معالم الفعل الإسلامي...

كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم القران كما جاء على لسان عائشة رضي الله عنها التي عاشت معه الحياة الخاصة والعامة، وهو الذي يقول: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»


مدخلٌ تأصيليٌّ عامٌّ

إن الناظر والمتأمل في أصول الإسلام الكلية وطبيعة الترابط الحاصل بين نصوصه، يرى بوضـوح أن الفعل الإسلامي يتميز بالشمولية. ونقصد بالفعل الإسلامي هنا أمرين اثنين: الفعل الذي يدعو إليه الإسلام (القرآن والسنة) من حيث التنظيرُ، وفعل المسلم (التفكير والعمل) من حيث التنزيلُ.

فالأول يتميـز بفلسفة خاصـة، لأنه مختلـف في بنيته وقضاياه، فهو ليس ديناً فرديّاً، روحيّاً، غيبيّاً (ميتافيزيقيّاً) فقط؛ بل هو دين فردي وجماعي، روحي ومادي، إنه شامل لحياة الإنسـان في عالَـمَيه الشهودي منها والغيبي:

الشهودي بكل ما فيه من قيم، وأخلاق، وتشريعات.

والغيبي بكل ما فيه من ثواب أو عقاب.

ففي العالم الشهودي جاء الدين (الإسلام) ليتمم مكارم الأخـلاق، وإخراج الإنسان من وضع كان يعبد فيه المادة، من بشر وحجر وبقر، إلى عبادة الله الواحد الأحد. كما جاء لتوضيح ما حُرِّف في الأديان السابقة، وإزالة الطغيان الجزئي (الأسري - الاجتماعي)، والكلي (السياسي - الاقتصادي)، وقد سن الإسلام بدل ذلك نُظُماً أخلاقية عادلة عامةً وخاصةً:

فالنظم الأخلاقية العامة (الكلية): من حيث وضعُها لقواعد وقوانين كلية ثابتة في حياة الإنسان، وهذا الثبات: إما من حيث الوجودُ، وإما من حيث الورود، يتماشى ومطالبَ الإنسان وتطلعاته وعلاقاته بكـلِّ أبعادها وصورها، وترك الله سبحانه وتعالى مساحة كبيرة لفعل العقل من تفكير وتدبُّر واعتبار... بناء على ضوابط وضعها العلماء (الأصول... والمقاصد...).

وأما النظم الأخلاقية الخاصة (الجزئية):  فلكـونه عالج الجزئيـات (الفروع)، وذلك من جهتَي الثبوت والدلالة.

وللفعل الإسلامي معالم وأصول كبرى يقوم عليها، وهي مشكِّلة للأنموذج العام لحركة الإنسان في عالَـمَيه، وهي التي يجب على المسلم بشكل خاص الاحتكام إليها في الفهم والعمل والتطلعات، ومن أهمها:

أولاً: العقيدة

العقيدة لغة: العين والقاف والدال أصل واحد يدل على شَدٍّ وشدة وثوق[1]، وعقد: العقد: نقيض الحل، ويقال: عقدت الحبل، فهو معقود، وكذلك العهد»[2].

إذا تأملنا في الدلالة اللغوية للعقيدة نجدها تعني الرسوخ، والإحكام، والثبات؛ فالمسلم اليوم في حاجة إلى فهم هـــــــذه الدلالات اللغويـــة، لِـمَا لهــا من آثار على الفعل.

العقيدة اصطلاحاً: هناك تعريفات متعددة للعقيدة إلا أني اختـرت تعريفاً دون غيـره لشموله ووضوحه؛ فالعقيدة هي: «الأمور التي يجب أن يُصَدِّقَ بها القلب، وتطمئن إليهـا النفس، حتى تكون يقيناً ثابتاً لا يمازجها ريب، ولا يخالطهـا شك. أي: الإيمان الجازم الذي لا يتطرَّق إليه شكٌّ لدى معتقده، ويجب أن يكون مطابقاً للواقع، لا يقبل شكّاً ولا ظنّاً؛ فإن لم يصل العلم إلى درجة اليقين الجازم لا يُسَمى عقيدة. وسمي عقيدة؛ لأَنَّ الإنسان يعقد عليه قلبَه»[3].

فالقرآن الكريم لم ينص صراحة على كلمة (عقيدة)، وهناك خلاف حول ورودها في السُّنة من حيث صحةُ النص، لكن القران الكريم وإن لم ينص عليها، فإنه قد نص على مضمـونها بمفاهيم أخرى كـ (الإيمان)، يقول الله تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: ٧].

وقد عبَّر العلماء عن العقيدة بمصطلحات أخرى منها: التوحيد - أصول الدين - الشريعة.

 ثانياً: الشريعة

الشريعة في اللغة: الطريقة الظاهرة التي يُتوصل بها إلى الماء، ثم استعملت فيما شرعه الله لعباده من الدين الذي يوصل إلى الحياة الأبدية[4].

