• - الموافق2026/08/13م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
الإسلام ينمو... والعالم يتغير ماذا وراء أرقام مركز بيو؟

كيف يمكن أن يتحول النمو الديموغرافي للمسلمين، الذي كشفه تقرير بيو، من مجرد تفوق عددي إلى نهضة حضارية حقيقية، في ظل تحديات التعليم والاقتصاد والهوية والمؤسسات، وهل تملك الأمة اليوم مقومات استثمار هذه الفرصة التاريخية الواعدة؟


لماذا حظي تقرير مركز بيو عن التحولات الدينية في العالم باهتمام واسع في الصحافة الغربية، في حين مرّ في مساحات كثيرة من الإعلام الإسلامي كخبر عابر يُختَزل في عبارة: «الإسلام أسرع الأديان نموًّا»؟!

لعل الجواب أن قطاعات من الغرب قرأت خلف الأرقام ما لم نقرأه نحن. لم ترَ مجرد زيادة عددية في أتباع دين من الأديان، وإنما رأت مؤشرًا إلى أن الخريطة البشرية التي قام عليها النظام الدولي الحديث تتغير ببطء، وأن الثقل السكاني ينتقل من مجتمعات غربية متقدمة لكنها تشيخ وتنكمش، إلى شعوب أكثر شبابًا، يقع جانب مهم منها في العالم الإسلامي وإفريقيا وآسيا.

المسألة إذن أوسع من التفوق في جدول إحصائي. نحن أمام تغيُّر ديموغرافي قد يُعيد، خلال العقود المقبلة، توزيع العمالة والأسواق والنفوذ والثقافة والاحتياجات التعليمية والقدرة العسكرية. وإذا كان عدد المسلمين قد ازداد، فإن السؤال الأهم ليس: كم أصبحنا؟ وإنما: ماذا يعني هذا النمو؟ وما الذي يمكن أن يصنعه المسلمون بهذه الكتلة البشرية المتصاعدة؟

لم تبدأ محاولة استشراف هذا التحول مع تقرير مركز بيو. ففي مطلع القرن الحالي نشر الدبلوماسي والمفكّر الألماني المسلم مراد هوفمان كتابه: «الإسلام في الألفية الثالثة: ديانة في صعود»، الصادر بالألمانية ثم بالإنجليزية، والمنشور في ترجمته العربية سنة 2002. لم يَبْنِ هوفمان رؤيته على الزيادة السكانية وحدها، وإنما وضعها ضمن مقارنة أوسع بين أزمة الحضارة الغربية وما يملكه الإسلام من مقومات عقدية وأخلاقية وتشريعية تُؤهّله لتقديم بديل حضاري.

 كان عنوان الكتاب يومئ إلى المستقبل، أما أرقام مركز بيو اليوم فتقدم جانبًا ديموغرافيًّا محسوسًا من ذلك الاستشراف؛ مع بقاء فارق جوهري بين تزايد عدد المسلمين وبين تحقق «الصعود» الحضاري الذي قصده هوفمان. فالأول ترصده الإحصاءات، أما الثاني فيحتاج إلى علم ومؤسسات وقوة أخلاقية وقدرة على تحويل القِيَم إلى نموذج إنساني مؤثر.

عقد واحد غيَّر المسافة بين الإسلام والمسيحية

في التاسع من يونيو 2025 أصدر مركز بيو للأبحاث تقريره الكبير: «كيف تغيَّرت الخريطة الدينية العالمية من 2010 إلى 2020؟»، ثم أفردت له صحيفة «واشنطن بوست» تقريرًا في اليوم نفسه تحت عنوان: «الإسلام ينمو، والمسيحية تتراجع كنسبة من سكان العالم».

استند تقرير بيو إلى أكثر من 2700 تعداد ومسح سكاني، وشمل 201 دولة وإقليمًا. وقد أعدّه فريق ترأسه الباحث كونراد هاكيت، وشارك فيه مارسين ستونافسكي، ويونبينغ تونغ، وستيفاني كرامر، وآن فنغيان شي، وداليا فهمي. وهو جزء من مشروع «مستقبل الأديان في العالم» الذي يُموّله صندوق بيو الخيري ومؤسسة جون تمبلتون. وهذه الخلفية لا تنفي القيمة العلمية للعمل، لكنها تقتضي التعامل معه بوصفه إنتاجًا بحثيًّا صادرًا عن مؤسسة غربية لها أسئلتها ومفاهيمها وطرائقها في تعريف الدين وقياس الانتماء إليه.

