• - الموافق2026/04/21م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
كيف دخلت الدولة العبرية  مرحلة الهزيمة الإستراتيجية؟

هل تخوض إسرائيل ثلاث حروب في آن واحد دون أن تنتصر في أيٍّ منها؟ من استنزاف متعدد الجبهات إلى تصدع داخلي وهجرة عكسية، تتشكل ملامح أزمة بنيوية عميقة تضع الدولة العبرية أمام اختبار وجودي يتجاوز نتائج المعارك العسكرية التقليدية


في لحظةٍ بدت للوهلة الأولى كإنجاز سياسي، وقف «بنيامين نتنياهو»، رئيس وزراء الاحتلال الصهيوني في الثامن من أبريل 2026م ليعلن «انتصارًا تاريخيًّا» عقب هدنة مع إيران أعلن التوصل إليها الرئيس الأمريكي «دونالد ترمب»، لم تكن حكومة الاحتلال طرفًا مفاوضًا في صياغتها. بالتزامن مع ذلك لم يتردد «يائير لابيد» أبرز زعماء المعارضة في وصف الحدث ذاته بأنه «كارثة سياسية غير مسبوقة».

بين هذين التوصيفين المتناقضين، تتكشف صورة أكثر عمقًا؛ فالدولة العبرية لا تُواجه خلافًا سياسيًّا عابرًا، بل أزمة إستراتيجية بنيوية تتسع مع كل جولة قتال، وهذا الأمر كشفه ليس فقط تصريح «يائير لبيد»، بل أيضًا الجنرال المتقاعد المُلقَّب مِن قِبَل الصحافة الصهيونية بـــ«نبي الغضب»؛ «إسحاق بن بريك».

منذ السابع من أكتوبر 2023م، خاضت الدولة العبرية حربًا متعددة الجبهات امتدت من غزة إلى لبنان، ومن سوريا إلى العراق واليمن، وصولًا إلى مواجهة مباشرة مع إيران. الحصيلة التراكمية، وفق المعطيات المتداولة داخليًّا، تجاوزت 2.400 قتيل ونحو 29.000 جريح. هذه الأرقام، في مجتمع صغير نسبيًّا، ليست مجرد خسائر بشرية؛ إنها مؤشر على استنزاف طويل الأمد يمسّ بنية القوة البشرية ذاتها، وهذه الأرقام جميعها صادرة رسميًّا عن وزارة الجيش والصحة الصهيونية.

أما الخسائر الاقتصادية فقد كانت تكلفتها باهظة على الدولة العبرية؛ حيث بلغت تكلفتها على الناتج المحلي نحو47 مليار دولار، فيما قفزت ميزانية الدفاع من 17 مليار دولار عام 2022م إلى 44.8 مليار دولار في ميزانية 2026م. وارتفعت نسبة الدَّيْن العام إلى الناتج من 60% إلى 68.5% خلال ثلاث سنوات فقط.

هذه الأرقام لا تعكس فقط تكلفة الحرب، بل تكشف تحوّلًا في أولويات الدولة؛ من اقتصاد إنتاجي إلى اقتصاد مُسخَّر لاستدامة تمويل الحروب تلبيةً لرغبة ائتلاف حكومي متطرف التقت مصالح زعمائه الثلاثة؛ بنيامين نتنياهو الذي تلاحقه ثلاث قضايا فساد، وبتسائيل سموتريتش الذي يقود أكبر حملة استيطانية شهدتها الأراضي المحتلة، وكذلك إيتمار بن غفير الذي يقود الأمن القومي، ويشرف على التنكيل بالفلسطينيين في الضفة المحتلة.

