كيف غيّر دخول الحوثيين على خط الحرب الإقليمية طبيعة الصراع في اليمن، ولماذا قد يمثل قرارهم التصعيدي خطأً إستراتيجيًا يهدد مكاسبهم، ويعيد تشكيل المواقف الخليجية والدولية تجاههم، ويفرض مواجهة جديدة، ويضع مستقبل نفوذهم أمام اختبار صعب؟
• الحوثيون دشَّنوا حربًا إقليمية أرادها ترمب ونتنياهو!
• لم يلتحق الحوثيون بمعركة الدفاع عن إيران ضد أمريكا و«إسرائيل»...
وعادوا لإطلاق شرارة حرب ضد دول الخليج العربي؟ لماذا؟
• الحوثيون أشعلوا حربًا ذات طابع داخلي وإقليمي ودولي... فهل توفّرت الفرصة
لتكرار ما حدث في سوريا؟
• كيف أخطأ الحوثيون في حسابتهم الإستراتيجية في هذه المرحلة؟
• ترمب لم يُقرّر حَسْم المعركة ضد إيران وأبعد
«إسرائيل» وفتح الباب لحرب عربية-إيرانية!
بات ضروريًّا فَهْم الإطار الإستراتيجي العام لحركة الصراع والحرب، بعدما اختلطت
الأمور، بسبب طول الحرب وتعدُّد مراحلها، والانتقال من قضية إلى أخرى على الصعيد
السياسي والتفاوضي، وتعدُّد الأطراف وتباين مواقفها. ومن قبل ومن بعد، بسبب التشويش
الإعلامي -سواء المقصود منه أو الناتج عن عدم الفهم والإدراك-، وأخطر ما فيه اعتماد
كثيرين على التصريحات السياسية والتقارير الإعلامية، كأساس لقراءة إستراتيجيات
الصراع وتطورات الحرب!
وإذا عُدْنا لأبسط القواعد، نجد أن الكُتّاب والمنظّرين الإستراتيجيين يُركّزون
دومًا على ضرورة الربط الدقيق بين الإضعاف التكتيكي للخصم، والتقدم نحو تحقيق الهدف
الإستراتيجي، وعلى أن الضربات التكتيكية والحروب متعددة المراحل، يجب أن تتمحور
دومًا حول الدفع نحو الهدف الإستراتيجي. وأن الحركة والانتقال مما هو تكتيكي إلى ما
هو إستراتيجي، يتباين ويختلف بحسب خطة كل حرب. فالحروب التي تعتمد خطط الغزو البري
لإسقاط النُّظم، تعتمد القصف الشامل والهجمات البرية السريعة. والحرب الوقائية
تعتمد القصف الجوي والضربات الخاطفة المفاجئة، أو احتلال بعض المواقع لتدمير أكبر
قَدْر من القوة العسكرية، دون الاحتلال الكامل للأرض وإسقاط نُظم الحكم. وهناك حروب
تجري فعالياتها لإضعاف الخصم تدريجيًّا وفتح الأبواب لإدخال جيوش دول أخرى
وميليشيات، لإثارة فوضى شاملة، وتستهدف تغيير التوازنات في إقليم بعينه... إلخ.
وذلك ما يعتمده الرئيس الأمريكي، وما يقال من أن ترمب بدأ الحرب بقناعة وخطة
«إسرائيلية» بأن قتل القيادة الإيرانية بضربة واحدة في بداية الحملة العسكرية كان
كافيًا لإنهاء الحرب باستسلام النظام الإيراني، ليس إلا لغوًا إعلاميًّا، وربما أحد
خطط الإعلام التي تستهدف التعمية وإرباك العقول في المنطقة العربية تحديدًا.