الشريعة اصطلاحاً: ما شرعه الله سبحانه لعباده من الأحكام التي جاء بها نبيٌّ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، سواء كانت هذه الأحكام أحكاماً اعتقاديَّةً أو أحكاماً عمليَّةً ليؤمنوا بها فتكون سعادتهم في الدنيا والآخرة... والشريعة الإسلاميَّة: ما نَزل به الوَحي على مُحمَّد صلى الله عليه وسلم  من الأحكام التي تُصلِح أحوال الناس في الدنيا والآخرة سواء في ذلك الأحكام العقائديَّة، أو الأحكام العمليَّة، أو الأخلاق[5]. يقول الله سبحانه وتعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [المائدة: 48]، {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا} [الجاثية: 18].

«ولما جاءت الشريعة من عند الله تعالى على لسان نبيِّه صاحب المعجزة محمد صلى الله عليه وسلم ، فمنها ما أقرَّته في نصابه ومنها نسخته وأبطلت حكمه، فعادت الحكمة البالغة أمر الله تعالى والحكم بما أنزل الله وبطل ما سواه، وكان ملكهم محفوظاً برعايتهم للقوانين المألوفة بينهم، فانقطع بذلك حبل الهمـل فكانوا يقيمـون بها واجب الحقوق، ويتعاطون بها ما لهم وعليهم»[6].

ثالثاً: الأخلاق

الأخلاق في اللغة: جمع: خُلُق، والخلق في اللغة: الطبع والسجية[7].

الأخلاق في الاصطلاح: فقد عرَّفها العلماء بتعريفات متعددة، من أهمها: «الخلق: عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر ورويَّة، فإن كانت الهيئـة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة عقلاً وشرعاً بسهولة، سميت الهيئة: خُلُقاً حسناً، وإن كان الصادر منها الأفعال القبيحة، سميت الهيئة: خلقاً سيئاً»[8].

هذا من حيث كونها نظاماً نظرياً كليّاً. أما من حيث فِعْلُ المسلم فيجب أن يقوم على ما ذكر، لأن الأخلاق بالنسبة للمسلم لا تنفصل البتة عن الدين (الإسلام) من جهة كونه نظاماً كليّاً يمتثلها المسلم، باعتبارها أوامر ملزمة في القول والعمل، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم  أسوة حسنة، في العلاقات الفردية، والجماعية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية.

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم  أسوة حسنة لتفعيل المنظومة الأخلاقية الإسلامية، يقول الطرطوشي وهو يتحدث عن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم : «لم تحتوِ الأرض على بشر أحسن خُلُقاً من محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فكل من تخلَّق، بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم  أو قاربها كان أحسن الناس خُلُقاً، وكل خلق ليس يعد من أخلاقه فليس من حُسْن الخلق»[9].

وكان خلق النبي صلى الله عليه وسلم  القران كما جاء على لسان عائشة رضي الله عنها التي عاشت معه الحياة الخاصة والعامة، وهو الذي يقول: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»[10].

لكن ما طبيعة هذه الأخلاق؟ يجيب أبو بكر الطرطوشي بقوله: «استحسنوا الأخلاق العامية واستخشنوا الأخلاق النبوية لجهلهم بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم . وها أنا أتلو عليك من أخـلاق الأنبيـاء والمرسلين صلوات الله عليهم والأولياء والأصفياء والعلماء والصالحين، نرجو ما نرجو أن ينفعنا الله وإياك به. قال الله تعالى لنبيه وصفيِّه محمد صلى الله عليه وسلم : {وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: ٤] فخص الله تعالى نبيَّه محمداً صلى الله عليه وسلم  من كريم الطباع ومحاسن الأخلاق من الحياء والكرم والصفح وحسن العهد»[11].

ومكارم الأخلاق كما جاء عن عائشة رضي الله عنها عشرة: صدق الحديث، وصدق البأس في طاعة الله، وإعطاء السائل، ومكافأة الصنيع، وصلة الرحم، وأداء الأمانة، والتذمم للجار، والتذمم للصاحب، وقِرَى الضيف، ورأسهن الحياء»[12].

وتفسد الأخلاق باتباع الهوى، والجهل بأصولها الحميدة، النافعة للفرد والأمة والدولة. والفساد والصلاح ينطبق على كل الناس في جميع مستوياتهم الفردية والجماعية، وصور مقامهم، وما يهمنا هنا (الحاكم) لأنه يعمل بمن معه على رعاية مصالح الأمة، الذي يوجب عليه أكثر من غيره، ألا يعاشر السفهاء والمفلسين أخلاقياً، حتى لا يصبح سفيهاً فاسد الأخلاق والطبع والفطرة، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «فساد الأخلاق بمعاشرة السفهاء. وقيل الخلق السيئ يضيق قلب صاحبه لأنه لا يسع فيه غير مراده، كالمكان الضيق لا يسع فيه غير صاحبه»[13].

