هل يتحول الصراع التركي الصهيوني من مواجهة دبلوماسية إلى صراع استراتيجي متعدد الجبهات، توظف فيه أنقرة القانون والدبلوماسية والنفوذ العسكري والبحري لاحتواء تل أبيب، وإعادة رسم معادلات القوة في سوريا والبحر الأحمر والقرن الإفريقي؟
لم تكن اتفاقيات «أبراهام» في سبتمبر/أيلول ٢٠٢٠ نقطة البداية في العلاقات
الصهيونية-الإماراتية، بقَدْر ما كانت اللحظة التي انتقلت فيها علاقة تراكمت على
مدى سنوات من المجال السري وغير الرسمي إلى الإطار الدبلوماسي المُعلَن.
لم يكن يَخطر ببال أحدٍ أن تنقلب العلاقات التركية «الإسرائيلية» من الشَّراكة
الإستراتيجية عبر عقود من الزمن إلى خصومة كبيرة حتى الآن، وربما تطوَّرت لاحقًا
إلى ما هو أبعد من ذلك. إلا أن النصف الثاني من عقد العشرينيات أرْسَى قواعد جديدة
لعلاقة مُعقَّدة لا تُقاس فقط بحدّة البيانات الدبلوماسية، بل بحجم التحركات
الجيوسياسية الممتدة من أحياء شرق المتوسط إلى عُمق القرن الإفريقي.
إن فَهْم التحولات الراهنة يتطلّب فهمًا أوسع لمجالات الصراع المتعدّدة، بدءًا من
ساحات القضاء الدولي، مرورًا بإدارة الأزمات في الساحة السورية، وصولًا إلى خنق
الممرات المائية في البحر الأحمر وباب المندب، فضلًا عن التحوُّلات الهيكلية في
العقيدة العسكرية لكلتا الدولتين.
الجبهة القضائية والدبلوماسية.. «النشرة الحمراء» وتعرية الحصانة
لم تَعُد المُلاحَقة القانونية بين أنقرة وتل أبيب مجرد خلاف سياسي للاستهلاك
الإعلامي المحلي، بل تحوَّلت في الفكر التركي إلى شبكة مُلاحَقة دولية مُحكَمة
تُجرِّد القيادات «الإسرائيلية» من غطائها الدبلوماسي، وتفرض عليها قيودًا على
الحركة والتنقُّل.
وبدَت هذه الملاحقات القانونية بوضوح في الطلب الرسمي الذي قدَّمته وزارة العدل
التركية إلى وزارة الداخلية لمخاطبة منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول)،
بغرض إصدار «نشرة حمراء» بحق رئيس الوزراء «الإسرائيلي» «بنيامين نتنياهو» ومسؤولين
آخرين.
تأتي هذه الخطوة تنفيذًا لأوامر القبض الصادرة عن المحكمة الجنائية العليا الـ11 في
إسطنبول ضمن القضية رقم 108/2026، والتي تُلاحِق عشرات المتّهمين على خلفية
الاعتداءات العسكرية المُباشِرة واحتجاز الناشطين الدوليين على متن «أسطول الصمود
العالمي» في المياه الدولية.
تتجاوز قائمة الاتهامات المُوجَّهة لنتنياهو التكييف القانوني التقليدي للاحتجاز
التعسُّفي، لتصل إلى اتهامات ثقيلة بـ«الإبادة الجماعية»، و«الجرائم ضد الإنسانية»،
و«التعذيب»، و«الحرمان المُشدَّد من الحرية». ووفق هذا المنظور القانوني، تهدف
تركيا إلى استغلال حالة التآكل المتزايدة في الحصانة القانونية الممنوحة
لـ«إسرائيل» على الساحة الدولية، خاصةً بعد مذكرات التوقيف التي أصدرتها المحكمة
الجنائية الدولية في لاهاي عام 2024 بحق قيادات «إسرائيلية».
وتعلم أنقرة أن «النشرة الحمراء» ليست مذكرة توقيف مُلزِمة بذاتها لكل الدول؛ إلا
أن نقل القضية إلى القنوات الشرطية والقضائية الدولية يفرض واقعًا جديدًا يجعل حركة
المسؤولين «الإسرائيليين» على درجة عالية من الحذر؛ حيث أصبحت مُثقَلة بالمخاطر
القانونية، ويؤكد رسالة مفادها أن تركيا لن تَقبل بتصوير الإدارة «الإسرائيلية» على
أنها كيان فوق القانون أو مُحصَّن ضد العقاب.
