• - الموافق2026/08/13م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
(التوازن المطلوب) في خطاب الوعظ والتذكير

ما أثر غياب التوازن عن الخطاب الوعظي في فهم الدين، وكيف يمكن للداعية أن يوازن بين الأصول والفروع، والعبادة والواقع، والتاريخ ومآسيه، واحتياجات الناس، بما يجعل الوعظ أقرب إلى مقاصد الشريعة وأكثر قدرة على مخاطبة الجميع؟


الأصل في التوازن قول الحق -عز وجل-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143]؛ فالله تعالى وصف أهل الإيمان «بأنهم وسط؛ لتوسُّطهم في الدين، فلا هُم أهل غُلوٍّ فيه؛ غلوَّ النصارى الذين غلوا بالترهُّب، وقِيلهم في عيسى ما قالوا فيه. ولا هُم أهلُ تقصير فيه؛ تقصيرَ اليهود الذين بدَّلوا كتابَ الله، وقتلوا أنبياءَهم، وكذبوا على ربّهم، وكفروا به؛ ولكنهم أهل توسُّط واعتدال فيه؛ فوصفهم الله بذلك؛ إذ كان أحبّ الأمور إلى الله أوْسطها»[1].

ثم جاءت السُّنة النبوية تؤكّد النص القرآني؛ فلما آخَى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم  بينَ سَلمانَ وأبي الدَّرداءِ، زارَ سَلمانُ أبا الدَّرداءِ، فرَأى أُمَّ الدَّرداءِ مُتَبَذِّلةً، فقال لَها: ما شَأنُكِ؟ قالت: أخوك أبو الدَّرداءِ ليس له حاجةٌ في الدُّنيا، فجاءَ أبو الدَّرداءِ، فصَنَعَ له طَعامًا، فقال: كُلْ فإنِّي صائِمٌ، قال: ما أنا بآكِلٍ حتَّى تَأكُلَ، فأكَلَ، فلَمَّا كان اللَّيلُ ذَهَبَ أبو الدَّرداءِ يَقومُ، فقال: نَمْ، فنامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقومُ، فقال: نَمْ، فلَمَّا كان آخِرُ اللَّيلِ، قال سَلمانُ: قُمِ الآنَ، قال: فصَلَّيا، فقال له سَلمانُ: إنَّ لرَبِّك عليك حَقًّا، ولِنَفسِك عليك حَقًّا، ولِأهلِك عليك حَقًّا، فأعطِ كُلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه، فأتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم  فذَكَرَ ذلك له، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : صَدَقَ سَلمانُ[2].

وغيرها من النصوص ومن كلام أهل العلم في التأكيد على صفة التوازن والاعتدال في الأمور كلها، لكن المتأمل في بعض ملامح خطاب أهل الوعظ والتذكير يَلْحظ غياب هذه الميزة في أثناء طرح العديد من الموضوعات، ممّا أدّى إلى تصوّرات مغلوطة أحدثت فجوة بين واقع الناس ومقاصد الشريعة.

ولا شك أن الوعظ من أهم أساليب الدعوة، وهو بحاجة إلى تحديث وتنويع حتى يُؤتي ثمارًا يانعة! لا سيما في الوقت الحاضر، وهذا المقال يَصُبّ في هذا الاتجاه. ومن خلال أربعة أمثلة سيتضح المقصود، وهي -كما أسلفت- أمثلة يمكن للواحد أن يقيس عليها.

أولًا: الحديث عن الأصول والفروع

من أخطر إشكالات الخطاب الوعظي: عدم وضع المسائل في إطارها الصحيح. فالشريعة مبنية على أصول (كليات) وفروع (جزئيات). الإشكالية تتمثل في انشغال بعض أهل الذكر بالجزئيات المختلَف فيها، أو تركيزهم على فروع، واهتمامهم بسُنَن عادات، وتضخيم هذا كله حتى يبدو وكأنه أصل الدين، في حين تُهمَل الكليات الكبرى مثل حِفْظ الحقوق وأولها حق الله تعالى، وإقامة العدل بين الناس، وتطبيق الشرع، والعناية بالأسرة، وعمارة الأرض.