وبناء على هذا، فإنه على الحاكم قبل غيره أن يختار مَن يجالسهم ويشاورهم، من أهل العلم والفضل والنصح والتقويم، حتى لا تفسد أخلاقه؛ إذ الأخلاق الإسلامية ليست شيئاً مجرداً، بل هي روح العمل، الفردي والجماعي بجميع صوره، باعتبارها صيغة أمرية، إلهية، شمولية، كونية، لأن من وراء أوامر الضمير الفردي، والضمير العام نظاماً أكثر صلابة منهما، هو نظام الفطرة الكونية الشاملة، بقانون سببيته الذي لا يعرف الهوادة، فهذه طريقة في العمل تؤدي إلى نهاية حسنة، وتلك طريقة أخرى تعود ضد صاحبها، ولذلك تنصحنا الفطنة الحكيمة بأن نحسب حساب النتائج قبل الشروع في أي عمل[14].

يجب على الفعل الإسلامي أن يخرج من إطار (الفطرة الساذجة) أو (الفعل الشارد)، إلى الفعل المسؤول بالمعنى الحالي والاعتباري، على المسلم أن يكون مسؤولاً في تفكيره وعمله وعلاقاته الفردية والجماعية.

كما أن هذه الاعتبارات الغائية لا يمكن من وجهة النظر الأخلاقية أن تنال صفة الشرعية إلا حين لا تحيد عن الواجب، بل تمضي بالأحرى متوافقة معه، طالبة منه المزيد.

وبهذه الشروط، أليس من حق أية تربية حسنة أن تلجأ إلى مثل هذا الأسلوب أحياناً، لدعم تعليمها؟ على هذا النحو، جرى القرآن في كل حال، وهو يذكرنا، بعدد قليل من الأمثلة، بالنتائج الطبيعية لسلوكنا، وهي نتائج مختارة من بين أكثرها عموماً، وأكثرها واقعية وبقاءً[15]. بحيث «تمثل معاقد الترابط الاجتماعي»[16] بين المسلمين وغيرهم.

«ولا يكفي أن نعلن عن قدسية القيم الإسلامية، بل علينا أن نزوِّدها بما يجعلها قادرة على مواجهة روح العصر. وليس المقصود أن نقدم تنازلات إلى الدنيوي على حساب المقدَّس، ولكن أن نحرر هذا الأخير من بعض الغرور الاكتفائي الذي قد يقضي عليه.

بكلمةٍ واحدة، ينبغي العودة ببساطةٍ إلى روح الإسلام نفسها»[17].

وتعد الأخلاق الإسلامية من أهم «الظواهر التطبيقية للإيمان بالله واليوم الآخر، من أكبر العوامل الفعالة التي منحت المسلمين قوَّتهم الهائلة في تاريخهم المجيد»[18].

الإسلام جاء بمعالم واضحة يجب السير وَفْقَها من أجل الفلاح في الدنيا والآخرة.


 


[1] معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس بن، المحقق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر: 1399هـ - 197م، مادة عقد.

[2] لسان العرب، جمال الدين ابن منظور، الناشر: دار صادر – بيروت، ط 3، 1414هـ، 3/ 296.

[3]  الوجيز في عقيدة السلف الصالح، عبد الله بن عبد الحميد الأثري، الناشر: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1422هـ، ص 24.

[4] تفسير الراغب الأصفهاني، تحقيق ودراسة: د. محمد عبد العزيز بسيوني، الناشر: كلية الآداب - جامعة طنطا، ط1: 1420 هـ - 1999م، ص370.

[5] دراسات في تميز الأمة الإسلامية وموقف المستشرقين منه، إسحاق بن عبد الله السعدي، ط1، الناشر، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، 1/ 304.

[6] سراج الملوك، أبو بكر الطرطوشي 1289هـ - 1872م، ص 54.

[7] لسان العرب10/ 86.

[8] كتاب التعريفات، الجرجاني، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى 1403هـ  - 1983م، ص 101.

[9] سراج الملوك، ص 145.

[10] رواه البخاري في «الأدب المفرد» رقم ( 273 )، وابن سعد في «الطبقات» 1/ 192.

[11] سراج الملوك، ص 145.

[12] مكارم الأخلاق، أبو بكر ابن أبي الدنيا، المحقق: مجدي السيد إبراهيم، الناشر: مكتبة القرآن – القاهرة، ص 26. وقد وضح ذلك عبد الرحمن حبنكة الميداني بأمثلة كثيرة في كتابه، أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها: التبشير - الاستِشراق - الاستعمار، الناشر: دار القلم – دمشق، الطبعة: الثامنة، 1420 هـ  - 2000 م، ص 401 وما بعدها.

[13] سراج الملوك، ص 158.

[14] دستور الأخلاق في القرآن، محمد بن عبد الله دراز، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: العاشرة 1418هـ  - 1998م، ص 409.

[15] المصدر نفسه.

[16] أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها، عبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة الميداني، الناشر: دار القلم – دمشق، الطبعة: الثامنة، 1420 هـ - 2000 م، ص 401.

[17] مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، مالك بن نبي، إشراف وتقديم: المحامي عمر مسقاوي، الناشر: دار الفكر المعاصر - بيروت لبنان، دار الفكر - دمشق سورية، 1423هـ  - 2002م، ص 12.

[18] أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها، ص 406.

 

 

أعلى