛ فخرج صلى الله عليه وسلم ، وهو يقول: «الحمد لله الذي
أنقذه من النار»[12]؛
إن خُلق الرحمة وحُسْن المعاملة من النبي صلى الله عليه وسلم ، هو السر الذي دفَع
الغلام إلى أن يشرح الله صدره للإسلام.
وتأتي الموازنة الحكيمة بين الإطالة في الصلاة، وبين الرحمة بالطفل الذي يبكي
جوعًا، أو ألمًا؛ فيرجّح صلى الله عليه وسلم التخفيف في الصلاة رحمةً به، ففي
الحديث، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أُطوّل
فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوّز في صلاتي كراهيةَ أن أشق على أمه»[13].
يبكي النبي الله صلى الله عليه سلم، بكاء رحمة وشفقة على ابنٍ لبعض بناته،
فيُظْهِر مشاعر الأسى والحزن بشكل مُهذَّب، يكشف عن جميل رحمته وشفقته بالأطفال،
فيعطي لأصحابه درسًا في خُلق الرحمة، والتي جعلها الله في بني آدم؛ فعن أسامة بن
زيد، قال: كان ابنٌ لبعض بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي، فأرسلت إليه أن
يأتيها، فأرسل إليها أن «لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده إلى أجل مسمى،
فلتصبر ولتحتسب». فأرسلت إليه، فأقسمت عليه، فقام رسول صلى الله عليه وسلم ، وقمت
معه، ومعه معاذ بن جبل، وأُبَي بن كعب، وعبادة بن الصامت، فلما دخلنا ناولوا الصبي
رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى، فقال عبادة بن الصامت: ما هذا يا رسول الله؟
قال: «الرحمة التي جعلها في بني آدم، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء»[14].
إن خُلق الرحمة لا يتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان والأحوال والأشخاص، فها هم
الصحابة الكرام لهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأُسوة والقدوة الحسنة، فقد
تخلّقوا بأخلاقه، وساروا على نَهْجه، فهذا سيدنا عمر بن الخطاب، -رضي الله عنه-
يُقبّل بعض ولده، فرآه عيينة بن حصن، فأنكر عليه، فعن أبي عثمان، أن عيينة بن حصن
قال لعمر -ورآه يُقبِّل بعض ولده-: «أتُقبِّل وأنت أمير؟ لو كنت أمير المؤمنين ما
قبَّلت لي ولدًا. فقال عمر: «الله الله؟»، حتى استحلفه ثلاثًا، فقال عمر: «فما أصنع
إن كان الله نزع الرحمة من قبلك، إن الله إنما يرحم من عباده الرحماء»[15].
وقد اشتكى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قسوة قلبه؛ فأعطاه النبي علاجًا
شافيًا لداء القسوة والجفاء بأن يمسح رأس طفل يتيم، أو يُطعم مسكينًا، فعن أبي
هريرة أن رجلًا شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه، فقال: «امسح رأس
اليتيم، وأطعم المسكين»[16].
إن الرحمة بالأطفال والحرص على إشباعهم عطفًا وحنانًا؛ لهو جدير أن ينشئوا نشأة
صالحة تدفع إلى نجاحهم في حياتهم الدراسية والمهنية، وحبّهم لوطنهم، والحرص على
أمنه وسلامته. وبالله التوفيق.
[1] أخرجه مسلم، ج4، كتاب: الفضائل، باب: رحمته صلى الله عليه وسلم الصبيان والعيال
وتواضعه وفضل ذلك، حديث رقم (2316)، ص1808.
[2] مسند البزار، ج1، حديث رقم (293)، ص417.
[3] أخرجه الطبراني، المعجم الكبير، ج3، حديث رقم (2661)، ص52.
[4] أخرجه الترمذي في سننه، ج5، حديث رقم (3784)، ص661.
[5] أخرجه البخاري، ج5، كتاب: فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، باب: مناقب
قرابة رسول صلى الله عليه وسلم ، ومنقبة فاطمة -عليها السلام- بنت النبي صلى الله
عليه وسلم ، حديث رقم (3714)، ص21.
[6] أخرجه البخاري، ج1، كتاب: الصلاة، باب: إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في
الصلاة، حديث رقم (516)، ص109.
[7] أخرجه البخاري، ج3، كتاب: الحج، باب: استقبال الحاج القادمين والثلاثة على
الدابة، حديث رقم (1798)، ص132.
[8] أخرجه أحمد في مسنده، ج21، حديث رقم (14071)، ص456.
[9] الغزالي: إحياء علوم الدين، دار الفكر، ج2، ص219.
[10] أخرجه النسائي في سننه، ج2، حديث رقم (1141)، ص229.
[11] أخرجه البخاري، ج8، كتاب: الأدب، باب: رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، حديث رقم
(5998)، ص7.
[12] أخرجه البخاري، ج2 كتاب: الجنائز، باب: إذا أسلم الصبي فمات، هل يصلَّى عليه،
وهل يعرض على الصبي الإسلام، حديث رقم (1356)، ص71.
[13] أخرجه البخاري، ج1، كتاب: الآذان، باب: من أخف الصلاة عند بكاء الصبي، حديث
رقم (707)، ص 143.
[14] أخرجه البخاري، ج2، كتاب: الجنائز، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم :
«يُعذَّب الميت ببعض بكاء أهله عليه»؛ إذا كان النوح من سنته، حديث رقم (1284)،
ص79.
[15] الجامع، معمر بن أبي عمرو راشد الأزدي، ج11، حديث رقم (20590)، ص299.
[16] أخرجه أحمد في مسنده، ج14، حديث رقم (9018)، ص558.