• - الموافق2026/06/16م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
حوار الحضارات في الفكر الإسلامي المعاصر:  دراسة تحليلية في المضامين الفكرية

هل الصراع هو قدر الحضارات، أم أن الحوار القائم على الاحترام والتعارف قادر على صناعة مستقبل أكثر عدلًا واستقرارًا، وكيف يعالج الفكر الإسلامي أسباب الرفض والتأييد ويقترح آليات عملية لتجاوز المعوقات وبناء شراكات إنسانية تخدم الجميع؟


المؤلف: الدكتورة سناء كاظم كاطع

الناشر: دار دجلة للنشر والتوزيع، بغداد

تاريخ النشر: 2024م

 

 

شكَّلت نهاية القرن العشرين نقطة تحوُّل بارزة في مسار العلاقات الدولية ونظريتها السياسية التي أضافت إليها صياغات فكرية جديدة. أخذت تنتشر بصورة واضحة مع سيادة القطبية الأحادية. وقد ترافق هذا مع ظهور نظريات جديدة في السياسات الدولية، كسياسة الاستباق التي تستند إلى فكرة توجيه ضربة للخصم قبل أن يبادر بالمهاجمة.

وقد كان لأحداث 11 سبتمبر تأثيراتها البارزة على الصعيد الدولي، خصوصًا في المجال السياسي؛ إذ أدَّت إلى خلق حالة من التوتر والإرباك وعدم الاستقرار. مما دفَع ببعض الباحثين والمفكرين إلى التفكير والبحث عن نظريات أخرى يمكن أن تُعالج حالة عدم الاستقرار، أو تخلق مُعادِلًا فكريًّا لنظرية صدام الحضارات التي أخذت بُعْدًا عمليًّا بعد هذه الأحداث.

ومن بين التيارات الفكرية التي قدَّمت صياغات نظرية مُوازية لنظرية صدام الحضارات، كان الفكر الإسلامي المعاصر الذي حاول أن يتخطّى ما يعانيه الواقع الدولي من ظاهرة الفوقية والاستعلاء الحضاري على باقي الحضارات الأخرى، وذلك بطرحه حوار الحضارات الذي يقوم على فكرة إمكانية التفاعل والتفاهم والتعايش الحضاري من أجل الخروج بالواقع المعاصر من أزماته المتعددة، ورسم مستقبل تنعم فيه الأجيال القادمة بالاستقرار والعدالة في مجالاتها الاجتماعية والاقتصادية، مع عدم تجاهل الاختلافات الفكرية والسياسية.

ضمن هذا الإطار العام، يندرج كتاب «حوار الحضارات في الفكر الإسلامي المعاصر: دراسة تحليلية في المضامين الفكرية» للباحثة سناء كاظم كاطع، الصادر في طبعته الأولى عن دار دجلة للنشر والتوزيع، بغداد، 2024م، في 237 صفحة، من القطع المتوسط. 

أهمية الكتاب

 تنبع أهمية هذا الكتاب من كونه يتناول قضية الحوار مع الحضارات الأخرى في إطار فِكر الاتجاه الإسلامي الذي أخذ يبرز كطرف مشارك في العالم المعاصر بصورة يصعب تجاهلها أو إلغاء دورها الأساس من جانب أيّ جهة، سواء كانت داخلية أو خارجية، وذلك عندما تحوَّل إلى قاعدة أساسية يرتكز إليها التيار الإسلامي الذي يمارس العمل السياسي الرسمي أو غير الرسمي. إذ يدعم إلى جانب ذلك حقيقة ثانية؛ تنضج مع إدراك أن العالم المعاصر بات يَعُجّ بالكثير من القضايا الإسلامية التي أخذت تطرح نفسها على الساحة العالمية، مما تشكّل في جانب منها، إشكاليات واضحة مع العالم المختلف حضاريًّا.

من هنا، كان إبراز موقف الفكر الإسلامي المعاصر من قضية حوار الحضارات، بمثابة ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، وقد تدخل في باب إيضاح ضرورات التغيير والمراجعة والانفتاح والتأسيس لكل جديد، يمكن أن يصله بالمنظومات الفكرية الأخرى التي يستطيع الفكر الإسلامي بما لديه من إمكانيات أن يُؤسِّس معها مشاريع تعود كلها بالخير على الإنسانية، كأن يكون مشروعًا لجمع المشتركات، بما يؤدّي إلى التلاحم والتواصل الإيجابي بين الأطراف كافة.

