كيف تحولت اتفاقيات أبراهام من تطبيع دبلوماسي إلى شراكة أمنية واستخباراتية وصناعية بين إسرائيل والإمارات، وما دلالات ذلك على إعادة تشكيل موازين النفوذ الإقليمي، في ظل صعود ترتيبات سعودية تركية جديدة تسعى لبناء استقلال أمني إقليمي؟
لم تكن اتفاقيات «أبراهام» في سبتمبر/أيلول ٢٠٢٠ نقطة البداية في العلاقات
الصهيونية–الإماراتية،
بقَدْر ما كانت اللحظة التي انتقلت فيها علاقة تراكمت على مدى سنوات من المجال
السري وغير الرسمي إلى الإطار الدبلوماسي المُعلَن.
وتُظهر دراسة إميلي سوركين، الباحثة في جامعة بوسطن، أن قرار الإمارات إقامة علاقات
رسمية مع الدولة العبرية جاء تتويجًا لمسار طويل من التعاون غير المُعلَن، وأن
فَهْم الاتفاق يتطلب العودة إلى تطور العلاقات الثنائية قبل التطبيع الرسمي.
بدأ هذا المسار في وقتٍ مبكّر من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما
تلاقت حسابات أبوظبي وتل أبيب حول إيران وتركيا والإسلام السياسي.
وتشير الأدلة التي جمعتها سوركين إلى أن التعاون لم يكن اقتصاديًّا فقط؛ فقد تطوَّر
إلى مجالات الأمن والمراقبة والاستخبارات، وربما يكون أبرز إرهاصاتها اغتيال
القيادي في حركة حماس محمود المبحوح في أحد فنادق دبي عام 2009، وتمكّن عناصر
الموساد من الانسحاب دون اعتقال أو مُلاحَقة.
وبحلول منتصف العقد الأول من القرن الحالي؛ حصلت الإمارات على إمكانية الوصول إلى
أقمار صناعية صهيونية، فيما أصبحت شركات مرتبطة بالدولة العبرية جزءًا من منظومة
المراقبة والأمن الإماراتية. كما تشير دراسات أخرى إلى صفقة أمنية بلغت قيمتها نحو
٨٠٠ مليون دولار في عام ٢٠٠٧ لتوفير تجهيزات مراقبة للبنية التحتية والمنشآت
النفطية الإماراتية.
في المقابل، كانت أبوظبي تنظر إلى العلاقة مع الدولة العبرية باعتبارها إحدى أدوات
بناء قوتها السياسية في واشنطن. فالإمارات لم تكن تبحث فقط عن مظلة أمنية أمريكية،
بل عن نفوذ داخل البيئة السياسية والإستراتيجية الأمريكية، وعن علاقات أكثر عمقًا
مع مراكز القرار والكونغرس ومؤسسات الفكر والإعلام. وقد تصاعَد هذا المسار بصورة
كبيرة بعد أزمة موانئ دبي العالمية عام ٢٠٠٦، التي دفعت القيادة الإماراتية إلى
إطلاق حملة واسعة لتحسين صورة الدولة داخل الولايات المتحدة. وتشير تقارير حديثة
إلى أن الإمارات أنفقت أكثر من ٢٧٠ مليون دولار خلال نحو عقدين على جماعات الضغط
ومراكز الأبحاث والعلاقات مع النُّخَب السياسية الأمريكية.
وهنا اكتسبت العلاقة مع الدولة العبرية أهمية تتجاوز الحسابات الثنائية. فقد أدركت
أبوظبي أن قُربها من الدولة العبرية يمكن أن يمنحها قناة إضافية للتعامل مع المؤسسة
السياسية والأمنية الأمريكية، في حين وجدت الدولة العبرية في الإمارات شريكًا
عربيًّا يمتلك موارد مالية ضخمة، وعلاقات دولية واسعة، واستعدادًا للعمل خارج
الأُطر التقليدية للسياسة العربية. لذلك لم يكن التقارب مجرد تبادل مصالح بين
دولتين، بل يُعدّ تقاطعًا بين إستراتيجيتين: إماراتية تهدف إلى تعظيم النفوذ
والحماية والقبول في واشنطن، وصهيونية تسعى إلى كسر العزلة الإقليمية وبناء شبكة من
الشركاء في محيط عربي وخليجي.
ومن هذه الزاوية يمكن فَهْم اتفاقيات «أبراهام» باعتبارها انتقالًا من «التعاون غير
الرسمي» إلى «التطبيع الوظيفي». ويشير باحثون في معهد دراسات الأمن القومي الصهيوني
إلى أن الاتفاقات جاءت في سياق وجود «نظام أمني ضمني» تشكَّل تدريجيًّا بسبب
المخاوف المشتركة من إيران وتركيا والإسلام السياسي، وبسبب عدم اليقين بشأن مستقبل
الالتزام الأمريكي بالشرق الأوسط.
