كيف تستطيع الدول الإسلامية الغنية تحويل ثرواتها ومواقعها الإستراتيجية، في عالم يتجه من العولمة إلى التحوط والانقسام الجيوسياسي، إلى قوة اقتصادية مستقلة ومستدامة، بدل البقاء مجرد خزانات للطاقة وأسواق استهلاكية رهينة للتقلبات والصراعات الدولية المتسارعة الي
من العولمة إلى التحوط
حين تُعيد دولة بحجم فرنسا ترتيب ذهبها المحفوظ في نيويورك[1]؛
فالقضية ليست مجرد نقل سبائك من خزينة إلى أخرى، وإنما دلالة على تراجع الثقة
بالمراكز المالية الكبرى، وتنامي نزعة التحوُّط. فالأصول السيادية التي كانت تُحفَظ
في الخارج باعتبارها في مأمنٍ عن التجاذب السياسي، باتت اليوم تُقرَأ في ضوء
العقوبات، وتوترات القوى الكبرى، واحتمال تسييس المال نفسه. ومن هنا لا يبدو الذهب
الفرنسي مجرد خبر مالي، بل هو نافذة تطل على مرحلةٍ يُعاد فيها تعريف الأمان
الاقتصادي، والثقة النقدية، في عالم مضطرب.
لم يَعُد الاقتصاد العالمي يتحرك وفق منطق السوق وحده، ولا وفق قواعد العولمة التي
سادت خلال العقود الماضية، حين كانت التكلفة الأقل، وسرعة النقل، وحرية التدفقات
المالية، هي المُحدّدات الكبرى للقرار الاقتصادي. العالم ينتقل اليوم إلى مرحلة
مغايرة؛ مرحلة تتداخل فيها السياسة مع الاقتصاد، والأمن القومي مع التجارة،
والجغرافيا الإستراتيجية مع سلاسل الإمداد. لذلك غدا من العسير فَهْم حركة التجارة
أو التمويل أو الاستثمار بمعزل عن خرائط الصراع والنفوذ والتحالفات.
وتصف المؤسسات الدولية هذا التحوُّل بمصطلحات مثل «التفكك الجيو-اقتصادي» أو «تزايد
التجزؤ في الاقتصاد العالمي»، في إشارة إلى أن العالَم لم يَعُد فضاءً اقتصاديًّا
واحدًا بالمعنى السابق، وأصبح أكثر انقسامًا، وأكثر حساسية للاضطراب السياسي
والأمني.
هذه الحقيقة لا تعني فقط أن العالم يَمُرّ بأزمة عابرة؛ فهي تعني أن قواعد اللعبة
الاقتصادية نفسها تتغير. فالشركات الكبرى لم تَعُد تبحث عن المورد الأقل فحسب،
وإنما عن المورد الأكثر أمانًا. والدول لم تَعُد تقيس نجاحها بمدى انفتاحها على
الأسواق وحده، بل بقدرتها أيضًا على حماية أمنها الغذائي، وممراتها البحرية،
واحتياطياتها الإستراتيجية، ومرونتها الصناعية والرقمية.
حتى البنوك المركزية والجهات الاستثمارية صارت تتعامل مع البيئة الدولية على أنها
بيئة عالية المخاطر، تتطلب مزيدًا من التحوط وتوزيع الاعتماد وتقليل الانكشاف على
الصدمات الجيوسياسية. وفي هذا السياق، تبدو التحولات الجارية أعمق من مجرد تقلبات
في أسعار النفط أو الذهب أو أسواق الأسهم؛ إنها تعبير عن عالم يُعيد ترتيب
أولوياته، ويعيد تعريف معنى «الأمن الاقتصادي» نفسه.
ولعلّ أبرز ما يلفت النظر في هذا التحول أن العولمة التي قامت على مبدأ «الكفاءة
القصوى» تتراجع اليوم أمام منطق «الاعتمادية الآمنة».
