• - الموافق2026/01/20م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
قراءة في كتاب حين ينام العالم: قصصٌ وكلماتٌ وجراحُ فلسطين

هل ينجح كتاب حين ينام العالم في تحويل القضية الفلسطينية من خبرٍ مُكرَّر إلى اختبار أخلاقي عالمي، يكشف كيف يُنتِج الصمت الدولي ظلمًا ممنهجًا، ويُعيد تعريف العدالة بوصفها مسؤولية إنسانية لا حياد فيها؟


يُعدّ كتاب (حين ينام العالم: قصصٌ وكلماتٌ وجراحُ فلسطين) للكاتبة فرانشيسكا ألبانيزي من الأعمال التي تتناول الواقع الفلسطيني بطريقة تحليلية دقيقة؛ إذ لا يقتصر على رَصْد معاناة الشعب الفلسطيني، بل يطرح تساؤلات أخلاقية حول تجاهل المجتمع الدولي لمعاناة هذا الشعب، وصَمْت العالم إزاء ما يَحْدث أمام الجميع.

صدر الكتاب باللغة الإيطالية عن دار ريزولي بتاريخ 27 مايو 2025م، ويعتمد على بناء سردي من خلال عشر شخصيات وعشر حكايات تعكس التاريخ والحاضر ومستقبل فلسطين، مع دَمْج بين الحقائق والمعلومات والتأملات الشخصية. نُشرت النسخة الفرنسية في نوفمبر الماضي، بينما من المقرَّر إصدار النسخة الإنجليزية في 28 أبريل 2026م، ويبلغ عدد صفحاتها نحو 256 صفحة، بالإضافة إلى وجود ترجمات بلغات أخرى.

 المؤلفة: القانون حين يقترب من الإنسان

فرانشيسكا ألبانيزي خبيرة قانون دولي وحقوق إنسان، وتَشْغل منصب المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967م؛ حيث عيّنها مجلس حقوق الإنسان في مارس 2022م، وبدأت مهامها في 1 مايو 2022م. هذه الخلفية ليست تفصيلاً خارج النص؛ بل هي جزء أساسي منه. فالكتاب، وإن اتخذ هيئة «قصص»، يظل يتَّسم بمنظور قانوني واضح يستند إلى مفاهيم مثل الاحتلال والتهجير واللاجئين والحصار والتمييز والعنف المؤسسي. ومع ذلك، يحرص العمل على ربط المصطلحات القانونية بالجانب الإنساني، دون الاكتفاء بعَرْضها كمفاهيم مجردة.

تبرز هنا إحدى الأفكار الرئيسة في الكتاب، وهي أن العدالة لا تقتصر على السجلات والملفات الرسمية، وأن حقوق الإنسان ليست مجرد نصوص مجردة، بل تتجسَّد في أشخاص وحيواتهم ومنازلهم. وعندما تُصادر هذه الجوانب، يَفقد الحديث عن «المعايير» جوهره الإنساني. بناءً على ذلك؛ تقدم المؤلفة شهادتها في صورة «بورتريهات» متتابعة، لتؤكد أن فلسطين ليست مجرد حدث إخباري طارئ، وإنما كيان متكامل يُقاس بعُمْق التجربة الإنسانية فيه.

 العنوان بوصفه مفتاحًا: ماذا يعني أن «ينام العالم»؟

الاستعارة المركزية في العنوان (النوم) تُستخدَم هنا كموقف جوهري وليس كعنصر تجميلي. يُشير النوم في هذا السياق إلى «تطبيع الصدمة»؛ بحيث تتحوَّل الحالات الاستثنائية إلى وقائع اعتيادية، ويصبح ما كان غير متوقع أمرًا مألوفًا. كما يتضمن «انتقائية التعاطف»؛ حيث تتحدد إنسانية الأفراد بناءً على الجنسية والانتماءات والسياق السياسي للسردية. إضافة إلى ذلك، يظهر مفهوم «الإرهاق الأخلاقي»؛ حيث يؤدي تدفق الأخبار المستمر إلى فقدان القدرة على اتخاذ موقف واضح تجاه العدالة.