تكشف النتيجة الرئيسة عن تقلُّص سريع في الفارق بين أكبر ديانتين في العالم. ارتفع عدد المسلمين بين عامي 2010 و2020 من نحو 1.7 مليار إلى ملياري نسمة، بزيادة بلغت 347 مليونًا، أي ما يقارب 21% خلال عقد واحد. وكانت هذه الزيادة أكبر من الزيادة التي حققتها بقية الأديان مجتمعة. وارتفعت حصة المسلمين من سكان العالم من 23.8 إلى 25.6%.

أما المسيحيون فزاد عددهم بنحو 122 مليونًا، حتى بلغوا 2.3 مليار نسمة، إلا أن نسبتهم من سكان العالم تراجعت من 30.6 إلى 28.8%؛ لأن نموهم كان أبطأ من نمو السكان العالمي. وبذلك انخفض الفارق بين المسيحيين والمسلمين من قرابة سبع نقاط مئوية إلى نحو ثلاث نقاط فقط.

وكان صمويل هنتنجتون قد تنبَّه قبل ثلاثة عقود إلى الدلالة السياسية للنمو السكاني في العالم الإسلامي. ففي كتابه «صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي»؛ ربط بين ما سمَّاه «الانفجار السكاني» في البلدان المسلمة وبين تغيُّر أنماط السياسة والصراع الدوليين، ورأى أن ارتفاع أعداد الشباب يمنح المجتمعات الإسلامية طاقة للحراك السياسي والهجرة والتعبئة، وقد يُغذِّي الاضطراب حين تعجز الاقتصادات والمؤسسات عن استيعابه. وعلى الرغم من المآخذ المنهجية والأيديولوجية الكثيرة على أطروحته؛ فإنها تكشف أن مراكز التفكير الغربية لم تتعامل مع تزايد المسلمين بوصفه رقمًا دينيًّا محايدًا؛ وإنما قرأته مبكرًا بوصفه عاملًا قد يؤثر في موازين القوة والعلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي. وتُقدّم نتائج بيو الجديدة مادة أدق من تقديرات هنتنجتون القديمة، لكنها تؤكد أصل المسألة التي استوقفت نظره: نمو المسلمين خلال العقد الأخير كان أسرع من نمو سكان العالم، ولذلك ارتفعت حصتهم من 23.8 إلى 25.6%.

ولم يَغِب هذا التحوُّل عن رَصْد المؤسسات الكنسية؛ فقد أقر الفاتيكان سنة 2008، استنادًا إلى كتابه الإحصائي السنوي، بأن عدد المسلمين تجاوز عدد الكاثوليك للمرة الأولى. ولم يكن ذلك يعني تجاوز مجموع المسيحيين، وإنما كشف أن الصعود الديموغرافي للمسلمين أصبح ملحوظًا لدى المؤسسة الكنسية الأكبر في العالم، قبل أن تكشف بيانات العقد التالي عن مزيد من تقلص الفارق بين المسلمين ومجموع المسيحيين.

ولم يكن نمو المسلمين الظاهرة الوحيدة اللافتة. فقد ازداد غير المنتمين إلى أيّ دين بنحو 270 مليونًا، وارتفعت حصتهم إلى 24.2%، فأصبحوا الكتلة الثالثة بعد المسيحيين والمسلمين. كما انخفض عدد البوذيين بنحو 19 مليونًا، وكانوا الجماعة الدينية الكبرى الوحيدة التي تراجعت في العدد المطلق. وحافظ الهندوس واليهود، على تفاوت حجمهما، على نسبة شبه مستقرة من سكان العالم.

هذه النتائج لا تقول فقط: إن الإسلام ينمو؛ إنها تكشف حركة مزدوجة: صعودًا سكانيًّا للمسلمين، واتساعًا للعلمنة والانفصال عن المؤسسات الدينية في مجتمعات أخرى، خصوصًا المجتمعات ذات الخلفية المسيحية.

لماذا ينمو المسلمون؟

قد يبدو الجواب سهلًا «لأن الأسر المسلمة تنجب أطفالًا أكثر»؛ غير أن هذه الإجابة صحيحة جزئيًّا، ومضللة إذا قُدِّمت بوصفها التفسير الكامل.