خلال المرحلة السابقة، كان من الطبيعي أن تتوزع سلاسل الإنتاج عبر القارات وفق
حسابات التكلفة، حتى لو أدَّى ذلك إلى اعتماد شديد على مناطق بعينها في المواد
الأولية أو الصناعة أو الشحن البحري؛ أما اليوم، فقد باتت الدول والشركات تُعيد
النظر في هذا النموذج؛ لأن التكلفة المنخفضة لم تَعُد وحدها معيارًا كافيًا إذا كان
ثمنها هشاشة إستراتيجية عند أول أزمة. ولهذا تتزايد أهمية الشريك السياسي الموثوق،
والموقع اللوجستي المستقر، والبنية التحتية القادرة على امتصاص الصدمات، والاقتصاد
القادر على التكيُّف السريع. وتؤكد الأونكتاد أن تباطؤ النمو العالمي، وتصاعُد
التوترات التجارية والسياسية، يدفعان الاقتصادات النامية تحديدًا إلى التفكير أكثر
في التنويع والاندماج الإقليمي وبناء قدرات محلية أكثر صلابة.
أين يقف العالم الإسلامي؟
من هنا تبرز أهمية السؤال بالنسبة إلى العالم الإسلامي، وبصورة أخصّ بالنسبة إلى
دوله الغنية. فهذه الدول ليست بعيدة عن قلب التحوُّل، وإنما تقع في مركزه من جهات
متعددة. فهي تملك جانبًا مهمًّا من الطاقة العالمية، وتجاور أو تشرف على بعض
الممرات البحرية الأكثر حساسية في التجارة الدولية، وتمتلك صناديق سيادية ضخمة،
وفوائض مالية كبيرة، ومواقع جغرافية تصل الشرق بالغرب، والشمال بالجنوب. ومع ذلك،
فإن هذه المزايا ذاتها قد تتحوَّل إلى مَواطن هشاشة، إذا لم تتم إدارتها ضمن رؤية
إستراتيجية بعيدة المدى. فالموقع الذي يَهَب الدولة فرصة استثنائية قد يجعلها في
الوقت نفسه في مرمى الاضطراب، والثروة التي تُتيح النفوذ قد تتحول إلى مجرد أمان
مؤقّت إذا لم تُترجَم إلى قدرة إنتاجية ومعرفية ومؤسسية.
وتفيد دراسة حديثة لصندوق النقد الدولي عن الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وآسيا الوسطى
بأن آثار التفكك الجيو-اقتصادي ليست متماثلة بين الدول؛ فبعض الاقتصادات قد تستفيد
جزئيًّا من إعادة توجيه التجارة أو من لعب دور «الوسيط المحايد» بين الكتل
المتنافسة، لكن هذه الاستفادة ليست مضمونة، كما أنها قد تنقلب إلى خسارة إذا اشتدت
حدة الانقسام أو تعطّلت طرق التجارة أو ارتفعت تكاليف التمويل والطاقة.
وتلفت الدراسة إلى أن الانفتاح التجاري وحده لا يكفي؛ إذ لا بد من جودة البنية
التحتية، وكفاءة المؤسسات، وتحسين البيئة التنظيمية، حتى تستطيع الدولة تحويل
التحولات العالمية إلى فرصة بدل أن تكون مجرد مُتلقٍّ للارتدادات. وهذا مُهِمّ
جدًّا للعالم الإسلامي؛ لأن كثيرًا من دوله تقع في مناطق عبور وتماس، ما يجعلها
عُرْضة للأثر المباشر لأيّ اختناق في الملاحة أو في سلاسل الإمداد أو في تدفقات
الاستثمار.
وإذا نظرنا إلى الدول الإسلامية الغنية، وخاصةً في منطقة الخليج، فإننا نجد أنها
تقف اليوم عند مفترق تاريخي حقيقي. فهي من جهة استفادت خلال السنوات الماضية من
فوائض الطاقة، وراكمت احتياطيات وصناديق سيادية ومكانة استثمارية معتبرة. ومن جهة
أخرى، بدأت تتحرك بدرجات متفاوتة نحو التنويع الاقتصادي، والاقتصاد الرقمي،
والخدمات اللوجستية، والسياحة، والصناعة، والطاقة المتجددة. وقد أشار البنك الدولي
في تقريره الأخير عن اقتصادات الخليج إلى أن هذه الاقتصادات أظهرت قدرًا ملحوظًا من
الصمود، مع استمرار التقدم في التنويع والتحول الرقمي، لكنّه أكّد في الوقت نفسه أن
الاعتماد على الهيدروكربونات ما يزال عنصرًا مؤثرًا في الأوضاع المالية
والاقتصادية، وأن التحول الحالي ما يزال بحاجة إلى استكمال وتعميق حتى يصبح أكثر
رسوخًا واستدامة.
