• - الموافق2026/06/16م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
لكل أُمَّة أفيونها

ماذا لو كان لكل أمة أفيونها الخاص، ليس دائمًا مخدرًا بل فكرة أو نمط حياة يضعف مناعتها ويفتح أبواب الهيمنة باسم التقدم والحرية والاستهلاك والترف حتى تفقد هويتها وقدرتها على المقاومة دون أن تشعر بما يحدث.


في العام 1839م وقف أحد المسؤولين الصينيين على شواطئ كانتون؛ ليُشْرِف بنفسه على حرق كميات ضخمة من مخدر الأفيون. مشهد لربما يتكرَّر كثيرًا في الدول الحريصة على شَعْبها؛ صحته ووعيه العقلي وتماسكه المجتمعي. وعادةً ما تكون تلك الكميات مُصادَرة من مُروّجي ومُهرِّبي المخدرات في تلك الدول.

لكن الحقيقة أن مُروّجي المخدرات داخل الصين لم يكونوا عصابات أو مافيا عادية، كانت دولة إمبراطورية عظيمة وقتها، إنها المملكة المتحدة؛ بريطانيا العظمى.

كانت بريطانيا تستورد من الصين الأخشاب والحرير والخزف، لكنها لم يكن يعجبها أن يميل الميزان التجاري بالكامل تجاه الصين التي لم تكن تستورد من بريطانيا شيئًا يُذْكَر، ولم تكن بريطانيا حريصة على تقليل السعر، أو حتى احتلال الأرض للحصول على السلع مجانًا كما فعلتها من قبل مع العديد من الدول، بل تفتّقت ذهنية نُخَبها عن وسيلة أبشع. فلمُعالَجة العجز التجاري المتزايد، دفعت بريطانيا بكميات ضخمة من الأفيون إلى السوق الصينية، حتى أصبح المُخدّر وسيلة لاستنزاف الثروة الصينية وإعادة التوازن لمصلحتها.

وعندما شعرت الحكومة الصينية بالكارثة الاقتصادية والمجتمعية طلبت من بريطانيا أن تُوقِف نَشْر هذا المخدر الخطير في المجتمع الصيني.

كان منطق الدولة الصينية بسيطًا وواضحًا في الوقت نفسه؛ فمن حق أيّ دولة أن تحمي مجتمعها من السموم، لكن كان لبريطانيا رأي آخر، فليس من حق أحد أن يُوقِف مصالحها، ولا أن يُقلّل أرباحها، وبسبب هذا المطلب الصيني البسيط اندلعت واحدة من أكثر الحروب دلالةً على العقلية الاستعمارية؛ إنها «حرب الأفيون الأولى»، وتم إجبار الصين على قبول الأفيون مقابل السلع التجارية التي تستوردها بريطانيا من الصين، وليس من المهم تدمير المجتمع الصيني، فحروب الإبادة هي وصفة غربية بامتياز.

العجيب أن بريطانيا التي دمَّرت الصين في حرب الأفيون الأولى بين عامي 1839 و1842م فاحتلت «هونغ كونغ» والعديد من الموانئ الصينية، فرضت على الصين دَفْع تعويض عن نفقات الحرب كاملة، والتي تكبَّدتها بريطانيا في أثناء قتلها للصينيين وفرض الأفيون عليهم.

ثم يأتي الشاعر البريطاني روديارد كيبلينع عام 1899م لينشر قصيدته المشهورة «عبء الرجل الأبيض»؛ يُصوّر فيه جيوش بلاده بأنهم ضحّوا بحياتهم من أجل تحديث تلك الشعوب المتخلّفة وانتشالها من الفوضى، لكنّها في النهاية لم تحصل منهم على التقدير اللازم والمطلوب!!