ولفهم جوهر خطة ترمب، يجب العودة إلى تصريحاته وانتقاداته -منذ سنوات طويلة قبل
الوصول للبيت الأبيض- للغزو البري للعراق. وفي ذلك، ينبغي التشديد على أن الحرب
الجارية لن تتوقف إلا بتحقيق أهداف كبرى في الإقليم. وبمعنى أدق، فالولايات المتحدة
ستواصل إستراتيجيتها التي تستهدف التدمير التدريجي للقدرات الإيرانية العسكرية
والصناعية عبر الضربات المتدرّجة، وقد قصفت نحو 6 آلاف هدف عسكري واقتصادي -وهي
بالمناسبة نفس إستراتيجية روسيا تجاه أوكرانيا-، وأن المفاوضات ثم العودة للقتال أو
القصف، لا علاقة لها إستراتيجيًّا -وإنما تكتيكيًّا- بمضيق هرمز؛ إذ ما يجري هدفه
ترويض إيران (بأقل الخسائر البشرية)، وتغيير التوازنات وفتح المسارات لاندلاع حرب
عربية إيرانية -بعد استبعاد إسرائيل- وفق نظرية الاحتواء المزدوج للعرب وإيران.
ويؤكد الكُتّاب والمُنظِّرون الإستراتيجيون، أن تجارب الحروب متعددة الدول
والجبهات، قد أضافت مبدأ الربط بين الحركات التكتيكية والإستراتيجية في جبهة ما،
وإستراتيجية العمل في الجبهات الأخرى؛ إذ تصبح الإستراتيجية متَّسعة ومترابطة رغم
تعدُّد الجبهات.
ولعل واحدة من أهم ملامح هذا النمط، هو العمليات التكتيكية والتعبوية التي تجري على
إحدى الجبهات، لمنع الخصم من تركيز قواته والضغط عليه لنشرها والاستمرار في
توزيعها. ومثال ذلك: ما اعتمدته إيران في عدم الزَّجّ بالحوثيين -والميليشيات
الإيرانية في العراق- في حرب الأربعين يومًا، فيما زجَّت بحزب الله بسبب مشاركة
القوات الإسرائيلية في تلك الضربات.
وإذ ما تزال مسألة إستراتيجية الحرب الأمريكية غير واضحة عند الكثيرين، فقد أجابت
الأحداث الأخيرة عن التساؤلات التي طُرحت، حول أسباب عدم دخول -أو زجّ- الحوثيين في
الحرب، فور بَدْء الضربات الأمريكية الصهيونية على إيران، رغم الارتباط الإستراتيجي
أو بسبب كون الحوثيين جزءًا من قوات الحرس الثوري الإيراني.
لقد زجّت إيران بالحوثيين -والميليشيات الإيرانية في العراق- في المعركة الآن، ضمن
إطار إشعال حرب إقليمية -اعتمدتها إيران كنظرية حرب لها منذ سنوات-، وأرادتها وعملت
عليها الولايات المتحدة وإسرائيل قبل إطلاق الحرب الأخيرة!
كانت هناك عدة أسباب لعدم زجّ إيران بالحوثيين في حرب الأربعين يومًا، منها أن
إيران قد وفّرت لنفسها وجود قوة الحوثيين كاحتياطي إستراتيجي وقوة ضغط على جبهات
بعض الدول الخليجية، للتأثير على قرار خوضها للحرب أو مساندة جبهات أخرى. وقد يكون
الأمر عائدًا لتجنيب قوة قادرة على الضغط على دول إقليمية أخرى مستفيدة من الممر
الدولي للبحر الأحمر، بما يجعلها لا تُقدم على التصعيد في مواجهة إيران بشأن مضيق
هرمز.
وترى بعض الدراسات أن الحوثي كان قد تعرَّض لضربات شديدة من القوات الأمريكية
والصهيونية في وقت سابق -انتهت إلى اتفاق-، وأن دخوله الحرب إلى جانب إيران خلال
حرب الأربعين يومًا كان أمرًا خطرًا؛ إذ كانت قواته بحاجة إلى ترميم قدراتها، وأن
إضعافها في معركة الأربعين يومًا كان يُفقد إيران وجود احتياطي إستراتيجي لها،
وجوده ضروري في معركة متوسعة المساحة وطويلة الزمن. كما أن الزجّ بهم في حرب إيران
ضد أمريكا وإسرائيل قد يمنح قوات الشرعية المدعومة من التحالف العربي فرصة التحرك
والضغط البري في الداخل اليمني... إلخ.
