حرب الرجولة.. الصين إذ تعلن الحرب على التخنث

كيف تواجه الصين السيولة الجندرية والتطبيع مع الانحراف والشذوذ؟! وهل تنجح في وأد تلك الأفكار ومنعها من التغلغل داخل مجتمعها؟


قبل عشرين عاماً انضمت الصين إلى منظمة التجارة العالمية بعد خمسة عشر عاماً من المفاوضات المضنية وقَّعت الصين بعدها على اتفاقية الانضمام.

وقتها وقف الرئيس الأمريكي بيل كلينتون يتحدث بكل فخر قائلاً: إن الصين وافقت على استيراد واحدة من أكثر قيم أمريكا الديمقراطية وهي الحرية الاقتصادية.

إنها حالة الحرب التي لا تقف عند حدود اقتصاد أو سياسة، والصين هنا ليست وحدها في تعرُّضها لذلك القصف المتسلل خفية داخل شرايين الشعوب؛ لكنها هي مَن وقفت بكل ما أوتيت من قوانين لتقول: لا. إنها حرب لا تقاذف فيها بالأسلحة بل بالأفكار والقيم وأنماط السلوك والتفكير.

واحد من أبرز مجالات الصراع التي طفت على السطح في الآونة الأخيرة، هو ما يمكن أن نطلق عليه (حرب الرجولة). في هذه الحرب تتلاشى الخطوط الفاصلة بين الذكورة والأنوثة، وتصبح من الأفكار القديمة البالية، ويُبنى على أنقاضها منظومة جديدة غير محددة بنوعين فقط من البشر الرجل والمرأة أو الذكر والأنثى، بل تتعدد بها الأشكال والأنماط.

إن قصة الطفل جميس جيفري ذي السبع سنوات تخبرنا إلى أي مستويات الانحطاط بلغ هذا النكوص! إذ سعت أم هذا الطفل انتقاماً من طليقها إلى تحويل جنس طفلها الذكر إلى أنثى، عندها فزع الأب وحوَّل الخلاف إلى قضية تتداولها محاكم تكساس الأمريكية، وبعد جولات أقرَّت المحكمة بأحقية الأم في تحويل جنس طفلها الذي أسمته (لونا)، كما منعت الأب من الاتصال بطفله إلا إذا تعامل معه على أنه أنثى وأن يناديه باسمه الأنثوي الجديد (لونا).

طبقاً للأنماط الفكرية الجديدة في الغرب ظهر ما يُعرَف بمصطلح (الرجولة السامة) الذي يعني أن الرجال هم السبب في كل الشرور. فالبعد عن الرجولة معناه البعد عن الشر. إنهم الأولاد الذكور هؤلاء الذين منذ نعومة أظافرهم يحبون اللعب العنيف والجري والمصارعة مع بعضهم. بعكس الفتيات اللائي يحببن الدعة والهدوء والتعاون لا الصراع... وهذا هو النمط الذي يجب أن يسود على الجميع (بزعمهم).

والحل هو قتل هذه الروح لدى الأطفال الذكور الصغار ووأد روح المغامرة والقوة لديهم، لأن هذه الأمور تفضي إلى (الرجولة السامة) كما يسمونها.

مصطلح آخر أمسك بتلابيب صاحبه المصطلح السابق وهو مصطلح (دراج كوينز) drag queens وهم ذكور ويعرفون أنفسهم بأنهم ذكور لكنهم يرتدون ملابس نساء مبهرجة ويضعون المكياج الصارخ، وغالباً ما يبالغون في ارتداء الملابس والاكسسوارات ووضع الزينة النسائية، ويتكلمون بدلال كما النساء!

الإشكالية الكبرى أن المجتمعات الغربية تسعى جاهدة إلى ترميز هؤلاء، ففي اسكتلندا أثارت الاستعانة بـ (دراج كوين) لقراءة قصص للأطفال في مدرسة (غلينكوتس) الابتدائية على هامش فعاليات الشهر المخصَّص للاحتفال بتاريخ المثليين، جدلاً كبيراً.

ثار المجتمع الاسكتلندي تجاه شخصية دارج كوين اليوم ومن قبلها كان يثور ضد الشذوذ والمثلية... والآن أصبح هناك شهر كامل بالمدارس للتعريف بتاريخ المثلية وتعريفها عن أنها حركة نضال من أجل الحرية.