ورغم هذا الاستثمار الهائل في القوة العسكرية، لم يتحقق الهدف المركزي لأيّ حرب؛ فقد فشلت المواجهة المفتوحة في حسم أيّ معركة من المعارك رغم إظهار الجيش الصهيوني قدرة لافتة على تنفيذ ضربات دقيقة، شملت مئات الطلعات الجوية، واستهداف بنًى تحتية، واغتيال طيف واسع من قيادات حركة حماس وحزب الله والدولة الإيرانية. لكنّ هذه النجاحات التكتيكية لم تُترجَم إلى ردع مستدام، بل على العكس، أدَّت إلى توسيع نطاق المواجهة، وتحويل الدولة العبرية إلى طرف في حرب استنزاف مفتوحة على سبع جبهات.

في هذا السياق، تبدو المُفارَقة صارخة، فكلما ازداد التفوق العسكري، ازداد العجز الإستراتيجي. فالقوة التي لا تُفضي إلى تسوية سياسية تتحَّول -بمرور الوقت- إلى عبء. وهذا ما عبَّر عنه باحثون أمنيون صهاينة في معهد الأمن القومي الصهيوني بوضوح في عدة منشورات بحثية حين أشاروا إلى أن أعداء الدولة العبرية لا يسعون إلى الانتصار الحاسم، بل إلى إطالة أمد الصراع؛ حتى تتآكل قدرة الدولة العبرية على التحمُّل.

الأخطر من ذلك هو ما كشفته المواجهة الأخيرة مع إيران من اعتماد غير مسبوق على الولايات المتحدة، فلم تعد الدولة العبرية قادرة على خوض حروبها الكبرى منفردة، بل ضمن منظومة عمليات مشتركة تتطلب دعمًا أمريكيًّا مباشرًا. وتحريك مجموعات بحرية أمريكية، وتوفير منظومات دفاع جوي متقدمة، وهذا التحوُّل البنيوي يطرح سؤالًا مقلقًا مِن قِبَل النُّخبة السياسية الصهيونية، وهو ماذا لو تغيَّرت أولويات واشنطن؟!

لكنّ التهديد الأعمق الذي يُعدّ من المخاطر التي تُهدِّد الهيكل البنيوي للدولة العبرية هو الانقسام على الذات الذي تعاني منه الدولة العبرية؛ والمتجسّد في الصراع بين المؤسسة القضائية والحكومة، وبين التيارات العلمانية والدينية، وبين القيادة العسكرية والطبقة السياسية؛ لم تَعُد مجرد خلافات، بل تحوّلت إلى حالة استقطاب حاد تُهدّد تماسك الدولة.

وتتجلَّى هذه الأزمة بوضوح في ملف التجنيد، فمن أصل 19.000 أمر استدعاء وُجِّه إلى الشباب الحريدي، لم يستجب سوى 5%، فيما لم تتجاوز نسبة المجندين فعليًّا 1.2%. وهذا الأمر صنع أزمة كبيرة عبَّر عنها رئيس الأركان الحالي «إيال زامير» حين صرّح بأن الجيش بحاجة لأكثر من 20 ألف جندي، وهو مضطر الآن لاستدعاء الاحتياط من رجال في الثلاثينيات والأربعينيات يتركون أعمالهم وأُسَرهم لفترات طويلة. هذا الخلل لا يُضْعِف الجاهزية العسكرية فحسب، بل يُقوِّض مفهوم «تقاسم العبء» الذي قام عليه العقد الاجتماعي الصهيوني.

وفي الوقت الذي يُحذِّر فيه قادة عسكريون من اقتراب الجيش من «نقطة الانهيار»، بسبب نقص القوى البشرية؛ تُخصِّص الحكومة 1.6 مليار دولار إضافية للمؤسسات الدينية التي يرفض طلابها الخدمة، هذا التناقض ليس ماليًّا فقط، بل يعكس أزمة أولويات عميقة داخل بنية الحكم، ويزيد من سخط المجتمع على الطبقة الحاكمة، وعلى رأسها المعارضة.