 أسئلة الكتاب وقضاياه الفكرية

 انطلقت الباحثة في كتابها من فرضية مفادها أن حوار الحضارات يمكن أن يكون آلية لتخفيف الصراع في العالم إذا ما توافرت شروطه ومقوّماته. ومن أجل إثبات هذه الفرضية؛ كان لا بد من الإجابة عن الأسئلة التالية: هل الصراع أم الحوار هو الأصل؟ هل يوجد موقف مُوحَّد للفكر الإسلامي المعاصر من الصراع والحوار؟ إذا كان هناك مَن يرفض هذا الحوار، فما مُبرّراته ومرتكزاته الفكرية؟ وهل مجرد الحوار يكفي لأن يتحول إلى واقع، أم أن هناك معوقات تَحُول دون ذلك؟ ثم ما الأدوات التي سيعتمد عليها الفكر الإسلامي المعاصر لترجمة الحوار إلى واقع؟

في ضوء هذه الأسئلة الجوهرية وغيرها، قسّمت الباحثة «سناء كاظم كاطع» الكتاب إلى مقدمة وثلاثة فصول، وخاتمة.

مكونات الكتاب

الفصل الأول (مفهوم حوار الحضارات، وبيان مبرراته وشروطه)

 تطرَّقت الباحثة في الفصل الأول إلى مفهوم حوار الحضارات، وبيان مبرراته وشروطه من خلال مبحثين؛ حيث طرح المبحث الأول مفهوم حوار الحضارات من خلال ثلاثة محاور؛ ركّز الأول على معنى الصراع في الفكر الإسلامي المعاصر ومفهومه الذي من خلاله تم عرض أنواع الصراع بأشكاله المختلفة قبل الدخول إلى دراسته في الفكر الإسلامي المعاصر، ثم عرج المحور الثاني على تحليل المضامين الفكرية لمفهوم حوار الحضارات، والتي شملت مفاهيم الحوار والحضارة، ليتم التركيز عليها، ومِن ثَم في المحور الثالث على الرؤية الإسلامية لحوار الحضارات، مع بيان أهم المفاهيم المتأصلة بين الحضارات وفق النظرة الإسلامية.

أما المبحث الثاني، فقد عالج أبرز مُبرّرات حوار الحضارات وشروطه ضمن محورين أساسيين؛ تناول المحور الأول مبررات حوار الحضارات وفق الفكر الإسلامي المعاصر. وقد عرض هذا المحور منطلقًا من البيئة المحلية والعالمية التي أعطت مبررات عدة توجب على الأطراف الحضارية كافة السير في طريق الحوار والتفاعل ونَبْذ كل ما من شأنه زعزعة الأمن والاستقرار. بينما سلّط المحور الثاني الضوء على أهم شروط حوار الحضارات في الفكر الإسلامي المعاصر الذي يفترض تركيز الأطراف الحضارية الأخرى عليها لإمكانية أن تكون ابتداء قاعدة أساسية، تؤدّي إلى توافق تلك الأطراف جميعًا عليها. 

الفصل الثاني (موقف الفكر الإسلامي من نظرية حوار الحضارات)

 أما الفصل الثاني فقد خُصِّص لبيان موقف الفكر الإسلامي من نظرية حوار الحضارات، وقد قسّمته الباحثة إلى مبحثين؛ ركّز الأول على الموقف الرافض الذي عالجته الباحثة من خلال محورين؛ حيث أوضحت في المحور الأول أسباب الرفض التي تعدَّدت ما بين الأسباب العقائدية، والفكرية-الثقافية، والسياسية والاقتصادية. بينما ركَّزت في المحور الثاني على تفاصيل ما قُدِّم من مشاريع إسلامية خالصة عُدَّت على وفق الموقف الرافض.