قدَّر مركز بيو معدل الخصوبة لدى المسلمات بنحو 3.1 أطفال للمرأة خلال الفترة 2010- 2015، مقابل 2.7 لدى المسيحيات، و1.7 لدى غير المنتميات دينيًّا، و1.6 لدى البوذيات. غير أن الخصوبة ليست سوى عنصر واحد في معادلة تشمل التركيب العمري، والوفيات، والهجرة، والتحوُّل من دين إلى آخر أو الخروج من الانتماء الديني كليًّا.

العوامل المُحرّكة للتغير الديني

العامل الأشد تأثيرًا هو شباب المجتمعات المسلمة. بلغ متوسط عمر المسلمين عام 2020 نحو 24 عامًا، في مقابل 33 عامًا لغير المسلمين. وهذا فارق هائل في علم السكان؛ فالمجتمع الذي يضم نسبة مرتفعة من الأطفال والشباب يحمل داخله قوة نمو مستقبلية حتى لو بدأت خصوبته بالانخفاض. ملايين المسلمين سيدخلون سن الزواج والإنجاب في السنوات المقبلة، في حين تواجه مجتمعات أوروبية وشرق آسيوية اتساع قاعدة كبار السن وتناقص أعداد النساء في سن الإنجاب.

وهذا ما يسمى «الزخم السكاني». فالخصوبة قد تتراجع، كما حدث بالفعل في دول إسلامية كثيرة، ومع ذلك يظل عدد المواليد مرتفعًا بسبب كبر حجم الجيل الشاب. ومن هنا ينبغي الحذر من افتراض أن معدلات النمو الحالية ستبقى ثابتة إلى ما لا نهاية. الأمم المتحدة تشير إلى انخفاض الخصوبة عالميًّا، بما يشمل الدول ذات الأغلبية المسلمة، وتتوقع أن يبلغ سكان العالم ذُروتهم في النصف الثاني من هذا القرن قبل أن يبدأ الانخفاض.

توقعات سكان العالم 2024

العامل الثاني هو الثبات النسبي في الهوية الدينية. بحسب تقديرات بيو، كان الإسلام والهندوسية أقل الجماعات الكبرى تأثرًا بصافي التحول الديني؛ إذ إن عدد الداخلين إلى الإسلام وعدد الخارجين منه، وفق المقاييس المستخدَمة، متقاربان على المستوى العالمي. في المقابل، تعرَّضت المسيحية لخسارة صافية كبيرة: فمن كل مئة شخص تراوح أعمارهم بين 18 و54 عامًا ونشأوا مسيحيين، خسرت المسيحية في المحصلة نحو 11.6 شخصًا نتيجة تغيير الانتماء.

وهنا يظهر وجه القصور في التفسير الذي يَرُدّ نموّ الإسلام إلى كثرة المواليد وَحْدها. لو كان الإنجاب هو العامل الحاسم دائمًا، لما استطاعت كتلة «اللادينيين» أن تنمو؛ فهي أكبر سنًّا وأقل خصوبة. ومع ذلك زادت حصتها من سكان العالم بسبب التدفق الواسع من المسيحية نحو عدم الانتماء الديني. الهوية التي تحتفظ بأبنائها تمتلك ميزة ديموغرافية لا تقل أهمية عن ارتفاع الخصوبة.

أما الهجرة، فقد كان أثرها العالمي محدودًا قياسًا إلى النمو الطبيعي، لكنها غيَّرت التوازن الديني داخل بعض الدول. ارتفع عدد المسلمين في أوروبا بنحو 6.2 ملايين خلال العقد، ووصلت نسبتهم إلى 6% من سكان القارة. وأسهم اللاجئون السوريون، إلى جانب الخصوبة الأعلى من المتوسط، في زيادة الحضور الإسلامي في ألمانيا والسويد والنمسا. وفي أمريكا الشمالية ارتفع عدد المسلمين بنسبة 52%، وإن ظل حجمهم المطلق محدودًا قياسًا إلى آسيا وإفريقيا.

ومن الخطأ، مع ذلك، أن تُقرَأ الأرقام من عدسة أوروبية وحدها. يعيش نحو 59% من مسلمي العالم في آسيا والمحيط الهادئ، ويوجد ثلث المسلمين تقريبًا في إندونيسيا وباكستان والهند. كما ارتفع عدد المسلمين في إفريقيا جنوب الصحراء إلى 369 مليونًا، وأصبحت المنطقة موطنًا لنحو 18% من مسلمي العالم. إن مستقبل الإسلام السكاني لا يُصنَع أساسًا في ضواحي باريس ولندن؛ وإنما في جاكرتا وكراتشي ودلهي ولاجوس وداكار ومدن إفريقية وآسيوية تتسع بوتيرة سريعة.