الثروة وحدها لا تكفي!
وهنا ينبغي التوقف عند مسألة جوهرية: ليست الثروة في ذاتها ضمانًا دائمًا، وإنما
الضمان في القدرة على تحويلها إلى مُقوّمات قوة. فالدولة التي تملك فوائض مالية
كبيرة لكنها لا تبني بها قاعدة إنتاجية، ولا تنشئ بها معرفة محلية، ولا تُطوّر بها
سلاسل قيمة، ولا تُعزّز بها أمنها الغذائي والتقني والدوائي، تظل عُرْضة لتقلبات
الخارج مهما بدا وضعها المالي مطمئنًا في لحظة من اللحظات.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الدول الإسلامية الغنية ليس السؤال كيف تنمو فحسب،
وإنما كيف تتحوَّل من الاقتصادات الريعية أو شبه الريعية إلى اقتصادات قادرة على
امتصاص الصدمات، وإعادة التموضع، والاستمرار في توليد القيمة حتى عند تراجع أسعار
الطاقة أو اضطراب البيئة الدولية. وهذا المعنى تؤيده دراسة صندوق النقد عن دور
الاستثمارات العابرة للحدود والصناديق السيادية في تنويع اقتصادات الخليج، إذ تشير
إلى أن هذه الأدوات يمكن أن تكون رافعة حقيقية للنمو غير النفطي عندما تُوجّه إلى
قطاعات إستراتيجية ومُنتِجَة، لا حين تبقى مجرد مَحافظ مالية تبحث عن العائد
المجرد.
ومن أهم ما يجب التنبُّه له في هذه المرحلة أن العالم لا يكافئ فقط مَن يملك المال،
وإنما مَن يعرف كيف يُوظّفه في اللحظة الحاسمة. فالصناديق السيادية، على ضخامتها،
لا تكون ذات معنى إستراتيجي كامل إلا إذا تحوَّلت إلى وسيلة لبناء النفوذ الاقتصادي
المستدام، وتحصيل المعرفة، ونَسْج الشراكات التكنولوجية، وتوطين الصناعات الحساسة،
وربط الداخل الاقتصادي بالتحولات الكبرى في العالم.
وفي هذا السياق، تصبح الاستثمارات في الموانئ، والخدمات اللوجستية، والطاقة
النظيفة، والذكاء الاصطناعي، والتصنيع المتقدّم، والأمن الغذائي، ليست مجرد قطاعات
تنموية منفصلة، بل أجزاء من تصوُّر أشمل لمكانة الدولة في عالم متغيّر. ومن هنا
أيضًا تتضح أهمية ألا يُفهَم التنويع الاقتصادي على أنه مجرد خفض لنسبة النفط في
الناتج المحلي، وإنما إعادة بناء لهندسة القوة الاقتصادية كلها.
بين الفرص والمخاطر
ومع ذلك، فإن الحديث عن الفرص لا ينبغي أن يحجب الحديث عن المخاطر. فالعالم
الإسلامي الغني يُواجه اليوم جملة من التحديات المُركّبة. أولها أن كثيرًا من
اقتصادات المنطقة، رغم التقدم الملموس، ما تزال شديدة الحساسية لتقلبات الطاقة
والأسواق العالمية. وثانيها أن الأمن الغذائي والدوائي في أجزاء واسعة من العالم
الإسلامي ما يزال معتمدًا على الخارج بدرجات كبيرة، ما يجعل أيّ اضطراب في التجارة
أو النقل أو الأسعار ذا أثر مباشر على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وثالثها أن
الصراعات الإقليمية والتوترات حول الممرات البحرية تُضاعف من تكلفة المخاطر، حتى
على الدول التي لا تكون طرفًا مباشرًا في الصراع. ورابعها أن الاقتصاد الرقمي
العالمي يتقدّم بسرعة، ومَن يتأخر عن بناء قُدراته فيه لن يعاني فقط من فجوة
تنموية، وإنما سيصبح أكثر قابلية للتبعية. ولهذا تؤكد التقارير الدولية الحديثة أن
النمو في الاقتصادات النامية لن يكون كافيًا وحده ما لم يقترن بقدرة أعلى على
التنويع، وتحسين البنية التحتية، وتقوية المؤسسات، وتطوير رأس المال البشري.