العنوان لا يُوجّه اتهامًا لأيّ فرد بعينه، بل يَطرح تساؤلاً نقديًّا للمنظومة الدولية والثقافية والإعلامية حول مَن يتحمل مسؤولية استمرار هذا «النوم» حيال المأساة المستمرة، وهل يكفي التأثر المُؤقَّت قبل العودة للحياة اليومية؟

وفقًا لمقدمة الناشر، يناقش الكتاب أسئلة مباشرة حول تبعات الاحتلال، أين «بيت اللاجئ»؟ وأوضاع اللاجئين الفلسطينيين، وظروفهم الحياتية، وآفاق المستقبل السياسي، وحق تقرير المصير لديهم. كما يستعرض الكتاب عشر قصص تتقاطع مع حيوات متعددة، وتثير تساؤلات محورية لا يمكن تجاهلها، ومن بينها: مدى قسوة جريمة الإبادة.

سواء اتفق القارئ مع المفاهيم السياسية والقانونية التي تطرحها الكاتبة أو ناقشها، إلا أنه من الجدير بالذكر أنها لا تستخدم التساؤل فقط للجانب البلاغي، بل تُوظّفه أيضًا لتعزيز حسّ المسؤولية المعرفية، بهدف تشجيع اليقظة الفكرية وعدم الركون إلى السلبية.

 البنية السردية: عشر شخصيات ترسم خريطة لفلسطين

يرتكز هذا الكتاب على استعراض عشر شخصيات كان لها دور محوري في تشكيل رؤية المؤلفة حول التاريخ، الحاضر، والمستقبل الفلسطيني. تتضمن هذه الشخصيات:

- هند رجب: طفلة قُتِلَت في غزة، وتُقدَّم قصتها بوصفها نافذة على معنى أن يكون الطفلُ في ساحة حرب وليس في «عشّ» يحميه، مع ذِكْر واقع الطفولة في بيئة تفتقر للأمان.

- أبو حسن الذي ينقل القارئ إلى أطراف القدس، وما يرافقها من ظروف قاسية وصعوبات متراكمة.

- جورج، ابن القدس؛ حيث يتداخل في قصته عنصر الدهشة مع تحديات الواقع اليومي.

- غسان أبو ستة، الطبيب الجراح القادم من لندن إلى قلب الرعب، ويقدم شهادته عن الأحداث التي شهدها.

- ملاك مطر الفنانة الشابَّة التي غادرت غزة لتستطيع التعبير أو لتنجو.

- كما يشمل الكتاب شخصيات أكاديمية وفكرية مثل: إيال وايزمان (Eyal Weizman)، غابور ماتي (Gabor Maté)، وألون كنفينو (Alon Confino)، إضافة إلى الإشارة لدور بعض «المرشدين اليهود» الذين ساهموا في دعم المؤلفة.

يعكس هذا الاختيار رغبة المؤلفة في تقديم صورة متعددة الأبعاد لفلسطين، باعتبارها تجمُّعًا غنيًّا من التجارب الإنسانية المتنوعة؛ من منظور الطفل، واللاجئ، والعامل، والطبيب، والفنان، والباحث. ومن خلال ذلك، يُبرِزُ العملُ أنّ القضية الفلسطينية لا يمكن اختزالها في إطار سياسي فحسب، بل هي حاضرة بقوة في تفاصيل الحياة اليومية، بدءًا من معاناة الطفولة، مرورًا بالتحديات في المجالات الفنية والطبية، وصولًا إلى مجهودات الإنقاذ التي تبدو أحيانًا شبه مستحيلة.

تُعدّ القصص وسيلة فاعلة للوصول إلى الحقيقة، وليست بديلاً عنها. غالبًا ما تُواجه الكتابات المتعلقة بفلسطين تحديًا يتمثل في الميل نحو الإفراط في عرض الأرقام بطريقة قد تُصعِّب على القارئ تصوُّر الأحداث، أو الاعتماد المفرط على الجانب العاطفي؛ مما يؤدي إلى ضَعْف تماسك السرد.

يتميز هذا الكتاب بمحاولة الدمج بين العرض القصصي وتقديم المعلومات والتأملات؛ بحيث يمنح القارئ رؤية واضحة متكاملة ضمن سياقها الموضوعي. يُقدّم النصُّ سردًا يدمج الوقائع والمعلومات والانطباعات الشخصية، الأمر الذي يجعله أقرب إلى أدب الشهادة منه إلى الأدب الروائي التقليدي، وأقرب إلى العرض السردي للقانون من التقرير الأكاديمي الجامد.