لماذا تتراجَع المسيحية في الغرب؟

من الضروري التمييز بين تراجع المسيحية عالميًّا بوصفها نسبة من السكان، وبين زوالها أو انكماش عددها المطلق. ما زالت المسيحية أكبر ديانة في العالم، وقد زاد عدد أتباعها خلال العقد. إلا أن مركز ثقلها يتغير.

كانت أوروبا في عام 2010 المنطقة التي تضم الحصة الأكبر من مسيحيي العالم، ثم انتقل هذا الموقع إلى إفريقيا جنوب الصحراء، التي باتت تضم نحو 31% منهم. وهذا التحول بالغ الدلالة؛ فالمسيحية لا تختفي بقدر ما تنتقل من الشمال الغني المتقدم في السن إلى الجنوب الأكثر شبابًا ونموًّا.

في الغرب، تتفاعل ثلاثة اتجاهات: انخفاض الخصوبة، وشيخوخة السكان، والخروج من الانتماء الكنسي. لم تَعُد الكنيسة في قطاعات واسعة من أوروبا وأمريكا الشمالية الإطار المُنظِّم للحياة الاجتماعية والأخلاقية كما كانت من قبل. تحوَّلت المسيحية لدى كثيرين إلى خلفية ثقافية أو علامة موسمية، ثم غادرها جيل جديد نحو اللاأدرية أو الإلحاد أو هوية «بلا دين».

لا يعني ذلك أن الغرب أصبح خاليًا من الاعتقاد. فقياس بيو يعتمد أساسًا على الهوية الدينية التي يصرح بها الفرد، ولا يستطيع أن يحيط دائمًا بالتدين الشخصي أو المعتقدات الروحية غير المرتبطة بمؤسسة. وقد نبَّهت «واشنطن بوست» إلى هذه الحدود، خصوصًا في الصين؛ حيث يمكن أن يمارس الفرد شعائر أو يحمل معتقدات دينية من دون أن ينتسب رسميًّا إلى دين محدد.

مع هذا التحفُّظ، تبقى العلمنة حقيقة اجتماعية كبرى. لقد فقدت المسيحية في الغرب قدرتها على نقل الهوية بين الأجيال بالمستوى السابق، بينما ما زالت الأسرة المسلمة، في معظم المجتمعات، تنقل الانتماء الديني إلى الأبناء بدرجة مرتفعة. لذلك لا تتعلق المقارنة بقوة العقيدة في ذاتها فقط، وإنما بقدرة المجتمع والأسرة والمؤسسة التعليمية والثقافة العامة على حفظ الانتماء وإعادة إنتاجه.

بين احتفاء إسلامي وقلق غربي

وقع بعض المعلقين المسلمين في خطأ تحويل التقرير إلى بشارة مكتملة: الإسلام ينتصر، وسيصبح الدين الأكبر في العالم، والأرقام وحدها تتكفل بالمستقبل. هذا الاحتفاء مفهوم في زمن تتعرَّض فيه الأمة للحروب والتشويه والتفكيك، لكنّه قد يحجب عنا أسئلة أشد إلحاحًا.

التقرير يقيس مَن يُعرِّفون أنفسهم بأنهم مسلمون، ولا يقيس مقدار معرفتهم بالإسلام، ولا حضور الشريعة في حياتهم، ولا قوة المؤسسات التي تمثلهم، ولا قدرتهم على إنتاج المعرفة والثروة والتقنية. وقد يكون المجتمع كثير العدد، ضعيف التعليم، مرتفع البطالة، ممزقًا بالصراعات، تابعًا في غذائه وسلاحه ودوائه. عندئذ تتحول الزيادة السكانية من فرصة إلى ضغط على الدولة والاقتصاد والموارد.

ومن المبالغة أيضًا تفسير الـ347 مليون مسلم إضافي على أنهم ثمرة مباشرة لانتشار الدعوة ودخول هذا العدد في الإسلام. معظم الزيادة نتج من الولادات والبنية العمرية الفتية. ولا يقلل ذلك من قيمتها، لكنه يضعها في معناها العلمي الصحيح. أما التحول الديني إلى الإسلام، فليس هو المحرك الرئيس للنمو العالمي وفق البيانات المتاحة.