والموازنة الحقّة أن تُعطَى الكليات الاهتمام الأكبر؛ دون إهمال كامل للجزئيات؛ فإن ضياع الجزئي قد يُغتَفَر، لكنّ ضياع الكلي هو في حقيقته هدم لأصل البناء؛ قال الله تعالى: ﴿وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: 79]؛ قال البخاري في صحيحه: «ويقال: الربّاني الذي يُربِّي الناس بصغار العلم قبل كباره»، وصغار العلم هي الأصول والكليات التي أشرنا إليها هنا[3].

ثانيًا: الحديث عن عبادات السلف

كثيرًا ما يَستحضر الوُعّاظ أحوال السلف في العبادة، كمن صلّى الفجر بوضوء العشاء عقودًا، أو مَن لم تَفُته تكبيرة الإحرام سنين عددًا! مثل هذه الأحوال يجب أن تُفهَم باعتبارها «أحوالًا خاصة» وقعت في سياقات معينة، وليست هي الديمومة المطلقة لكل حياتهم، هذا على فرض صحتها، والقدوة هو النبي صلى الله عليه وسلم  الذي كان يُصلّي وينام، ويصوم ويفطر، ويتزوج النساء، وقال: «فمن رغب عن سُنّتي فليس مني»[4].

 فالبُعد عن التوازن يظهر بوضوح عند عقد مقارنات غير دقيقة كمن ينصح «عوام الناس» في موعظة عامة أن يحذوا حذو قامات مثل: «أحمد بن حنبل» أو «عبد الله بن المبارك»، مستشهدًا بأفعال الأول في العبادة والزهد، وبالثاني في الجمع بين العبادة والجهاد والرواية، فمثل هذه الحثّ والنُّصح يستبطن مقارنة تفتقر إلى الإنصاف، فهؤلاء هم «نبلاء» أهل الإسلام في عِلْمهم وإيمانهم، كما سماهم بذلك الذهبي في كتابه «السِّير».

وإن كان لا بد من مقارنة فلتكن بين عوام السلف وعوام الخلف، وبين أئمة السلف ونظرائهم من علماء الأمة وصالحيها في العصر الحاضر؛ تقعيدًا لصحة القياس، وحتى يستقيم ميزان العدل.

 وإذا نظر الانسان إلى مجتمع الصحابة وهم الأُسوة، وجده مجتمعًا أقرب للواقعية؛ فمع إيمانهم وتقواهم وجهادهم ففيهم من أخطأ، ومَن غلبه حبّ الدنيا في موطن كما في غزوة أُحد، ومَن زلَّ كما في حادثة الإفك، ومن قارف ذنبًا ثم تاب كما في قصة ماعز، ومن فاتته ليس تكبيرة الإحرام مع الإمام بله صلاة الجماعة، كما في ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم  للصلح في بني عمرو بن عوف، ومجيئه وقد صلَّى بالناس أبو بكر كما في الصحيحين. ومع ذلك، فقد رضي الله عنهم ورضوا عنه.

لذلك التوازن هنا يقتضي دعوة الناس للخير دون تعجيزهم بمقارنات تعسفية. قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: «وكان كثير من المتقدمين يحملون على أنفسهم من الأعمال ما يَضُرّ بأجسادهم ويحتسبون أجر ذلك عند الله، وهؤلاء قوم أهل صِدْق وجدّ واجتهاد فيحثّون على ذلك، ولكن لا يُقتَدى بهم، وإنما يُقتَدى بسُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فإن خير الهدي هديه، ومن أطاعه فقد اهتدى، ومن اقتدى به وسلك سبيله؛ وصل إلى الله -عز وجل-. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم  ينهى عن التعسير ويأمر بالتيسير، ودينه الذي بُعِثَ به يُسْر، وكان يقول: «خير دينكم أيسُره» ورأى رجلًا يُكثر الصلاة فقال: «إنكم أُمَّة أُريد بكم اليسر»، ولم يكن أكثر تطوُّع النبي صلى الله عليه وسلم  وخواص أصحابه بكثرة الصوم والصلاة، بل ببِرّ القلوب وطهارتها وسلامتها وقوة تعلقها بالله؛ خشيةً له ومحبةً وإجلالًا وتعظيمًا ورغبةً فيما عنده وزهدًا فيما يفنى»[5].