ربما أُلْهِم هذا الشاعر البريطاني كتابة قصيدته هذه في إحدى حدائق الحيوان البشرية التي تشير الدراسات إلى أنه في الفترة من 1810 وحتى 1940م، جرى عَرْض ما يقارب 35 ألف إنسان من شعوب إفريقيا وآسيا أمام أكثر من 1.5 مليار زائر في أوروبا والولايات المتحدة. لم يكن هؤلاء المشاركون في عروض فنية أو فعاليات ثقافية، بل كانوا جزءًا مما عُرِفَ بـ«حدائق الحيوان البشرية»؛ حيث عُرِضَ الرجال والنساء والأطفال في معارض استعمارية وسيرك ومسارح وقاعات تشريح، بل وفي قرى اصطناعية أُنْشِئت خصيصًا لمحاكاة بيئاتهم الأصلية.

وتحوَّلت هذه الممارسات العنصرية إلى ظاهرة واسعة الانتشار ومقبولة اجتماعيًّا في العالم الغربي آنذاك. وجرى تقديم البشر بوصفهم كائنات غريبة أو أدنى مرتبة حضاريًّا، في إطار خطاب استعماري سَعى إلى ترسيخ هرمية الأعراق وتبرير الهيمنة الاستعمارية، واستعباد شعوب العالم تحت ستار العِلْم والتقدُّم والحضارة وقتها.

على كل حال انتهت تلك الحرب منذ أكثر من قرنين، وانتهت أيضًا حدائق حيوان البشر، لكن العقلية الاستعمارية بالأكيد لم تنتهِ، لم يَتَخلَّ الغرب عن عقلية الرجل الأبيض؛ الغرب لا يريد شركاء أو يُرحِّب بالتبادل التجاري من منطق الندية والمساواة إلا داخل دائرته الصغيرة؛ أما خارجها فإن المقابلات والقُبُلات المتبادَلة لا تعكس أيّ تغيير في نمط الفكر والنظرة للآخر.

إن الشعوب التي لا تستطيع أن تقرأ التاريخ بشكلٍ صحيح سيكون محكوم عليها أن تَعِيشه مرةً أخرى بصورة أكثر بشاعة. ففقدان المجتمع لهويته ومناعته الذاتية، سيجعل منه حالة أشبه بمريض الإيدز الذي يعيش الموت في كل نفس يتنفّسه، وكل لحظة يحياها.

إن درس التاريخ دائمًا لا يتغيَّر، فكما أدركت الإمبراطورية البريطانية أن شعبًا غارقًا في الأفيون لن يَحْظى بأيّ فرصة في التقدُّم أو مقاومة الهيمنة الأجنبية، تُدرك القوى الكبرى اليوم أن شعوبًا غارقة في العقلية الاستهلاكية والمحاكاة المُفرطة والسعي وراء حياة الترف ستكون أقل قدرة على المقاومة وأكثر استعدادًا لقبول الهيمنة والانسحاق.

قديمًا حَمَت المدافع البريطانية تجارة الأفيون، واليوم تحرس القوة العسكرية والنفوذ السياسي والاحتكار التكنولوجي أشكالًا جديدة من الهيمنة. والمطلوب اليوم فتح الأسواق والعقول والفضاءات الرقمية أمام نفوذ لا يخضع غالبًا لمبدأ التكافؤ أو الشراكة الحقيقية، وهذا ما وَعَته الصين فلن تجد أيًّا من وسائل التواصل الحديثة منتشرة بين عموم الشعب الصيني، فقد تم «تصيين» كل شيء؛ وسائل التكنولوجيا والتقنية الغربية، كل المُنْتَج الحداثي الغربي سواء أكان علميًّا أو قِيميًّا، تم «تصيينه» إن كان نافعًا، أو رفضه كليًّا إن كان ضارًّا أو مدخلًا للتبعية للغرب.

لكل أُمّة أفيونها. وهي أمام خيارين؛ إما الاستسلام لدوّامة الذلة والمهانة، أو تحمُّل تكلفة «التشافي» والتعافي، وقد أدرك الصينيون ذلك، فأطلقوا على مرحلة حروب الأفيون وما أعقبها اسم «قرن الإذلال»، وحوَّلوه إلى درسٍ تاريخي، اليوم استطاعوا أن يتجاوز أكثر مراحلهم ضعفًا وانكسارًا.

 

أعلى