وقد يعود السبب إلى أن إيران كانت تُخطّط للرد على الحرب الأمريكية متعددة المراحل،
بحرب بلا قواعد وبلا خطوط حمراء، تستهدف خلالها تدمير المنشآت النفطية ومحطات
الطاقة في دول الخليج، وأنها رتَّبت للحوثيين دورهم في قصف المملكة العربية
السعودية تحديدًا.
لقد أصبح أمر الحوثيين مكشوفًا ضمن تلك الإستراتيجية.
لقد افتعل الحوثيون قضية فك حصار مطار صنعاء -بذريعة الطائرة القادمة من طهران-،
لكنّهم تحوّلوا سريعًا للارتباط بما أعلنته إيران من معادلة: «إما أن نُصدِّر النفط
جميعًا أو لن يُصدِّر أحد نفطه»، وهكذا ظهر أن الحوثيين دخلوا الحرب مساندةً
لإيران، في أول الأمر ونهايته، وأنهم دخلوا الحرب بعد نهاية جولة القصف الأمريكي
لثلاثة عشر يومًا -مع استبعاد إسرائيل-، بما اعتبروه فرصة للحركة واستمرار الضغط
ولإظهار القدرة الإيرانية على الحركة في الإقليم، في مرحلة توسُّع الحرب التي ذهبت
الآن باتجاه قصف دول أخرى.
وفي ذلك يمكن القول بارتكاب الحوثيين خطأً إستراتيجيًّا -داخليًّا وإقليميًّا
ودوليًّا-، وأن النتائج لن تكون لا لمصلحة الحوثيين ولا لمصلحة إيران. لقد دشّنوا
معركة وحربًا شاملة، دون حسابات دقيقة لردّ فِعل الطرف الآخر، ذلك أن الحرب لا تجري
إلا بوجود طرفين، ويتغير مسارها ونتائجها بمواقف ورؤية الطرف الآخر.
سؤال الساعة الآن، لم يعد كما كان خلال حرب الأربعين يومًا. سؤال الساعة الآن: هل
اتخذ الحوثيون قرارًا صحيحًا، أم أنهم اختاروا الوقت الخطأ، سواء بالنسبة لهم أو
لإيران؟ وهل نحن أمام معركة مثل سابقاتها في اليمن، أم أننا إزاء معركة ذات طابع
داخلي وإقليمي مختلف، لن تكون نتائجها لمصلحة الحوثيين أو إيران؟
لماذا تحرك الحوثيين الآن؟
لقد أطلق الحوثيون شرارة تلك الحرب بقرار إيراني، وربما تحت ضغط إيراني.
قصة البداية تكشف ذلك؛ إذ اخترق الحوثيون الهدنة السارية مع الشرعية اليمنية
والتحالف، وما تشمله من وقف العمل في مطار صنعاء وفق قرار أممي، وباشروا تبرير
اعتداءاتهم لاحقًا بأسباب من خارج إطار موضوع المطار والطائرة، ولم تكن مصادفة أن
جاء فعل الحوثيين في نفس إطار شعار إيران، بشأن عدم تصدير النفط.
فجأة أُعلن عن قدوم طائرة إيرانية للهبوط في مطار صنعاء -كانت تُقِلّ وفدًا حوثيًّا
شارك في جنازة خامنئي- لكسر الحصار على المطار، وهو ما أدَّى إلى اتخاذ تحالف دعم
الشرعية قرارًا بقصف مدرج المطار لمنع هبوط تلك الطائرة.
