• - الموافق2026/08/13م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
الهند حيث يُصان الحيوان ويُذبَح الإنسان!

إلى أي حد أصبحت قضية البقرة في الهند وسيلة لترسيخ خطاب الهندوتفا واستهداف المسلمين، وكيف كشفت ممارسات العنف والانتقائية السياسية عن تحوّل الرموز الدينية إلى أدوات للصراع على هوية الدولة في ظل التعدد الديني والثقافي المتزايد؟


لم تَعُد قضية البقرة في الهند مجرد مسألة دينية، أو تقليدًا ثقافيًّا خاصًّا ببعض الطوائف الهندوسية؛ بل تحوَّلت خلال السنوات الأخيرة إلى عنوان سياسي ضخم، وإلى أداة تعبئة انتخابية، وإلى مقياس للولاء الوطني في نظر بعض التيارات المتشدّدة.

ومع صعود حزب بهاراتيا جاناتا، وتصاعد خطاب «الهندوتفا» الذي يسعى إلى إعادة تعريف الهند بوصفها «هندو راشتر»؛ أي: دولة هندوسية الهوية والمرجعية؛ أصبحت البقرة أكثر من مجرد حيوان مقدَّس؛ فقد صارت رمزًا سياسيًّا، وسلاحًا اجتماعيًّا، وأحيانًا مبرّرًا لسفك الدماء وإشعال الكراهية والانقسام داخل مجتمع متعدّد الأعراق والأديان.

في السنوات الماضية سمع العالم كثيرًا عن حوادث قتل وسَحْل استهدفت المسلمين (والمسيحيين والطبقات المنبوذة من الهندوس)، وغيرهم تحت تهمة «تهريب الأبقار»، أو «أكل لحم البقر»، أو حتى مجرد الاشتباه بوجود لحم داخل الثلاجات المنزلية، تحوَّلت الشائعة أحيانًا إلى حكم إعدام فوري يُنفِّذه غوغاء الشوارع باسم حماية «غاو ماتا»؛ أي: «الأم البقرة»، ولم يَعُد الأمر مجرد تجاوزات فردية، بل أصبح جزءًا من مناخ عام، تُغذّيه خطابات سياسية وإعلامية متشدّدة، تُصوّر حماية البقرة بوصفها معركة هوية وحضارة ودين.

ولعل حادثة محمد أخلاق سنة 2015 كانت نقطة تحوُّل خطيرة في هذا المسار؛ ذلك الرجل المسلم البسيط الذي كان يعيش في قرية دادري بولاية أترا براديش، لم يكن يعلم أن شائعة أطلقها مُكبِّر صوت في معبد محلي حول وجود لحم بقر في منزله ستتحول خلال دقائق إلى مأساة دامية، اقتحم حشد غاضب بيته، وضربه حتى الموت أمام أُسرته، وأصاب ابنه بجروح خطيرة؛ فقط لأن البعض «اشتبه» بأنه أكل ما لا يريده المتطرفون أن يُؤكَل! لم يكن المشهد مجرد جريمة قتل، بل كان إعلانًا مرعبًا عن ولادة مرحلة جديدة يمكن أن يتحوَّل فيها الطعام الموجود في ثلاجتك إلى قضية حياة أو موت.

ثم تتابعت الأسماء والوجوه والضحايا؛ بهلو خان، تاجر الألبان الذي قُتِل في راجستان رغم امتلاكه وثائق رسمية؛ عليم الدين أنصاري الذي سُحِلَ حتى الموت؛ تبريز أنصاري الذي رُبِطَ إلى عمود وأُجبر على ترديد شعارات دينية قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة؛ ثم ناصر وجنيد اللذان عُثِرَ على جثتيهما محترقتين بعد اتهامهما بنقل الأبقار. كانت الرسالة واضحة: البقرة في بعض المناطق أصبحت أهمّ من الإنسان، وأصبح الدم البشري أرخص من الحيوان المقدس.