الساحة السورية.. مسرح «الصبر الإستراتيجي»
أصبحت الساحة السورية نقطة التماس الأكثر التهابًا بين المصالح التركية
و«الإسرائيلية». ففي الوقت الذي تسعى فيه «إسرائيل» إلى توجيه ضربات عسكرية
استباقية، ومنع أيّ وجود عسكري تركي في سوريا يُهدّد حدودها الشمالية؛ أظهرت
الغارات الجوية «الإسرائيلية» التي استهدفت مطار «أبو الظهور» العسكري في ريف إدلب
رغبةً صريحة من تل أبيب في استدراج أنقرة إلى مواجهة مباشرة ومُكلّفة داخل الأراضي
السورية. غير أن قراءة السلوك التركي يُؤكّد أن أنقرة ترفض الانجرار إلى ردود أفعال
عاطفية وسريعة تُرضِي الشارع، لكنها تُحقّق مآرب الاحتلال «الإسرائيلي» في فَرْض
حرب غير محسوبة داخل بيئة مُعقَّدة التوازنات، وهو ذات الفكر الذي أدارت به القيادة
التركية أزمة إسقاط الطائرة الروسية عام 2015؛ حيث فُضِّل نَزْع فتيل المواجهة
المباشرة السريعة، وإدارة الأزمة عبر القنوات الخلفية والدبلوماسية الحَذِرة للحفاظ
على المصالح العليا وتجنُّب الاستدراج.
فتركيا تختار معركتها وزمانها بعناية، مُحوِّلة الرقعة السياسية من رَدّ مباشر
بالصواريخ يُعطي نتنياهو مبررًا لتوسيع عملياته العسكرية وتحقيق مكاسب انتخابية،
إلى إستراتيجية استنزاف هادئة طويل الأمد. هذا «الصبر الإستراتيجي» لا يُعبِّر عن
ضَعْف أو تراجُع ميداني، بل يُمثِّل فهمًا واعيًا لطبيعة إدارة الأزمات الكبرى؛ حيث
يُصبح تجنُّب الطُّعم العسكري خطوةً لا بد منها لإحباط خُطَط الخصم وإجباره على
استهلاك موارده في معارك جانبية.
القرن الإفريقي وباب المندب.. الرد الهادئ في الملعب الخلفي
إذا كان القصف «الإسرائيلي» يستهدف الملاعب القريبة في الساحة السورية لمنع
التمدُّد العسكري؛ فإن الرد التركي الحقيقي يتشكّل في مسرح أشد تأثيرًا وأهميةً في
جبهات أخرى أشد تأثيرًا، ومنها: القرن الإفريقي ومدخل البحر الأحمر. وتعتمد تركيا
في هذا الملف على نقل ثِقَلها العسكري والدبلوماسي إلى عمق المحيط الهندي وخليج
عدن. فبينما ينشغل الاحتلال بمحاولات تأمين حدوده المباشرة، تُحاصره أنقرة جنوبًا
عبر ترسيخ حضورها العسكري والتنموي في الصومال. ويبرز ذلك من خلال تطوير وتوسيع
قاعدة «تركصوم» العسكرية في مقديشو، وإدارة الموانئ والمطارات الإستراتيجية،
والاستثمار المباشر في قطاعات الطاقة والبنية التحتية.
ويعمل هذا الوجود التركي المتصاعِد على تحقيق أهداف مُهمَّة وحاسمة، تأتي في
مقدّمتها:
1-حماية وحدة الأراضي الصومالية:
حيث تقف تركيا سدًّا منيعًا أمام المحاولات «الإسرائيلية» لبناء نفوذ أمني، أو
الحصول على موطئ قدم في إقليم صوماليلاند المنفصل، مما يُجْهِض مخططات «إسرائيل»
لتطويق المنطقة الجنوبية.
2-تأمين الممرات البحرية:
يُعدّ البحر الأحمر وباب المندب الشريان الحيوي للتجارة «الإسرائيلية»؛ ووجود القوة
البحرية والعسكرية التركية على طول هذه الممرات يَفْرض واقعًا جغرافيًّا يجعل أمن
الملاحة «الإسرائيلية» رهينًا بالتوازنات التي تشارك أنقرة في صيغتها.
3-تشتيت الموارد «الإسرائيلية»:
يُجْبِر هذا الانتشار التركي تل أبيب على توزيع جهدها العسكري والاستخباراتي على
جبهات مُتعدّدة وتباعد جغرافي شاسع، بدلًا من التركيز على جبهة واحدة.