ورغم أن قرار التحالف لم يكن إسقاط الطائرة، كما لم يَجْرِ قصف المطارات اليمنية
الأخرى الواقعة ضمن الحظر، بما سمح للطائرة بالهبوط في مطار الحديدة -الواقع تحت
سيطرة الحوثيين-، إلا أن الحوثيين طوّروا الأمر بإعلان مقولة الحصار بالحصار،
وقصفوا مناطق بالمملكة العربية السعودية، وأتْبعوا ذلك بالتعرض للسفن التجارية
السعودية المتجهة للمرور عبر مضيق باب المندب.
وفي فهم الأسباب التي دفعت الحوثيين لإطلاق شرارة الحرب، تتعدَّد الأسباب التي يمكن
تقديمها لفهم سبب هذا القرار. ويمكن القول بأن ثمة حُزمتين من الأسباب:
حزمة الأسباب الأولى تتعلق بتقديرات مصالح الحوثيين أنفسهم، ويمكن تلخيصها في
التالي:
1- الخوف والقلق من تطوُّر حركة الصراع. وهنا تتعدد الجوانب، وأهمها أن القوة
العسكرية والصناعية الإيرانية تعرضت إلى ضربات خطيرة. وهو ما يعني ضَعْف القدرة
الإيرانية على تصدير السلاح للحوثيين، وهو تخوُّف تعمَّق أكثر بعد فرض الولايات
المتحدة الحصار على إيران، بما أضعف قدرة السفن الإيرانية على إيصال السلاح
للحوثيين.
2-الخوف والقلق من تطوُّر قدرات الشرعية اليمنية؛ إذ لا شك أن الحوثيين تابعوا
تنامي قوة الشرعية بعد انتهاء الانقسام في الجنوب، وبفعل الهدنة.
3-القلق من أن تقوم الشرعية اليمنية باستثمار فرصة انشغال إيران في مواجهة القصف
الجاري على أرضها لتوجيه ضربات للحوثيين، تحت تقدير بضعف الحوثيين بضعف إيران.
4-وفي الجانب الإيجابي، يسعى الحوثيون -وفق منطق العصابات الميليشياوية-، للحصول
على مكاسب اقتصادية ومالية من مرور السفن عبر باب المندب، ضمن إطار مشروعهم ولتشكيل
منظومة تحقّق لهم قدرًا من القوة، وربما الاستعداد لمرحلة تضطرهم الظروف إلى تقليل
الاعتماد على إيران.
والحزمة الثانية خاصة بالطرف والطلب الإيراني الآن، ويمكن تلخيصها فيما يلي:
1-يمكن القول بأن إيران طلبت دخول الحوثيين على خط الأزمة الآن؛ لحاجتها لتوسيع زخم
الحركة العسكرية في الإقليم، وتوسيع قدرتها على إرهاب دول الخليج، تمددًا من الكويت
والبحرين إلى المملكة العربية السعودية، وهو ما يشير لتغيير في الحركة العسكرية
الإيرانية.
كانت الرؤية الإيرانية خلف تشكيل الميليشيات في الإقليم، تقوم على بناء خط دفاع أول
عن الجغرافيا الإيرانية، وبناء سور ناري لمحاصرة دول الخليج، بما يشلّ قدرتها على
مواجهة إيران. لكن الولايات المتحدة كرّست ضرباتها على الجغرافيا الإيرانية بشكل
مباشر، وأصابت القدرات العسكرية والصناعية الإيرانية، وعطّلت حركة الاقتصاد، وباتت
تفكّك أواصر التواصل بين مكونات الجغرافيا الإيرانية، بما تخطّى فعالية دور تلك
الميليشيات. والآن، عادت إيران لتفعيل العمل العسكري الميليشياوي في مواجهة دول
الخليج، لتوسيع رقعة الحرب وإثارة الفوضى في الإقليم، لتخفيف الضغط على الجغرافيا
الإيرانية، وللضغط على دول الخليج عسكريًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا إلى أقصى مدى.
2-الطلب الإيراني، وإن كان تكتيكيًّا -يرتبط بهذه المرحلة- لتشديد فعالية المعادلة
التي تحدث عنها الإيرانيون بشأن تصدير النفط، لكنّه حمل تخصيصًا لدور الحوثيين
بالتركيز على منع تصدير نفط المملكة العربية السعودية عبر باب المندب والبحر
الأحمر.
