هل يقود ترامب الولايات المتحدة إلى تراجع نفوذها العالمي، أم أنه يجسّد تحوّلًا أعمق فرضته كلفة الهيمنة وتغيّر موازين القوة، بما يجعل المرحلة المقبلة اختبارًا لقدرة واشنطن على الهبوط الآمن دون فقدان قوتها ومكانتها الدولية؟
في تاريخ الولايات المتحدة القصير، برز عدد من الزعماء التاريخيين، تجاوَز أثرُهم
حدودَ فترات حُكمهم؛ جورج واشنطن، إبراهام لينكولن، دوايت أيزنهاور.. حُكّام وضعوا
بصمتهم، وصنعوا نقلةً نوعية لدولتهم جعلت منها دولة عظمى تتربع على قمة النظام
الدولي. ويريد دونالد ترامب أن يضع اسمه بين هؤلاء، بل إن طموحه الشخصي يغالبه أن
يغلب هؤلاء شهرةً وتأثيرًا.
ويتفق كثير من المُعلّقين السياسيين والإستراتيجيين أن سلوك ترامب في تحقيق أهدافه
يكاد يُحطّم كل ما بَنَته الولايات المتحدة من نفوذ وهيمنة على مدى عقود طويلة، غير
أن اختزال المشهد في سياسات ترامب قد يقود إلى قراءة ناقصة؛ لأنّ ما يفعله الرجل
ليس كله اختراعًا شخصيًّا، لقد دُفِعَ الرجل ليكون مُمثلًا لتيار سياسي تغلغل داخل
المجتمع والنُّخَب السياسية والاقتصادية الأمريكية. أو لِنَقُلْ: إنه استطاع أن
يمتطي هذا التيار الصاعد ليصعد به إلى الرئاسة، فقراراته ليست ضربًا من الفوضى أو
العشوائية المطلقة، وإن شابهت ذلك.
لقد صنعت الولايات المتحدة إمبراطوريتها على غير النمط المعتاد في التاريخ، فلم يكن
الاحتلال الجغرافي وإخضاع الدول عسكريًّا هو معيار الهيمنة الأمريكية وأسلوبها في
صُنع إمبراطوريتها، لقد صنعت الولايات المتحدة آلياتها الخاصة التي لم تُسبَق
إليها؛ فطوَّرت منظومة أكثر تعقيدًا من أدوات السيطرة والنفوذ، امتزج فيها الاقتصاد
بالدولار، والتجارة بالأسواق، والتكنولوجيا بالمعلومات، والقوة العسكرية بشبكة
واسعة من التحالفات والقواعد. ثم جاءت المؤسسات الدولية والنظام المالي العالمي
لتمنح هذه القوة إطارًا أكثر اتساعًا واستدامة.
كانت الهيمنة الأمريكية تقوم -في جوهرها- على جعل العالم يتحرّك داخل منظومة صمَّمت
واشنطن قواعدها الأساسية. لنذكر على سبيل المثال؛ كيف أنّ المؤسسات الدولية تضع
مصالح الولايات المتحدة فوق أيّ اعتبار؛ فمنذ أن انسحبت الولايات المتحدة من
أفغانستان، لم يجرؤ العالم على الاعتراف بالحكومة القائمة التي تُمثّلها «طالبان»،
لا الأمم المتحدة ولا المؤسسات الدولية؛ لأن الولايات المتحدة ترفض ذلك. والأمثلة
في ذلك أكثر من يجمعها مقال.
الإشكالية ليست في أن الولايات المتحدة بدأت في مراجعة نهجها، أو إعادة النظر في
المنظومة التي بنت من خلالها هيمنتها على العالم، المعضلة الحقيقية تكمن في الطريقة
التي تُدير بها واشنطن هذا التحول، بعيدًا عن الطريقة التي اعتادتها واعتادها
العالم.