وفي خضم هذا المناخ المحتقن، جاءت تصريحات عدد من قادة حزب بهاراتيا جاناتا لتزيد النار اشتعالًا، ففي إحدى فعاليات «ساكال هندو سماج»، خرج نيتيش راني، الوزير وعضو المجلس التشريعي في مهاراشترا، بخطاب أثار عاصفة من الجدل، حين أعلن بصراحة أن الهند «هندو راشتر»، وأن مصالح الهندوس فوق الجميع، ولا مكان لشعار «سارو دهرم سمبهاو» الذي يقوم على المساواة بين الأديان.

لم يتوقف عند هذا الحد، بل وصف بعض المسلمين بـ«الثعابين الخضراء» و«الجهاديين»، محذرًا من «لو جهاد» (جهاد الحب)، و«لاند جهاد» (جهاد العقار)، ثم قال بلهجة حاسمة: «مَن يأكل الأبقار سيذهب إلى السجن، ولن نتسامح مع قتل الأبقار في هذا الهندو راشتر»(الدولة الهندوسية).

لم يكن هذا التصريح مجرد انفعال سياسي عابر، بل عكس بوضوح تحوُّلًا فكريًّا متصاعدًا داخل قطاعات من اليمين الهندوسي، يقوم على إعادة تعريف الهند باعتبارها دولة هندوسية الجوهر، وأن الآخرين مجرد ضيوف أو أجانب أو أقليات ينبغي أن تتكيَّف مع «الهوية الأصلية» للبلاد، وهنا تصبح البقرة رمزًا سياسيًّا أكثر منها قضية دينية، وتتحوَّل حمايتها إلى معيار للانتماء الوطني، بينما يصبح المسلم موضع شبهة دائمة حتى في عاداته الغذائية.

لكنّ المفارقة العجيبة ظهرت حين سُئِلَ سودانشو تريفيدي، المتحدث باسم حزب بهارتيا جاناتا، عن أكل لحوم الأبقار في ولايات الشمال الشرقي مثل آسام وغيرها؛ حيث تنتشر ثقافات محلية مختلفة، ويؤكل هناك «الميثُن» Mithun على نطاق واسع، وهو نوع بقري معروف علميًّا باسم Bos frontalis.

هنا تغيَّر الخطاب فجأة، وقال الرجل: «هذه ليست غو ماتا، اسمها ميثُن»، وكأن قداسة الحيوان تخضع أحيانًا للجغرافيا والسياسة والانتخابات! فإذا تعلق الأمر بولايات ذات حساسية انتخابية أو ثقافات قبلية خاصة، يصبح الحيوان «مختلفًا»، أما حين يتعلق الأمر بالمسلمين في الشمال والهند الوسطى، فإن القضية تتحول إلى معركة مقدسات وهوية وقوانين وسجون.

هذه الازدواجية تكشف أن المسألة ليست دائمًا دينية خالصة، بل سياسية وانتقائية في كثير من الأحيان، فالبقرة التي تصبح «أُمًّا مقدسة» في ولاية، قد تتحوَّل إلى «حيوان مختلف» في ولاية أخرى بحسب الحسابات السياسية والاجتماعية، وهنا يشعر كثير من المسلمين أن القضية لم تَعُد مرتبطة فقط بالعقيدة الهندوسية، بل باستخدام هذه الرمزية لفَرْض الهيمنة الثقافية والسياسية على الأقليات.

وفي ولاية البنغال الغربية ظهر شكل آخر من هذا التوتر، فبعد صعود نفوذ هذا الحزب الحاكم في الولاية والتربع على عرشها، صدرت قرارات تمنع ذبح الأبقار علنًا، ولا تسمح إلا بذبح الحيوانات العجوز أو العاجزة تمامًا بشهادات رسمية، هذا المناخ دفَع بعض علماء المسلمين هناك إلى دعوة المجتمع المسلم إلى تجنُّب شراء الأبقار للأضاحي في عيد الأضحى، والاكتفاء بالماعز والأغنام، ليس تراجعًا عن الشعيرة، بل محاولة لتجنُّب الفتن والصدامات والتحريض الإعلامي، بل إن بعضهم ذهب أبعد من ذلك حين اقترح منح الأبقار صفة «الحيوان الوطني»؛ حمايةً للسِّلم المجتمعي، ومنعًا لاستغلال هذه القضية في تأجيج الكراهية؛ فجاء رد الحكومة بأنه يُسمَح بأكل البقرة التي تبلغ من العمر ١٤ عامًا فما فوق، ولعل أكل الجدة لا بأس به، النزاع في الأم فقط.