ثالثًا: تناول أحداث التاريخ

التاريخ الإسلامي ليس كله «ملائكيًّا» كما يُصوّره بعض الوعاظ، ولكنّه أيضًا ليس «سوداويًّا» كما يُصوّره الحاقدون في القديم والحديث. هناك صراعات سياسية ومجريات قبلية وقعت في تاريخنا، هذه الحوادث وأضرابها ليست من الإسلام في شيء! والتوازن يقتضي التبرؤ منها بلا مُواربة، وعدم إلباسها لبوس الدين، فضلًا عن الاستشهاد بها في موعظة أو خطبة، لكن في الوقت ذاته، ينبغي إبراز محاسن تاريخنا الإسلامي -وما أكثرها-؛ سواء كانت محاسن على مستوى الأفراد أو المجتمعات أو الدول؛ فهناك انتصارات تحققت في غضون فترة زمنية قصيرة هي أقرب للمعجزات منها إلى الحقائق، وهناك منجزات حضارية بنَى عليها الغربيون حضارتهم فيما بعد، وثمة وقائع إنسانية تدل على نُبْل أهل الإسلام وكريم معدنهم.

والمقصود تناول الداعية ما وقع في التاريخ تناولًا مُنصِفًا بعد التحقّق والتثبّت من تلكم الوقائع. ومن العجيب أن التوازن كان حاضرًا حتى في صانعي التاريخ الإسلامي؛ إذ لم يكن التاريخ الإسلامي عربي الصّنعة، بل شارك في صناعته الفرس والأتراك والأكراد والبربر والهنود، وغيرهم من شعوب الأرض.

رابعًا: موضوعات منبر الجمعة

منبر الجمعة هو الوسيلة الإعلامية الأكثر تأثيرًا؛ لذا يجب أن يكون جامعًا للناس لا مُفرِّقًا بينهم! بوصلة التوازن تُفْقَد في عدة مواضع؛ منها أن ينصر الخطيب رأيًا اجتهاديًّا يراه صوابًا، بينما يرى آخرون -وقد يكونون الأكثرية- رأيًا آخر، فمن التوازن ألَّا يتعرّض لهكذا رأي في خطبة الجمعة؛ طالما أنه رأي اجتهاديّ تتجاذبه أطراف الأدلة، فهذا الرأي وما شابهه مكانه حلقات العلم والبحث المتخصّص وليس منبر الجمعة.

 أمر آخر يتمثل في عدم مراعاة الخطيب لمستويات المصلين المختلفة، مما يُخرجه عن منطقة التوازن المطلوبة، فالمصلون فيهم كبير السن وصغيره، والرجل والمرأة، والمتعلّم والأُمي، ثم المتعلمون على مستويات؛ منهم العالِم، ومنهم طالب العلم، ومنهم الأكاديمي، ومنهم المثقف، ومنهم العامي، فمثل هذا التنوع يُحتِّم على الخطيب أن يأخذه بعين الاعتبار حين ينتقي موضوعاته التي سيطرحها عبر منبر الجمعة.

وتحقيق التوازن في مثل هذا الموضع ليس سهلًا، كما أنه ليس صعبًا؛ إذ قد يتطلب من الخطيب أن يُعالج النقص الذي لديه في بعض الجوانب؛ سواء من خلال القراءة والاطلاع، أو من خلال سؤال أهل العلم والمعرفة.

والحاصل أن التوازن في الخطاب الوعظي ليس ترفًا، بل هو ضرورة لحماية التديُّن من الانحراف نحو التشدُّد المُنفِّر أو التحلُّل المضيّع، ليبقى الإسلام دينًا واقعيًّا قادرًا على قيادة الحياة في كل زمان ومكان.


 


[1] تفسير الطبري (3/142)، المكتبة الشاملة.

[2] أخرجه البخاري (6139)، وعند الترمذي «ولضيفك عليك حقًّا»، وعند ابن حبان «ولجسدك عليك حقًّا».

[3] انظر تعليق مصطفى البغا على صحيح البخاري.

[4] أخرجه البخاري (5063) ومسلم (1401).

[5] لطائف المعارف، ص254.

أعلى