على الصعيد الدولي، تُواجه الدولة العبرية تراجعًا متسارعًا في مكانتها؛ بسبب صدور مذكرات قانونية بحق قادتها، وفرض عقوبات على وزراء بارزين مِن قِبَل دول غربية، وتزايد الدعوات داخل الاتحاد الأوروبي لإعادة النظر في العلاقات الاقتصادية، وربما تزيد مثل هذه الدعوات بعد خسارة قطب اليمين المتطرف رئيس وزراء المجر «فيكتور أوربان» الانتخابات مؤخرًا، والذي يُعدّ من أبرز حلفاء نتنياهو في أوروبا.

ولا شك أن كل ذلك مؤشرات على تآكل الشرعية الدولية، والتحول في الرأي العام الغربي؛ حيث أظهرت استطلاعات حديثة تراجُع التعاطف مع الدولة العبرية في الولايات المتحدة، خاصةً بين الأجيال الشابَّة وفقًا لاستطلاعاتٍ نشَرها معهد غالوب الأمريكي، وكذلك معهد بيو مؤخرًا، ورجَّحت أن تشهد الانتخابات الأمريكية تراجعًا كبيرًا في تأييد المرشحين الداعمين للوبي اليهودي، وقد نرى ثمار هذا الأثر في انتخابات التجديد النصفي في الكونغرس ومجلس الشيوخ في نوفمبر المقبل.

إقليميًّا، لم تُؤدِّ المواجهة مع إيران إلى تعزيز موقع الدولة العبرية، بل على العكس، فقد برزت قوى إقليمية -في مقدمتها السعودية وتركيا-، عملت على بناء ترتيبات جديدة تتجاوز الدولة العبرية؛ بعد استشعار خطرها وأطماعها في المنطقة، ومحاولة قطع الطريق على محاولاتها لإعادة رسم خريطة المنطقة على حساب الأمن القومي العربي والإسلامي.

أما على المستوى المجتمعي، فتتراكم مؤشرات مقلقة؛ ليس أقلها سوءًا هجرة أكثر من 160.000 شخص منذ 2023م، فيما يعاني أكثر من 100.000 من اضطرابات نفسية موثّقة نتيجة الحروب. 

هذه الأرقام تعكس تآكلًا في رأس المال البشري، وهو أحد أهم مصادر قوة الدولة العبرية؛ فالهجرة العكسية -خاصةً بين الفئات المتعلّمة-، تُمثّل نزيفًا صامتًا قد لا يظهر أثره فورًا، لكنه يترك بصمته على المدى الطويل، ويُحوِّل الدولة العبرية من دولة استقطاب للمهاجرين إلى بيئة طاردة.

بهذا المعنى، يمكن القول: إن الدولة العبرية تخوض اليوم ثلاث حروب في آنٍ واحد؛ حربًا خارجية متعددة الجبهات، لم تُحسَم رغم التفوق العسكري؛ وحربًا داخلية تُهدِّد بتفكيك التماسك الاجتماعي والسياسي؛ وحربًا صامتة تتمثل في التآكل البشري والنفسي.

الخسارة هنا لا تُقاس بخسارة معركة أو موقع، بل بتآكل القدرة على الاستمرار بنفس النموذج. فالدولة التي تضطر إلى مضاعفة إنفاقها العسكري، وتعتمد على دعم خارجي متزايد، وتعاني من انقسام داخلي حادّ، وتفقد جزءًا من رأس مالها البشري، هي دولة تُواجه ما يمكن وَصْفه بـ«الهزيمة الإستراتيجية»، حتى وإن استمرت في تحقيق إنجازات عسكرية.

لذلك تَطْرح النخب الصهيونية اليوم على دائرة صنع القرار سؤالًا مُهِمًّا يتمثل في كيفية تحويل هذه المعارك التي لم يتم حسمها عسكريًّا إلى صيغة تفوُّق عسكري تُؤمِّن للبلاد استقرارًا سياسيًّا؟!

 

أعلى