في الجهة الأخرى، أخطأ بعض المعلقين الغربيين حين اختزلوا الإسلام في «دين الخصوبة»، وكأن المسلمين يتكاثرون بيولوجيًّا ولا يمتلكون قدرة ذاتية على حفظ هويتهم. هذا الاختزال يتجاهل أن المسلمين، حتى داخل مجتمعات علمانية شديدة الضغط، أظهروا تماسكًا أعلى في الانتماء من جماعات دينية أخرى. كما يتجاهل أن ارتفاع الخصوبة نفسه لا يقع خارج الثقافة؛ فالأسرة، والنظرة إلى الأبناء، ومكانة الزواج، وصلابة الروابط القرابية، كلها قِيَم ذات جذور دينية واجتماعية.

الأهم أن القلق الغربي لا ينبع من الرقم وحده، وإنما من احتمال ما قد يصير إليه. طفل يولد اليوم في أسرة مسلمة لا يُمثّل قوة سياسية أو حضارية تلقائيًّا، لكنّه قد يصبح بعد عشرين عامًا عاملًا أو باحثًا أو ناخبًا أو جنديًّا أو مُستهلكًا أو صاحب مشروع. ولهذا تقرأ الدول الجادة أرقام السكان باعتبارها توقعات للأسواق والمدارس والطاقة والهجرة والهوية والأمن.

يمكن في هذا السياق فهم بعض وجوه تصاعد الإسلاموفوبيا في أوروبا. فليس من الدقة ردّ الظاهرة كلها إلى زيادة عدد المسلمين؛ إذ تتداخل فيها أزمات الهجرة، وصعود اليمين الشعبوي، والحروب، والخطاب الإعلامي، والمخاوف الأمنية، والتنافس السياسي. غير أن التحول الديموغرافي يمنح هذه العوامل قوة إضافية؛ لأن المسلم لم يَعُد في الوعي الأوروبي مهاجرًا عابرًا، وإنما أصبح مواطنًا دائمًا، يولد أبناؤه في أوروبا ويحملون جنسياتها ويطالبون بحقهم في المجال العام.

وقد أظهر تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية الصادر سنة 2024 أن 47% من المسلمين الذين شملهم المسح تعرضوا لتمييز عنصري خلال السنوات الخمس السابقة، مقارنةً بـ39%، في مسح 2016. وهكذا يتحوَّل الخوف من الهجرة، في بعض الخطابات، إلى خوف من استقرار الإسلام نفسه داخل المجتمعات الأوروبية وانتقاله إلى أجيال لا يمكن معاملتها بوصفها أجسامًا وافدة.

هل سيكون القرن الحادي والعشرون قرن الإسلام؟

سبق لمركز بيو أن توقع في دراسة عام 2015 أن يقترب المسلمون والمسيحيون كثيرًا بحلول منتصف القرن، وقد أكَّدت بيانات 2010- 2020 اتجاه التقارب. ويقول الباحث الرئيس كونراد هاكيت: إن استمرار الأنماط الراهنة قد يجعل الإسلام أكبر أديان العالم في المستقبل، مع تأكيد أن موعد التقارب يحتاج إلى توقعات مُحدّثة، وأن المسار قد يتغير.

هل يكفي ذلك للقول: إن القرن الحادي والعشرين سيكون «قرن الإسلام»؟

الجواب يتوقف على معنى العبارة. إذا كان المقصود أن المسلمين سيصبحون الكتلة الدينية الأكبر، فذلك احتمال ديموغرافي قوي إذا استمرت الاتجاهات العامة. وإذا كان المقصود أن العالم الإسلامي سيستعيد موقعًا حضاريًّا مؤثرًا، فإن الإحصاء لا يمنح هذه النتيجة تلقائيًّا.

عرف التاريخ أُممًا كثيرة العدد خضعت لأقليات أكثر تنظيمًا وعلمًا. ولم تكن الكثرة في التجربة الإسلامية ضمانًا للنصر في ذاتها؛ ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: 25]. القيمة لا تنشأ من العدد منفردًا، وإنما من الإنسان الذي يحمل رسالة، ويمتلك معرفة، وينتج، ويتعاون، ويقيم العدل، ويحسن تحويل الموارد إلى قوة نافعة.