هنا يتجلى الفرق الجوهري بين الرد الانفعالي المباشر والردّ الإستراتيجي المُركّب؛
فالأول يمنح الخصم مبررات للتصعيد الفوري، بينما الثاني يبني جغرافيا هادئة تُوجِّه
الضربات التأثيرية؛ حيث تكون التكلفة على الخصم أعلى وعلى أنقرة أقل.
العقيدة العسكرية «الإسرائيلية» واختلال معادلة الردع
أحدَث هذا التمدُّد التركي المُرَكَّب (القانوني في إسطنبول، والهادئ في سوريا،
والإستراتيجي في مقديشو)؛ تقييمات أمنية واستخبارية مُعقَّدة داخل الكيان الصهيوني،
انعكست بوضوح في تقارير الأجهزة الأمنية والنقاشات العسكرية العبرية.
فقد أكَّدت تقارير أمنية «إسرائيلية» بأنّ مواجهة دولة بحجم تركيا، بجيشها النظامي
المُجهَّز تقنيًّا وبِنْيتها الصناعية العسكرية المستقلّة والمتطوّرة؛ تُعدّ خيارًا
مُكلِّفًا وغير مضمون العواقب. وقد ذهبت القنوات والمؤسسات البحثية «الإسرائيلية»
إلى الإشارة بأنّ أيّ مُواجَهة افتراضية مع تركيا -ولا سيما في الساحة البحرية بشرق
المتوسط- قد تتطلب من «إسرائيل» بناء جيش جديد وقدرات تسليحية غير مسبوقة للتعامل
مع هذا التحدّي.
وتتزامَن هذه التقارير مع تحذيرات داخلية صدرت عن المؤسسة العسكرية «الإسرائيلية»
بشأن وصول المخزون التسليحي إلى «الخط الأحمر»، والحاجة الماسّة إلى تمويلات عاجلة
لإعادة مَلْء الملاجئ والمخازن نتيجة الاستهلاك المُفْرِط في الحروب متعدّدة
الجبهات.
هذا الواقع يضع «إسرائيل» أمام معادلة ردع جديدة؛ فتركيا ليست مجرد فصيل مسلّح أو
طرف غير نظامي، بل هي عضو بارز في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، يمتلك قدرات تصنيع
عسكري ذاتية في مجالات المُسيَّرات، والقِطَع البحرية، وأنظمة الدفاع الجوي، ممّا
يُقلّل من قيمة التهديدات «الإسرائيلية» التقليدية.
التوازنات الدولية ومواقف القوى العظمى
أمام هذا التصعيد متعدّد الأبعاد؛ تجد واشنطن نفسها في موقف حَرِج يُحتّم عليها
السعي للحد من تدهور العلاقات بين شريكين رئيسيين في المنطقة؛ فقد حثّت وزارة
الخارجية الأمريكية كلًّا من أنقرة وتل أبيب على الحوار وضبط النفس، مؤكدةً أن
الاستقرار في الشرق الأوسط يتطلّب الحفاظ على القنوات الدبلوماسية مفتوحة.
في المقابل، تحاول الإدارة الأمريكية الموازنة بين دعمها لـ«حق «إسرائيل» في الدفاع
عن نفسها»، وبين ضرورة احترام سيادة واستقرار سوريا والاعتراف بالنفوذ التركي
الإقليمي. إلا أن هذا التوازن الأمريكي يبدو هشًّا أمام عُمْق الخلافات؛ إذ تُدرك
أنقرة أن واشنطن غير قادرة على كَبْح السياسات «الإسرائيلية» بشكلٍ كامل، مما يدفع
تركيا إلى مواصلة بناء شبكة من التحالفات الإقليمية والاعتماد على قدراتها الذاتية
لفرض معادلة التوازن.
وقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن التنافس التركي «الإسرائيلي» تجاوَز مرحلة الخطابات
الدبلوماسية ليصبح صراعًا معقدًا طويل الأمد؛ تُوظَّف فيه لغة القانون الدولي عبر
مذكرات التوقيف، وتُدار فيه الجبهات الميدانية بـ«الصبر الإستراتيجي»، بينما تُحسَم
معاركه الحقيقية في خطوط الملاحة والممرّات البحرية المؤثرة، وربما تحوَّل الصراع
التركي «الإسرائيلي» إلى صراع عقيدة، وربما إلى صراع وجود، وهذا ما ستُسْفِر عنه
الأحداث، وإن غدًا لناظره قريب.