3-وهو أمر يرتبط بتطوير الحركة الإستراتيجية لإيران، وصولًا إلى أهداف الإستراتيجية
العليا المعتمدة على تشكيل الهلال الشيعي لإحاطة دول الخليج بسور من المجموعات
والفصائل الميليشياوية التابعة للحرس الثوري. ويزيد من هذا التقدير في البندين (2
و3) دفع إيران للميليشيات التابعة لها بالعراق للهجوم على الكويت وعلى مناطق النفط
في المملكة العربية السعودية.
4-وهو طلب إيراني ومحاولة لإدخال الميليشيات الإيرانية في الإقليم -في العراق
واليمن- على خط المفاوضات والترتيبات الجارية في الإقليم، حتى لا يكون هناك اتفاق
بين إيران وأمريكا، تُستبعَد خلاله ميليشياتها ودورها، في تكرار لتجربة الربط بين
المعركة ضد إيران والمعركة ضد ميليشيا حزب الله.
تغيير طبيعة المعركة ضد الحوثيين
يمثل دخول الحوثيين على خط منع وإعاقة تصدير نفط المملكة العربية السعودية، وتحركهم
بشكل صريح ومباشر ضمن المخطط الإيراني لوقف تصدير النفط من كل دول الخليج، تغييرًا
لطبيعة المعركة حول اليمن. ويمثل تغييرًا لطبيعة المعركة الجارية في الإقليم،
بإضافة باب المندب والبحر الأحمر إلى مضيق هرمز، وهو ما يجعل الصراع إقليميًّا على
نحو شامل ودوليًّا أيضًا.
تتغير دوافع الحوثيين للحرب عما كان سابقًا. كانت معركتهم الأولى ودوافعهم هي
السيطرة على الحكم والأرض والمجتمع في اليمن خلال حكم الرئيس علي عبد الله صالح،
ومواجهة قوات الشرعية وقوات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية -في
مرحلة لاحقة-، يتحركون الآن كقوة إقليمية في معركة ذات طابع إقليمي ودولي، يؤثر على
مصالح العديد من الدول في الإقليم ومصالح الدول الكبرى، مثل الصين وكوريا واليابان
والهند وأوروبا. والنتيجة هنا أن الموقف الدولي سيشهد اختلافًا كليًّا، ليس فقط لأن
الحوثيين هم من أشعلوا الحرب، ولكن لتضرُّر مصالح الكثير من الدول وعلى نحو خطير،
بحكم التزامن مع أزمة الطاقة التي يشهدها العالم الآن.
وفي الاتجاه المقابل، تتخطى الدوافع، لدى دول الخليج -أو بعضها- مسألة دعم الشرعية
في اليمن، إلى إخراج الحوثيين من معادلة الصراع اليمني والإقليمي، ومن معادلة
التأثير على المصالح الاقتصادية للخليج باتجاه البحر الأحمر وباب المندب ومضيق
هرمز.
مكامن الخطأ الإستراتيجي
تتعدَّد جوانب الخطأ الإستراتيجي في قرار الحوثيين بإشعال تلك الحرب. وتلك هي طبيعة
القرارات التي يتم اتخاذها نتيجة الارتهان لمصالح دولة أخرى.
وأول تلك الأخطاء أن الحوثيين لم يقدّروا حجم قوتهم ودورهم في إطار معركة كبرى في
الإقليم، ولم يدركوا طبيعة التغيير الحادث في وضع الشرعية وقواتها ما بعد التغيير
الذي حدث في وضع جنوب اليمن. وقد تابع الكثيرون بدهشة ظهور طيران لقوات الشرعية في
أعمال القصف على تمركزات الحوثيين التي جرت الأيام الماضية، وهو تطوُّر لم يشهده
اليمن خلال سنوات الحرب السابقة.