فالناظر لسياسات ترامب، بعيدًا عن ضجيج تصريحاته وطريقته الصادمة في التعبير، سيدرك
أن الرجل يحاول أن يدفع بلاده نحو صيغة جديدة للقوة الأمريكية؛ قوة أقل انخراطًا في
أزمات العالم، وأكثر تركيزًا على المصالح المباشرة.
وفي هذه الرؤية تتغيّر طبيعة العلاقة مع الحلفاء؛ فالتحالفات ما هي إلا صفقات
تفاوضية، والالتزامات طويلة الأمد لا داعي لها؛ إذا كانت عوائدها الاقتصادية أقل من
تكلفتها، واستمرار الشراكة يبقى مرتبطًا بما يمكن أن تحصل عليه واشنطن في المقابل.
لقد بدأت واشنطن قبل ترامب في مراجعة التزاماتها الخارجية، وإعادة النظر في تكلفة
الانتشار العسكري، والقلق من صعود الصين، والتفكير في مستقبل التحالفات، ومحاولة
نقل جزء أكبر من أعباء الدفاع إلى الحلفاء.
لكنّ ترامب جاء ليمنح هذه التحولات سرعة أكبر، وقرارات أكثر جرأة. الإشكالية أنه لا
يتحرَّك بالطريقة التي تتحرّك بها الدول عادةً، وإنما بالطريقة التي يتحرّك بها رجل
أعمال يريد إغلاق صفقة والبدء بأخرى ليُحقّق أقصى الأرباح.
الولايات المتحدة تستطيع أن تُخفّف انتشارها العسكري، وأن تُعيد توزيع قواتها، وأن
تطلب من حلفائها تحمُّل مزيد من الأعباء، وأن تُقلّل التزاماتها الخارجية. لكنّها
إذا فعلت ذلك بطريقة تفوق قدرة النظام الذي بَنَتْه على استيعاب التغيير، فإنها قد
تُسرّع تفكّك المنظومة؛ فتُسْقِطها وتَسْقط معها.
على كل حال؛ فإن الولايات المتحدة، التي نعرفها، لن تستمر في مسارها القديم؛ لأنها
رأت أن تكلفة زعامتها أكبر بكثير من عوائد تلك القيادة. فالنظام العالمي أُحادي
القطبية قد انتهى إلى غير رجعة، ونحن أمام لحظة تشكّل لنظام عالمي جديد، لن تغيب
عنه الولايات المتحدة، لكنها لن تكون محوره، وكما أن التغيير الذي حدث داخل
الولايات المتحدة، وأحدثته في العالم لم يكن وليد اللحظة؛ فإن البدائل هي الأخرى لن
تكون وليدة اللحظة، بل هو عملية تراكمية هبوطًا وصعودًا.
أما الذين يأملون أنه بنهاية حقبة ترامب سينتهي المسار الذي أحدثه؛ فقد جانبوا
الصواب، حتى وإن حملت الانتخابات رئيسًا أكثر هدوءًا وعقلانية؛ فكل ما يستطيع
فِعْله هو أن يُبطِّئ وتيرة المسار، لكنّه لن يتحوّل عنه، فبين السقوط والصعود
مرحلة ثالثة كثيرًا ما يُغفَل عنها؛ إنها الهبوط الآمِن.
وربما يكون هذا هو الرهان الأمريكي الأكبر في السنوات المقبلة؛ أن تُعيد واشنطن
تعريف موقعها في العالم، وأن تنتقل من مركز النظام الدولي القديم إلى موقع قوة كبرى
داخله، من دون أن يتحوَّل تراجع النفوذ إلى سقوط، أو تتحوَّل نهاية الهيمنة إلى
نهاية للقوة الأمريكية.
والأمم والدول التي ستنجو من خسائر هذا التراجع، وبداية بناء النظام الجديد، هي
التي ستبدأ في بناء اقتصاد أكثر استقلالًا، وتُنشِئ تحالفاتها السياسية بعيدًا عن
طريق الهبوط، وتنتبه أن تلك الإمبراطورية الضخمة قد بدأت بالتراجُع إلى الخلف.