نمط آخر من التسكع على نهر الانحراف وهو (Flower boys) الذي تمثله فرقة «بي تي إس» الغنائية إلى حد كبير، والترجمة الحرفية للمصطلح هو (الفتية الزهور) وهم يميلون في التعبير عن أنفسهم بطرق فيها رقة الفتيات ويضعون المساحيق النسائية وأقراط الأذن وجميعهم من المراهقين الذكور. تلك الفرقة الكورية الجنوبية نجحت نجحاً باهراً داخل البلاد وخارجها، ولنا أن نتخيل أنه تم تدشين خطوط إنتاج لمساحيق التجميل للذكور خاصة تستهلك كوريا الجنوبية وحدها 20 مائة من تلك المساحيق. كان لتلك الفرقة دور كبير في الترويج لها.

هذه السيولة الجندرية أضحت إحدى الركائز التي يسعى الغرب إلى عولمتها بين الشعوب، وإذ تدرك الفطر السوية والعقلاء في العالم أن مثل تلك الأفكار تمثل تفكيكاً للمجتمعات وإيذاناً بانهيارها؛ فإن الصين الدولة الكونفوشيوسية نظرت إلى الأمر على أنه يشكل خطراً على مجتمعها فوعت ولم تنتظر؛ فشرعت في سن القوانين التي تحظر تبرج الرجال أو وضعهم المساحيق، ومنعت رموز المجتمع مثل لاعبي الكرة من وضع الوشم على أجسادهم، بل أكثر من ذلك فقد بدأت في إدخال مواد خاصة بالرجولة في المناهج التعليمية.

تدرك الصين أن هناك حرباً أخرى تدور رحاها على قلوب وعقول أبنائها، وهي لا تقل أبداً عن حروب التنافس الاقتصادي والسياسي وسباق الصواريخ وتكنولوجيا الحرب السيبرانية.

والسؤال هنا: هل تنجح الصين في وأد تلك الأفكار ومنعها من التغلغل داخل مجتمعها؟ وهل تكفي القوانين وحدها في إيجاد مناعة ذاتية لدى المجتمعات تجاه تلك الفيروسات الاجتماعية والأخلاقية المدمرة؟

رغم الصرامة الذي تتبعها الحكومة الصينية في تنفيذ أجندتها على شعوبها؛ إلا أن القوانين وحدها قد لا تفي بهذا الغرض. ولو تخلَّص الصينيون من الروح العنصرية تجاه المسلمين لأحسنوا في استخدام ما يملكه المسلمون من مضامين وقيم حضارية وأخلاقية؛ خاصة فيما يتعلق بالأسرة وقيم الرجولة، ولاستطاعوا أن يوفروا للمجتمع حضانة نابعة من ثقافة ذاتية وليست مفروضة قهراً بالقانون.

وفي الوقت الذي تدرك الصين فيه مخاطر تلك السيولة الجندرية والتطبيع مع الانحراف والشذوذ، فتستلُّ سيف القوانين لإيقاف السيل القادم من الغرب؛ فإن مجتمعاتنا الإسلامية والعربية تعاني من انتكاسة فطرية لدى نخبتها التي تراود شعوبها عن ثوابتها الدينية في حلقة أخرى من حلقات الصراع نئدُ فيها أنفسنا بأيدينا ونسعى لأن نستبدل بقوة لدى مجتمعاتنا تنجيها أخرى قد تُثكِلها، وهنا لا بدَّ من وقفة مع العلماء والدعاة إذ أضحى فضح تلك الأفكار والمفاهيم الهدامة ليس كافياً، بل الأمر يحتاج إلى ما هو أكثر من انتفاضة وقد اشتعلت النيران في أذيالنا وأصبحت المعركة الآن داخل أسوارنا وفي جنبات بيوتنا؛ وإلا فلا تتعجب إن جاءك طفلك يوماً يخبْرك بشعورٍ داخله يخبره أنه أنثى، أو أنه يحب صديقه ويريد أن يرتبط به.

فهل ندرك ثوابتنا قبل أن تركلنا، وأن ندخل التاريخ بقيمنا قبل أن نخرج منه بتخاذلنا، وأن نمسك بدين الله قبل أن يستبدلنا: {وَإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38].

 


أعلى