وثاني الأخطاء أن الحوثيين لم يقدّروا وزن تأثير تغيير الموقف الدولي ما بعد الحرب
على إيران، سواء من السلطة الشرعية أو من الحوثيين. ولم يدركوا أن تغيير الموقف
الدولي سيكون بمثابة عامل بالغ الخطورة على الحوثيين -بأكثر من خطورته على إيران-
عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا.
لم يعد العالم الغربي ينظر للحوثيين كمجرد حركة يمكن الاعتماد عليها في تفكيك اليمن
وكفى. تغيرت النظرة للحوثيين، وأصبح يُنظَر إليها كميليشيا تُهدّد مضيقًا دوليًّا،
وأن خطرها تعدّى المحلية، بل حتى الإقليمية، إلى الخطر على الاقتصاد الدولي.
ويكفي للدلالة على مدى هذا الخطأ: التذكير بالدورين الأمريكي والبريطاني؛ إذ أوقفا
زحف الشرعية لاستعادة صنعاء عدة مرات، كما أوقفا في وقت تالٍ زحف القوات اليمنية
التي يقودها طارق صالح للسيطرة على الحديدة، الذي كان -ولا يزال- الخطوة
الإستراتيجية الحقيقية لحصار تلك الميليشيا، ومنعها من جلب السلاح وجني المال، وهو
مفتاح وبوابة الوصول إلى صنعاء من الغرب.
وثالث الأخطاء الإستراتيجية أن الحوثيين وحّدوا موقف دول الخليج -على الأقل بحكم
المصلحة الاقتصادية الحيوية-، وقدموا دوافع لدول الخليج لكي تواجههم، بل إن إيران
والحوثيين -كلٌّ من جهته-، وضعوا دول الخليج أمام معادلة تدفعهم لدخول الحرب
والتخلّي عن الحياد.
لقد أصبح دخول الحوثيين -والميليشيات الإيرانية في العراق-، أهم تجليات الحركة
الإستراتيجية الإيرانية لإحاطة دول الخليج بنفوذ وميليشيات لتشكيل ما سُمِّي
بالهلال الشيعي، لم تَعُد مجرد فكرة. لقد ظهرت الآن كخطة حركية ضمن إطار إستراتيجية
حرب. وهو ما يُشكّل فرصة للطرف الآخر في المعادلة الحربية -والإستراتيجية- للتعامل
مع وجود الحوثيين، كبند من بنود إستراتيجيته العليا هو الآخر.
وإذ يتصور البعض أن هناك تاريخًا لحرب ممتدة لم تُنهِ الحوثيين، فعليه أن يعود إلى
ما حدث مع النظام السوري، سواء ما قُدّم من تضحيات أو ما انتهى إليه الحال.
وهنا يجب التشديد على أن سبب عدم النجاح في إنهاء الظاهرة الحوثية يتبدّد الآن ولا
يتراجع فقط. لم يكن للحوثيين أن يبقوا بعد إعلان التحالف العربي استهدافهم، إلا
بسبب المواقف الغربية، وبشكل خاص مواقف الولايات المتحدة وبريطانيا والكيان
الصهيوني. والآن لا شك أن تلك المواقف تتغيّر بعد الحرب الإيرانية.
كانت بريطانيا تسمح بمرور شحنات السلاح للحوثيين خلال الحرب مع الشرعية وتحالف دعم
الشرعية، وكان للولايات المتحدة نفس الموقف البريطاني الواضح، من ضرورة بقاء
الحوثيين كقوة، لمنع استعادة اليمن لدوره ولقوته وفصل الجنوب اليمني، ضمن إطار
إستراتيجية التفكيك.
وهنا ينبغي التنبيه بأن لعبة الربط التي جرت بين الساحتين اللبنانية والإيرانية، لا
يمكن تكرارها، إلا إذا أعلنت إيران رسميًّا أنها في حرب مع الخليج، وهو ما سيكون
أكبر الأخطاء الإستراتيجية، بحكم الدور المحوري لدول الخليج إقليميًّا ودوليًّا.