إنه مشهد بالغ الغرابة؛ المسلم الذي يملك حقًّا دستوريًّا في ممارسة شعائره بات يفكر ألف مرة قبل شراء بقرة، ليس خوفًا من القانون فقط، بل خوفًا من الشارع، ومن مقاطع الفيديو المُحرِّضة، ومن الجماعات التي نصَّبت نفسها حارسًا على الطعام والعقائد والهوية الوطنية. لقد تحوَّل عيد الأضحى عند بعض المسلمين في الهند من موسم فرح وعبادة إلى موسم حذر وقلق ومراقبة.

والمفارقة الأكثر سخرية؛ أن هذه السياسات والخطابات لم تَضُرّ المسلمين وحدهم، بل أضرّت أيضًا بآلاف الهندوس الفقراء الذين يعتمدون اقتصاديًّا على بيع الأبقار وتربيتها، ففي مواسم الأضاحي كانت الأسواق تنتعش، وكان الفلاحون يبيعون مواشيهم، ويُسدّدون ديونهم، ويُحرّكون عَجلة الاقتصاد المحلي، لكن مع تصاعُد الخوف والمقاطعة بدأت الأسواق تدخل في حالة ركود، وأصبحت الأبقار عبئًا اقتصاديًّا على كثير من أصحابها، خصوصًا بعد تقدُّمها في العمر أو توقُّفها عن الإنتاج، وفي بعض القرى أصبحت الأبقار السائبة تُدمِّر المحاصيل الزراعية؛ لأن أصحابها لا يستطيعون بيعها ولا إطعامها، بينما السياسيون يواصلون خطاباتهم الحماسية عن «قداسة البقرة»، دون أن يقدّموا حلًّا اقتصاديًّا حقيقيًّا للفلاحين.

الهند اليوم تبدو وكأنها تعيش صراعًا بين صورتين؛ صورة الدولة المدنية الحديثة التي قامت على أفكار غاندي ونهرو والدستور العلماني، وصورة «الهندو راشتر» التي تريد إعادة صياغة البلاد على أساس ديني وهوياتي ضيّق، وفي قلب هذا الصراع تقف البقرة باعتبارها رمزًا دينيًّا وسياسيًّا، بينما يقف الإنسان العادي -مسلمًا كان أو هندوسيًّا فقيرًا-، يدفع ثمن هذا الاستقطاب والكراهية.

إن المشكلة الحقيقية ليست في احترام الحيوان؛ فالرحمة بالحيوان خُلق إنساني نبيل، والإسلام نفسه جعل في سَقْي كلب أجرًا عظيمًا، لكنّ الكارثة تبدأ حين يصبح الحيوان أقدس من الإنسان، وحين يتحوّل الدفاع عن البقرة إلى مُبرِّر للكراهية وسفك الدماء وتمزيق المجتمع، الحضارة الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد القوانين التي تحمي الحيوانات، بل بقُدرتها على حماية الإنسان الضعيف، وصيانة كرامته، ومنع تحويل الشائعات إلى أحكام إعدام ميدانية.

والسؤال الذي يطارد الهند اليوم ليس: كيف نحمي البقرة؟ بل: كيف نحمي الإنسان نفسه من التحوُّل إلى ضحية دائمة للهوية والكراهية والسياسة؟ لأن المجتمع الذي يبكي على الحيوان ثم يُبرِّر قتل البشر، لا يعيش أزمة قوانين فقط، بل يعيش أزمة ضمير ومعنى وإنسانية.

أعلى