وفي هذا السياق، تكتسب القصة وظيفة معرفية ومقاومة ضد طمس الذاكرة الجماعية وتحويل الضحايا إلى مجرد أرقام بلا هويات واضحة؛ حيث تُعبِّر المؤلفة عن ذلك بتسليط الضوء على أسماء الضحايا. فحين تقول المؤلفة «هند»، لا تقول «طفلة ضمن أرقام»، بل تقول: إن الأرقام لها وجوه.

من القدس إلى غزة: الجغرافيا بوصفها عاملًا محوريًّا في الصراع

أقامت الكاتبة فترة في القدس في إطار رحلة شخصية ومهنية هدفت إلى فهم القضية الفلسطينية. يُعدّ هذا التفصيل ذا أهمية؛ فالقدس في المخيال السياسي ليست مجرد مدينة؛ إذ تمثل القدس محورًا للصراع حول المكان والهوية والتاريخ. يناقش الكتاب التحولات بين القدس وغزة والمناطق الطرفية؛ حيث تظهر الجغرافيا ذاتها تتحوّل إلى «سيرة جرح»:

- في غزة: تبرز تحديات الحصار والحروب وظروف الطفولة المتأثرة بهما.

- في القدس: يتداخل المقدس بالسياسي، واليومي بالاستثنائي، والتاريخي بالراهن.

- وفي المناطق الهامشية: حيث يعيش الناس تحت ضغطٍ مستمر دون أن يصل صوتهم.

بهذا يُسلّط الكتاب الضوء على البُعْد الإنساني للخرائط؛ إذ يُركّز على الأشخاص المقيمين في هذه المناطق بدلاً من الاكتفاء بالجانب الجغرافي النظري. والفرق كبير بين أن تقرأ عن مكانٍ على الورق، وأن تراه في عين طفل أو طبيب أو فنان.

يُلِحّ الكتاب على ثلاثة محاور رئيسية: أولها سؤال «بيت اللاجئ»: أين هو؟ هذا السؤال يبدو بسيطًا لكنه في الحقيقة يمسّ جوهر القضية؛ لأن «البيت» ليس جدرانًا فقط، بل انتماء وحق وذاكرة ومقبرة وجدٌّ وحكاية. حين يُسلَب البيت يُسلَب جزء من تعريف الإنسان لنفسه، فهو ابن بيتٍ مسلوب، ووجوده وحده شهادة على أن الأرض كانت مأهولة، وأن التهجير ليس قصة خيالية، بل يمثل تفكيكًا لمفهوم «الأرض» كمكان مأهول، وليس مجرد فراغ.

أما المحور الثاني فيُسلّط الضوء على إجابة سؤال «ما عواقب الاحتلال؟»، محللاً كيف يؤثر الاحتلال بشكل يومي على مختلف مناحي الحياة، مثل الاقتصاد والتعليم والصحة والحالة النفسية للمجتمع، معتبرًا إياه منظومة مستمرة وليست حادثة عابرة.

أما السؤال الثالث الأشد إثارةً للجدل، فيرتبط بمناقشة الأوصاف القانونية والأخلاقية الكبرى، مثل «الإبادة» و«الفصل العنصري»؛ حيث يُعبِّر الكتاب عن موقف واضح ضد سياسات الفصل العنصري. وتؤكد المؤلفة أهمية مناقشة هذه المصطلحات باعتبارها أسئلة تعريفية جوهرية تتعلق ببنية العنف والسياسات المنهجية، بعيدًا عن التوصيفات السياسية أو الانتقادات العابرة. كما تدعو القارئ إلى التفكير النقدي سواء وافق القارئ على توصيفاتها أو خالفها، إنها ترفض منطقة الراحة الرمادية التي تتيح للعالم أن يواصل نومه.

القيمة الأدبية: لغةٌ تريد أن تُنقذ المعنى

يركّز الكتاب على حماية المعنى من الاستهلاك الإعلامي بدلاً من إبهار القارئ بأسلوب الكتابة. في ظل كثرة الصور التي تتشابه فيما بينها، تبرز أهمية اللغة الجيدة كضرورة وليس ترفًا؛ فهي لغة تُعيد ترتيب إدراكنا للواقع. لهذا السبب، يُسهم أسلوب تقديم «العشر حكايات» في خلق إيقاع يدفع القارئ إلى التعامل مع التفاصيل، ولا يسمح له بالاختباء خلف عموميات. كل فصل تقريبًا يُعيدُ طرح الأسئلة من منظور مختلف وبصوت جديد، مما يُمثّل فلسطين ليس كموضوع مجرد، بل كاختبار لطريقة نظرنا إلى الإنسان.