أما جون ألترمان من مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، فقد لخَّص أحد دوافع
التقارب بالقول: إن الحكومتين الإماراتية والصهيونية «تشتركان في مجموعة واسعة من
المخاوف الأمنية»، وعلى رأسها إيران والإسلام السياسي.
ولذلك فإن القيمة الحقيقية للاتفاقيات لم تكن في إقامة السفارات وتبادل الرحلات
فحسب، بل في تحويل شبكة المصالح السابقة إلى بنية مؤسسية قابلة للتوسع. فقد نص
الاتفاق على التعاون في التمويل والاستثمار والطيران والسياحة والابتكار والتجارة
والعلوم والتكنولوجيا والطاقة والاتصالات والصحة والبيئة، وغيرها. ووفق تحليل لمعهد
دراسات الأمن القومي، تكرَّر مصطلح «التطبيع» في الاتفاق تسع مرات، ست منها في
عبارة «التطبيع الكامل»، وهو ما يعكس تصوُّرًا صهيونيًّا للتطبيع باعتباره عملية
ممتدة تتجاوز إقامة العلاقات الدبلوماسية.
بعد عام ٢٠٢٠ انتقلت العلاقة تدريجيًّا إلى المستوى الأمني والعسكري. ففي
نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠٢١ شاركت الإمارات والبحرين والدولة العبرية في مناورة بحرية
مع القوات الأمريكية في البحر الأحمر، في أول مناورة عسكرية مُعلَنة بين دول
مُوقِّعة على اتفاقيات «أبراهام».
وفي ٢٠٢٢ حصلت الإمارات على نظام الدفاع الجوي الصهيوني
SPYDER،
كما نُشر نظام
BARAK
الصهيوني في الأراضي الإماراتية. وفي فبراير/شباط ٢٠٢٣ كشفت الدولتان عن سفينة
بحرية غير مأهولة طوّرتاها بصورة مشتركة، بينما شاركت مقاتلات إماراتية في
أبريل/نيسان ٢٠٢٥ في مناورة متعددة الجنسيات إلى جانب القوات الأمريكية والصهيونية
في اليونان.
والأكثر دلالة على الشراكة الدفاعية بين الجانبين هو انتقال التعاون من شراء السلاح
إلى بناء بيئة استخبارية وتكنولوجية مشتركة. فوفق إليزابيث دينت، الباحثة في معهد
واشنطن والموظفة السابقة في البنتاغون؛ تتبادل الإمارات والدولة العبرية المعلومات
حول التهديدات المشتركة وتحافظان على منصة استخبارية مشتركة للأمن السيبراني تُعرَف
باسم.«Crystal
Ball»
كما ترى «دينت» أن التعاون بينهما يتّجه إلى مرحلة جديدة من التعاون الصناعي
الدفاعي، تُمثّلها المفاوضات بين شركة
Elbit Systems
الصهيونية ومجموعة
EDGE
الإماراتية بشأن طائرة .Hermes
900
وتكتسب هذه الصفقة أهمية تتجاوز قيمة الطائرة نفسها؛ إذ تشير التقارير إلى أنها قد
تشمل نقل التكنولوجيا والإنتاج المحلي، بما يسمح للإمارات بالانتقال تدريجيًّا من
موقع المستورد إلى موقع المنتج. وفي عام ٢٠٢٤ شكَّلت الدول المُوقِّعة على اتفاقيات
«أبراهام» نحو ١٢٪ من صادرات الأسلحة الصهيونية، التي قاربت ١٥ مليار دولار؛ وفق
الأرقام التي أوردتها «دينت».
وهكذا بدأت اتفاقيات «أبراهام» تنتج ما يمكن وَصْفه بـ«التطبيع الدفاعي»؛ حيث
تتحوَّل العلاقة من تبادل تجاري إلى تشبيك في الاستخبارات والدفاع الجوي والأمن
السيبراني والصناعات العسكرية. وهذا هو البُعْد الأكثر أهمية إستراتيجيًّا؛ إذ إن
بناء هذه الشبكات يخلق بيئة قادرة على جمع المعلومات وتبادلها، وتحسين الإنذار
المبكر، وربط القدرات الدفاعية، وتسهيل التعامل مع الأزمات قبل تحوُّلها إلى
مواجهات مباشرة.
ومن منظور الدولة العبرية، لا تقتصر وظيفة هذه البيئة على مواجهة إيران وحدها.
