إلى أي مدى تعكس الاحتجاجات داخل الجيش الإسرائيلي والصدام بين الحكومة وقياداته العسكرية اتساع الانقسام بين مكوّنات المجتمع، وهل يمكن لهذه التناقضات أن تتحول من خلافات داخلية إلى عامل يهدد تماسك الكيان ومستقبله؟
في الأسابيع القليلة الماضية حصل حَدثان مُهمّان من ناحية الدلالة؛ ففي الأول، وفي
منطقة النقب القريبة من غزة؛ غادر عشرات الجنود من «لواء غفعاتي» بالجيش
«الإسرائيلي» قاعدتهم وهم يصرخون ويلوّحون بأيديهم، فقد تركوا أسلحتهم بعد خلاف مع
قادتهم؛ في خطوةٍ وَصفها الإعلام العبري بالتمرُّد والعصيان العسكري، ومع ذلك فلم
تتَّخذ معهم قيادة الجيش أيّ إجراءات تأديبية، بل اكتفت بالتفاوض معهم والحوار،
وهذا غريب في الأعراف العسكرية.
ولفَهْم الحدث بصورة أفضل يحسن رَبْطه بحدث آخر لا يقل عنه غرابةً وخطورةً؛ فخلال
مقابلة وعلى البث المباشر عبر القناة الـ14 العبرية، أعلن وزير الدفاع «الإسرائيلي»
«يسرائيل كاتس» على الهواء مباشرة نيتّه إقالة قائد المنطقة الوسطى في الجيش
الجنرال «أفي بلوط» على خلفية احتجاج المستوطنين -الذين كانوا يحضرون المقابلة- على
قيام «بلوط» بتمديد احتجاز مستوطن مُتطرِّف مُتَّهم بالاعتداء على فلسطينيين في
الضفة الغربية.
وإذا تجاوزنا التصرف الانفعالي للوزير بتبنّي الطرح الاستيطاني المتطرّف والمتسرّع
ضد السياسة التقليدية لحكومات حزب العمل المتعاقبة في الاستيلاء المتأنّي على
الأراضي المحتلة، وهي السياسة التي تتبنّاها قيادة الجيش، ولهذا رفض رئيس أركان
الجيش الإسرائيلي تنفيذ القرار، وأكَّدت قيادة الجيش رسميًّا أن خطوة الوزير لم
تُنسَّق مسبقًا معها، مُجدِّدةً كامل ثقتها في بقاء الجنرال «بلوط».
وهنا قد يتبادر إلى الذهن أن حادثة التمرد في غلاف غزة، ورفض تنفيذ رغبة الوزير؛
علامة على أن الصراع بين الصهيونية المتدينة التي يُمثّلها نتنياهو وحكومته، وبين
قيادة الجيش الذي ما يزال يغلب عليه التيار الصهيوني العلماني الذي يزداد التذمر
داخله من ازدواجية غريبة دخل فيها المجتمع، وبالتالي الدولة في الكيان اللقيط؛ حيث
إن مَن يرسم السياسات وينقل البلد من صراع إلى آخر؛ يرفض دَفْع ضريبة الدم؛ فابن
نتنياهو البِكْر طوال سنوات الحرب يستجمّ في فلوريدا، ومع التمديد المتكرر لفترات
استدعاء جنود الاحتياط يتمسك المتدينون بإعفائهم من التجنيد، ويرفضون دخول الجيش
بمُبرّرات مختلفة من التفرغ لدراسة التوراة والدعاء، ورفض تفشّي التحلل الأخلاقي
والاختلاط داخل المؤسسة العسكرية.
وما نرجوه من وراء ذلك أن تكون ساعة الصراع العلني داخل الكيان قد اقتربت، وأن يظهر
أثر ما يمكن أن نُسمّيه الأمراض الوراثية لدى اليهود، والتي تتلخص في أمرين؛ أحدهما
أن الوحدة الظاهرة تُخفي فُرْقةً وتباينًا، والآخر شراستهم في حلبات الصراع بينهم؛
كما بيَّن ذلك العليم الحكيم في كتابه العزيز في آية واحدة؛ ﴿لَا
يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ
بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: 14].
ولا شك أن الخلاف والفُرْقة داخل أيّ أُمّة من أهم أسباب سقوطها وانهيارها؛ ولذا
حذَّر الله منها المؤمنين، وما ينطبق على المسلمين ينطبق على غيرهم من باب أولى؛
قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾
[الأنفال: 46].