أما في المبحث الثاني، فتناولت الباحثة الموقف المُؤيِّد لنظرية حوار الحضارات من خلال ثلاثة محاور أساسية؛ تناول الأول أسباب التأييد التي عالجتها الباحثة من خلال نوعين من الأسباب: الأسباب الذاتية (التي حتَّمت عليه اتخاذ الموقف الإيجابي تجاهها)، والأسباب الموضوعية (التي دفعته نحو ذلك). أما المحور الثاني، فقد خُصِّص للرد على الرافضين للحوار من خلال تناول القضايا التي شكَّلت نقاطًا جوهرية لدى الرافضين. كما تم من خلال هذا المحور، مراعاة التسلسل الفكري المطروح مِن قِبَل الاتجاه الرافض. مع التركيز في المحور الثالث على موضوع «الخاتمية»، انطلاقًا من جَذْبها لاهتمام دولي.

الفصل الثالث (معوقات وآليات حوار الحضارات في الفكر الإسلامي المعاصر)

جاء الفصل الثالث من الكتاب بعنوان «معوقات وآليات حوار الحضارات في الفكر الإسلامي المعاصر»؛ حيث عالجت فيه الباحثة أهم المعوقات التي تُمثّل لدى الفكر الإسلامي معوقات أساسية تَحُدّ من تأسيس الحوار البَنَّاء بين الحضارات. وتم التركيز في هذا الفصل على عدد من الآليات الواجب إبرازها وتفعيلها للمُضي قدمًا في طريق الحوار.

ولأجل الإلمام بذلك، تم تقسيم هذا الفصل إلى مبحثين؛ عالجت الباحثة في المبحث الأول معوقات هذا الحوار الحضاري، ضمن محورين، وفي إطار نوعين من المعوقات، هما المعوقات الداخلية والمعوقات الخارجية، فيما ركز المبحث الثاني على الآليات التي يمكن الاستفادة منها لأجل تعزيز حوار الحضارات في الفكر الإسلامي ودعمه على أرض الواقع.

 أما في خاتمة الكتاب، فأكَّدت الباحثة على أن الرؤية الإسلامية العامة لحوار الحضارات لم تنطلق من فراغ، وإنما من الإيمان بوجود الحضارة الإنسانية التي تنضوي تحتها الحضارات المتعددة ذات الرؤى الفكرية المختلفة.

وقد عزَّز هذا الرأي عدم إمكانية قيام حضارة ما بمعزل عن الحضارات الأخرى طالما كانت الحضارة الإنسانية نتاج تعاون الشعوب جميعها، حتى لو تباينت في الانتماء الحضاري. ولذلك، ركَّز الطرح العام لنظرية حوار الحضارات في هذا الكتاب على مضمون النظرية أكثر من المصطلح؛ حيث بيَّنت الباحثة حقيقة وجود تلك الصور المتعددة من التعاون والتعايش بين الشعوب (سابقًا)، والذي أدَّى إلى إنتاج عمليات الأخذ والعطاء. ليصل إلى تجسيد حقيقة التحاور والتواصل بين مختلف الحضارات، وكذا الاختلاف والتنوع الحضاري الذي لا يؤدي إلى صراع، بقَدْر ما يمكن أن يكون خطوة أساسية نحو خلق التفاعل الإيجابي والتعاون، لا سيما عندما تتضح حقيقة أن الاختلاف ليس اختلافًا تفاضليًّا بُنِيَ على أُسُس عرقية أو لغوية أو دينية، بقَدْر ما انصبّ على كونه اختلافًا غائيًّا؛ تجسَّدت الغاية الأساسية له في تعارف الشعوب الذي لا بد أن يخلق أشكالًا من التعاون، يقرب من حقيقة الأخذ والعطاء والتفاعل الإنساني والحضاري عامة.

 هذا الكتاب يُشكّل إضافةً نوعية للمكتبة العربية في موضوع مهمّ جدًّا، شغل -ولا يزال- الساحة الفكرية في أواخر القرن الماضي وفي العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين؛ حيث يُقدّم قراءة تحليلية معمقة للمضامين الفكرية لحوار الحضارات في الفكر الإسلامي وفق منهجية البحث العلمي وبطريقة مفصلة ومنطقية، رُوعِي فيها السلاسة من حيث الانتقال من الأفكار العامة إلى التركيز على النقاط المهمة في فهم الفكر الإسلامي للحوار الحضاري، انطلاقًا من أُسُسه ومبادئه الإسلامية العامة.

 

 

أعلى