أخيرًا: ملاحظات بين الشهادة والاصطفاف

- الكتاب منحاز للحقيقة، وهذا ليس عيبًا في «أدب الشهادة»؛ إذا كان الانحياز قائمًا على السرد الموثّق والوعي بالسياق. لذا فالقارئ الذي يبحث عن «توازن بارد» سيشعر أن المؤلفة لا تترك مسافة كافية بين التحليل والموقف. وهنا يمكن القول: إن طبيعة الدور الأممي والحقوقي للمؤلفة تجعل الحياد الصوري أقلّ جاذبية لديها من المساءلة الأخلاقية.

- الاعتماد على «العشر شخصيات» يمنح العمل قوةً سردية، لكنّه قد يدفع بعض القراء إلى التساؤل: هل تكفي عشر نوافذ لرؤية المشهد كله؟ الإجابة الأقرب: لا تكفي، لكنها تبدأ؛ وهي بداية مقصودة، لأن الهدف ليس الإحاطة، بل كسر القيد وبثّ الوعي وعودة الروح.

- حرب غزة لم تكن مجرد تصعيد عسكري؛ بل كارثة إنسانية واقتصادية واجتماعية مستمرة، تُهدّد الحياة اليومية لكل فرد في قطاع غزة على نطاق واسع؛ من فقدان الحياة إلى فقدان السكن، من انهيار الخدمات الأساسية إلى تهجير جماعي، وإجهاض التعليم، والأمن الغذائي، والصحي.

ماذا يقدم الكتاب للقارئ للمسلم؟

تتجاوز قيمة هذا الكتاب حدود إثارة التعاطف؛ إذ إن التعاطف مع القضية الفلسطينية راسخ في وجدان الأُمَّة. وإنما تبرز أهمية الكتاب فيما يلي:

1- إعادة إبراز البُعْد الإنساني: ففي الوقت الذي يتركز النقاش غالبًا على الجوانب التقنية -مثل التصريحات الرسمية أو أصوات الدول أو المؤتمرات-؛ يتعرض الإنسان للتهميش. يُعيد الكتاب الاعتبار للإنسان، ويؤكد أن استعادة المعنى خطوة أساسية ضمن مسار تحرير الأرض.

2- تحليل ظاهرة «نوم العالم» كبنية ممنهجة: تُوضّح المؤلفة أن الغفلة ليست مجرد سلوك فردي، بل هي نتيجة منظومة متكاملة تجمع بين تواطؤ المصالح، ضعف الخطاب، فتور الضمير وازدواجية المعايير. والكتاب يضع القارئ أمام هذا كله دون أن يطلب منه سوى شيء واحد: أن يرى، ثم ألّا يعتذر عن رؤيته.

3- قراءة هذا العمل بوصفه «جسرًا سرديًّا» نحو الخارج إضافة مهمة؛ نقرأه لا لأننا نحتاج أن نُقنع أنفسنا، بل لأننا نحتاج أن نفهم كيف تُكْسَر السردية في ساحة الآخر.

خلاصة: كتابٌ يطالب القارئ أن يكون «شاهدًا»

يمكن تلخيص أثر كتاب (حين ينام العالم) في جملة واحدة: إنه كتاب لا يريد منك أن تُعْجَب به، بل يريد منك أن تستيقظ. هو شهادةٌ تمتزج فيها السيرة بالمعلومة، يوازن بين الجوانب القانونية والسرد القصصي، ويربط الواقع بالأبعاد الإنسانية. يُشدّد الكتاب على أن قضية فلسطين تتجاوز كونها منطقة جغرافية واقعة تحت الاحتلال لتصبح رمزًا للعدالة والهوية الإنسانية. وهو يُذكِّر بأن فلسطين ليست مجرد جغرافيا محتلة، بل معنى مهدَّد؛ معنى العدالة حين تُقاس بالهوية، ومعنى الإنسان حين يُعطَى حقّه انتقائيًّا.

إن أهم ما يقدّمه هذا الكتاب لقارئ اليوم ليس «معلومة جديدة» فحسب، بل طريقة جديدة في النظر؛ أن ترى فلسطين لا كخبرٍ يتكرر، بل كحكاية حياة تُستعاد كي لا تُدفن تحت ركام العادة. وإذا كان العالم ينام، كما يقول العنوان، فربما تكون وظيفة مثل هذه الكتب أن تُذكِّرنا بأن الاستيقاظ ليس ترفًا، بل واجب.

أعلى