فالهدف الأوسع هو بناء شبكة إقليمية من المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية تجعل
الدولة العبرية جزءًا من البنية الإقليمية نفسها، وليس قوة منفصلة عنها. ولهذا يمكن
قراءة التطبيع باعتباره وسيلة لإنشاء شبكة مصالح متعددة المستويات: اقتصادية تمنح
الشركات الصهيونية وصولًا إلى رأس المال والأسواق الخليجية، واستخبارية تتيح تبادل
المعلومات، وسياسية توفّر قنوات نفوذ في العواصم العربية وواشنطن، ودفاعية تخلق
قابلية للتكامل في مواجهة أيّ تهديد مشترك.
غير أن هذا المسار يواجه بيئة إقليمية بدأت تتغير منذ السابع من أكتوبر عام 2023 في
الاتجاه المعاكس. فتركيا والمملكة العربية السعودية تعملان بصورة متزايدة على توسيع
التعاون السياسي والدفاعي، بما يفتح الباب أمام تشكّل مركز قوة إقليمي لا يقوم على
التطبيع مع الدولة العبرية.
وقد خلص تحليل حديث إلى أن التقارب التركي–السعودي يتسارع في مجالات الدفاع والطاقة
والسياسة الإقليمية، وأن البلدين يتقاطعان في معارضة الحرب الصهيونية على غزة، وفي
السعي إلى الحدّ من النفوذ الصهيوني المتنامي. كما أن اتفاق الدفاع المشترك الذي
وقَّعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة في أغسطس/آب ٢٠٢٦ يعكس اتجاهًا أوسع نحو
بناء قدرات أمنية إقليمية أقل اعتمادًا على المنظومة الأمريكية التي كشفت فشلها في
الحرب الأخيرة مع إيران.
وبذلك تتشكّل أمام المنطقة بيئتان إستراتيجيتان متداخلتان؛ شبكة صهيونية–إماراتية
تسعى إلى توسيع دائرة التطبيع وتحويل المصالح المشتركة إلى تعاون استخباراتي ودفاعي
واقتصادي. وبيئة مقابلة آخِذة في التشكُّل حول قوى إقليمية، في مقدّمتها السعودية
وتركيا، تسعى إلى تعزيز استقلال القرار الأمني الإقليمي. ولا يعني ذلك أن الطرفين
يُشكّلان تحالفًا صلبًا أو أن السعودية اختارت موقعًا صداميًّا مع الدولة العبرية؛
بل إن التطور الأهم هو أن الرياض وأنقرة تتحركان نحو بناء قدرة إقليمية ذات
استقلالية أكبر، بينما تعمل الدولة العبرية وأبوظبي على تعميق شبكة الارتباط
بالولايات المتحدة.
لهذا تبدو اتفاقيات «أبراهام»، بعد ست سنوات من توقيعها، أقل شبهًا بمعاهدة سلام
تقليدية وأكثر شبهًا بمشروع لإعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية. فالقيمة الأساسية
للتحالف الصهيوني–الإماراتي تكمن في قدرته على تحويل العلاقات السياسية إلى بنية
مستمرة من المصالح والمعلومات والتكنولوجيا والاستثمارات والتعاون الدفاعي التي
يمكنها التمدُّد في المنظومة الاقتصادية والاستخباراتية الخليجية.
وقد عبّرت «دينت» عن هذا التحوُّل بوضوح حين اعتبرت صفقة
Hermes
900 اختبارًا لمرحلة ما بعد «أبراهام»، يمكن أن تنقل التطبيع من المجال
الدبلوماسي–الاقتصادي إلى التعاون العسكري–الصناعي، وتساعد في بناء نموذج أمني
«متوافق مع الولايات المتحدة، وليس معتمدًا عليها».
ومِن ثَم، فإن التطور الأكثر أهمية ليس عدد الاتفاقيات التي وقَّعتها الإمارات مع
الدولة العبرية، وإنما طبيعة البيئة الأمنية الجديدة التي يجري بناؤها مِن قِبَل
الدولة العبرية في الإمارات ويجعلها طرفًا في تدفق المعلومات والسلع والاستثمارات
والتكنولوجيا والقدرات الدفاعية، وتمنحها في الوقت نفسه عُمقًا سياسيًّا
واقتصاديًّا داخل الخليج وامتدادات غير مباشرة إلى واشنطن.
وفي المقابل، فإن صعود ترتيبات إقليمية جديدة تقودها السعودية وتركيا يفتح مرحلة
أكثر تعقيدًا، لن يكون الصراع فيها محصورًا بين الدولة العبرية وإيران، بل سيتعلق
بمن يمتلك القدرة على تشكيل قواعد النفوذ في الشرق الأوسط خلال العقد المقبل.