ويزداد الأمر وضوحًا إذا أخذنا في الاعتبار أن التحولات الجيوسياسية لا تُعيد تشكيل
التجارة والاستثمار فقط، بل تُعيد أيضًا ترتيب الثقة. فحين تتّسع مساحة التوتر وعدم
اليقين، تُعيد الدول النظر في احتياطياتها، ومراكز حفظ أصولها، وتوزيع شراكاتها،
وانكشافها على العملات والأسواق والممرات. وهذا هو السياق الأوسع الذي يجعل النقاش
حول الذهب، أو تنويع الاحتياطيات، أو التحوط النقدي، أكثر من مجرد نقاش مالي ضيق؛
إنه جزء من بحث أوسع عن الطمأنينة في عالم تقلّ فيه المُسلَّمات القديمة. وليس
المقصود من ذلك أن النظام المالي العالمي على وشك الانهيار، وإنما منطق التحوُّط
يزداد حضورًا، وأن الدول الأذكى هي التي لا تبني أمنها الاقتصادي على افتراضات
جامدة، وإنما على توزيع المخاطر وتعدد البدائل.
لكن القضية، في جوهرها، أعمق من الاحتياطي النقدي أو من حركة الأصول. إنها تتعلق
بسؤال المكانة. فالعالم الإسلامي الغني أمامه اليوم احتمالان متقابلان: إما أن يبقى
خزانًا للثروة الخام، وممرًّا للتجارة، وسوقًا للاستهلاك، مع بعض مظاهر الحداثة
الاقتصادية التي لا تُغيِّر جوهر التبعية؛ وإما أن يحسن استثمار اللحظة، فيحوّل
موقعه وثروته إلى دورٍ حقيقي في إعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية الإقليمية
والدولية. وهذا لا يتطلب شعارات كبرى بقَدْر ما يتطلب رؤية متماسكة تشمل: تنويعًا
حقيقيًّا، واستثمارات إستراتيجية، وتكاملًا إقليميًّا أوسع، وشراكات متوازنة،
وتعليمًا نوعيًّا، ومؤسسات أكثر كفاءة، وقدرة على التوفيق بين العائد الاقتصادي
والاعتبار السيادي. فالأمم لا تصعد اليوم بمجرد ما تملك، وإنما بقدرتها على تحقيق
أفضل استفادة مما تملك.
إن أخطر ما في المرحلة الراهنة أنها لا تقتصر على إعادة توزيع المكاسب والخسائر،
وإنما تُعيد أيضًا ترتيب الأمم. فالاقتصاد العالمي يدخل زمنًا أقل يقينًا، وأكثر
انقسامًا، وأشد حساسية للمفاجآت. وفي مثل هذا العالم، لن يكون الغِنَى وحده كافيًا،
ولا الانفتاح وحده مضمونًا، ولا الموقع وحده مانعًا من الخطر. وإنما الذي سيصنع
الفارق هو امتلاك القدرة: قدرة على الإنتاج، وقدرة على التكيُّف، وقدرة على
المناورة، وقدرة على بناء البدائل. ومن هنا فإن السؤال الأهم أمام الدول الإسلامية
الغنية ليس: كيف تستفيد من الاضطراب العالمي؟ بل: كيف تبني من داخل هذا الاضطراب
نموذجًا أكثر استقلالًا، وأرسخ أمنًا، وأوضح رسالة، وأبعد نظرًا؟ ذلك هو التحدي
الحقيقي، وذلك هو أيضًا باب الفرصة الكبرى.
للاستزادة يمكن مطالعة الروابط التالية:
IMF Working Paper
(2025),
Unlocking MENA and CCA Trade in a Fragmented World.
World Bank (January 2026), Global Economic Prospects.
UNCTAD (January 2026),
Global Trade Update: Top Trends Redefining Global Trade in 2026
World Bank (December 2025), Gulf Economic Update.
IMF Working Paper (September 2025), GCC Diversification:
The Role of Foreign Investments and Sovereign Wealth
Funds.
(*) كُتِبَت هذه المقالة بمساعدة الذكاء الاصطناعي
ChatGpt،
وراجعها وأعاد صياغتها فريق العمل بالمجلة.
[1] https://arg.am/3BC810E2