الديموغرافيا تمنح العالم الإسلامي نافذة تاريخية، لا وعدًا أبديًّا. فالشباب الذين يمثلون مصدر النمو قد يصبحون قوة اقتصادية وعلمية إذا تلقّوا تعليمًا جيدًا ووجدوا عملًا ومؤسسات عادلة. وقد يتحولون إلى بطالة وهجرة واضطراب إذا تُركوا في أنظمة تعليم متعثرة واقتصادات عاجزة ودول تستنزف طاقاتهم.

كما أن انخفاض الخصوبة وصل إلى معظم البلدان الإسلامية، وبعضها يقترب من مستوى الإحلال أو ينخفض دونه. لذلك قد لا تستمر الميزة السكانية بالوتيرة نفسها. الفرصة محدودة زمنيًّا، ومَن يُهدر «العائد الديموغرافي» في جيل كامل قد يجد نفسه بعد عقود أمام الشيخوخة قبل أن يحقق التنمية.

لا يبدأ الانتقال من الكثرة إلى القوة بالشعارات، وإنما بمشروعات واضحة: حماية الأسرة من التفكك من غير إهمال حقوق أفرادها، رفع نوعية التعليم، تحرير البحث العلمي من الهامشية، تمكين الشباب من العمل والإنتاج، بناء اقتصاد يقل اعتماده على الخارج، تطوير الإعلام القادر على مخاطبة الإنسان المعاصر، وتكوين مؤسسات إسلامية تستوعب التنوع الجغرافي والثقافي الهائل داخل الأُمّة.

ويضاف إلى ذلك تحدّي حفظ المعنى. ليس الإنجاز أن يُولَد الطفل مسلمًا في خانة الإحصاء، ثم ينشأ منقطعًا عن القرآن والتاريخ واللغة وقضايا أُمّته. الإنجاز أن تتحوَّل الهوية الموروثة إلى إيمان واعٍ وأخلاق وعمل. وما وقع للمسيحية الغربية يُقدّم إنذارًا: الانتماء الذي لا يجد مؤسسات تنقله، وأسرة تحميه، وفكرًا يجيب عن أسئلة الأجيال، قد يتراجع مهما كان راسخًا في الماضي.

الرسالة التي ينبغي أن نقرأها

ليست رسالة تقرير بيو أن نجلس في انتظار اليوم الذي يتجاوز فيه عدد المسلمين عدد المسيحيين. وليست أن نستخف بالمسيحية أو نفرح باتساع اللادينية؛ فمجتمع يفقد الإيمان والمعنى والأسرة لا يقدم للمسلمين نموذجًا يدعو إلى الشماتة، وإنما يُطلق تحذيرًا من مصير يمكن أن يمتدّ إلى غيره.

الرسالة الأعمق أن الإسلام ما يزال يمتلك قدرة استثنائية على البقاء والتجدد وحفظ الانتماء، رغم قرون الاستعمار، وعقود الاستبداد، والحروب، والتهجير، وحملات التشويه، والتفوق الثقافي الغربي. لم تستطع هذه الضغوط أن تدفع المسلمين إلى الهامش العددي أو أن تقطع انتقال الإسلام بين الأجيال. وهذه حقيقة تمنح الأمة ثقة كبيرة، لكنها تُحمّلها مسؤولية أكبر.

العالم يتغير بالفعل. تنتقل مراكز السكان نحو إفريقيا وآسيا، وتشيخ قوى كبرى، وتظهر مجتمعات شابَّة تبحث عن التعليم والعمل والهوية والمكان في النظام الدولي. ويقف المسلمون في قلب هذا التحوُّل، لا على أطرافه.

غير أن المستقبل لا تحسمه الأرحام وحدها. يحسمه ما نبنيه للمواليد بعد أن يخرجوا إلى الحياة: أيّ مدرسة يدخلون؟ أيّ معرفة يتلقون؟ أيّ لغة يتحدثون؟ أيّ تاريخ يعرفون؟ أيّ اقتصاد يستوعبهم؟ وأي مشروع حضاري يجمع طاقاتهم؟

يمكن أن يصبح القرن الحادي والعشرون قرنًا يزداد فيه عدد المسلمين، فيما تبقى موازين القوة في أيدي غيرهم. ويمكن أن يكون قرنًا تتحوّل فيه الكثرة إلى عِلْم وعدل وإنتاج وشهادة حضارية. الفارق بين المسارين لا تصنعه توقعات مركز بيو، وإنما تصنعه القرارات التي تتخذها الأمة اليوم.

الأرقام تخبرنا أن في أيدينا فرصة تاريخية. أما تحويل الفرصة إلى نهضة، فذلك هو الامتحان.

أعلى