قلم للإيجار.. أقلامنا بين الإصلاح والاتجار!

الانتماء للوطن وللقضية هو ما يُوجِب أن تكتب في كل ما تستطيع، مع ما سبق من ضوابط الحياد والإصلاح والإخلاص، والعزاء هنا أن هذا لا ينحصر في كتابة دون أخرى



كنت مع (الطنطاوي) في حَرَم الكتابة، فوجدته يصرخ عبر الأجيال: «أين الأقلام؟ نحن اليومَ في معركةٍ مع الاستعمار؛ فهل رأيتَ جيشاً في معركة يَدَعُ مَدافعه فلا يُطلقها؟! وإنَّ مِن أمضى أسلحتنا لَهَذه الأقلامُ؛ فما لِهذه الأقلامِ نائمة؟! وما لبعضها لا يزال يلهو ويلعب؟!» وأخذ ينكأ الجراح ويعالج أخلاقَ سوءٍ سرتْ في المجتمع: «ذكَّرتْني بطائفةٍ من أخلاقنا هي كالداء في جسم الأمة؛ لا يجمل بالكُتَّاب وحَمَلَة الأقلام السكوتُ عنها والرضا بها، وهم أطباؤها وعندهم دواؤها»[1].

قبل أن يصدمَني سؤال صاحبي: «ماذا تكتب اليوم؟ ولصالح أيِّ مركز؟».

فكأنه أيقظني من غفوةٍ مزعجةٍ لم أشعر بها.

فوقفت قليلاً مع نفسي أُراجع ما أعمل وأكتب؛ فخرج لي من موضعٍ في مكتبي أبحاثٌ علميةٌ محكمةٌ في تخصُّصٍ أشعر أنه كاد يندثر رغم بلوغي الدرجة العالمية فيه يوماً، فتألمت للتراجع عن كتابةٍ عاليةٍ صرت أجهَد إن حاولت سلوك طريقها، كأنها في عَلٍ أبعد من قدراتي؛ فانصرفتُ عنها على ألمٍ وحزنٍ.

حتى انفرجت أساريري قليلاً مع ملف مقالات لي متنوعة في الاجتماع والسياسة والثقافة؛ تضرب كل مقالة منها فأسَها في مشكلة أو علَّة تقطِّعها ثم تنثر ما قُدِّر من حلول تخفِّف من وطأتها.

وما انقشعت ظُلمة روحي في ركام الملفات إلا مع (شخابيط) أدب واقعي يشقُّ طريقه بين الآلام؛ لكنهـا وإن كانت في أكثرها تبكي إلا أنها تُفرِح لمعالجتها قروحاً داميةً في جسدنا.

لكنني وقفتُ باستعدادٍ حين خرج في وجهي ملف عملي البحثي للمركز؛ ففيه القضايا التي أُكلَّف البحث فيها، وتلك ما يأتيني بما يُقيم بعض اعوجاج أيامي ويستر شيبتي وعيلتي، ودققتُ في الملاحظات لأجد ما لا أحبُّ؛ فما أكثر قول القاضي: هذه فقرة أدبية لا تصلح! لو يُتخفَّف من النزعة الأدبية! الكتابة في هذه الفقرة بلغة أدبية لا تناسب!

وإنما كانت تلك مخارج طوارئ أسلكها للهروب من لائحة الضوابط الشُّرَطية التي تُمسـك قلمي، بل تعتقل عقلي وقلبي أحياناً، فلا يسرح ولا يمرح كما شاء له الهوى والأدب، على مذهـب الأديب المنفلوطي: «ما كنت أكتب حقيقة غير مشوبة بخيال، ولا خيالاً غير مرتكز على حقيقة؛ لأني كنت أعلم أن الحقيقة المجردة عن الخيال لا تأخذ من نفس السامع مأخذاً، ولا تترك في نفسه أثراً».

حينَها توقفت وجلست في مقهى نفسي أتابع باهتمام الصراع على الطريقة الرومانية بين عقلي وقلبي حول قلمي، وما زالت لكماتٌ من هنا أميل معها يميناً، لترتفع بي شمالاً لكماتٌ من هناك؛ حتى جاءتني لكمةٌ هوتْ بي أرضاً، وانتهى الحكَم من العدِّ دون أن أنهض، وذلك حين سمعت في غمرة المعركة عن قلمي: أَقَلَمٌ للإيجار!

فنهضتُ بعدها كالمخمور أرمي عني أشيائي لا أدري ما يبقى وما يهوي؛ إذ ما عدت أعرف ما يستر وما يفضح؛ لكنني آليتُ أن أراجع نفسي فيما أعمل وأكتب؛ فالبندقية لا تُستأجر إلا عند المرتزقة، وكذا القلم فهو سلاح الضعفاء الأقوياء به، ولا يُستأجر عند كاتب مخلص.

وعدتُ ثانيةً نحو الطنطاوي؛ وأعرفه قاضياً أديباً يوثَق بقضائه وأدبه، فأعجبني قوله في مقدمة رسائله (في سبيل الإصلاح): «حاولت وأنا أكتب وأؤلف وأخطب وأحاضر من ستين سنة أن أجعل حظّاً من عملي هذا في سبيل الله ثم في سبيل الإصلاح»[2]. وفي تضاعيف أحكامه يقول: «أَمَا إن القلم المتين واللسان البليغ أمانة في يد الكاتب والخطيب، فإذا لم يستعملاه في إنكـار المنكر والأمر بالمعروف والدعوة إلى الإصلاح كانا ممن خانَ أمانته وأضاعَها وفرَّط فيها»[3].

ووجدت في لائحة حُكمه رسائل نصية كثيرة ينثرها بأدبٍ راقٍ تصلح قواعـد في الكتابة، كأنه يخاطبني - بل يخاطبنا - بها؛ من ذلك استحضار مِنَّة الله على الكتَّاب بالقلم والكتابة: «ووفاء بحق هذه الأمانة، أمانة (القلم) الذي منَّ الله به عليَّ وجعلني من أهله، لأضربَ به في كل ميدان إصلاح، وأقرعَ به كل معالم الفساد؛ لا تمنعني من ذلك رهبةُ عدوٍّ، ولا رغبةٌ في مودَّة صديق»، فواسيتُ نفسي بأن قلمي حادٌّ حتى يكاد يتمزِّق في مواضع من شدَّته، وأنه لم يُشهَر يوماً في ساحة نفاقٍ أو مجاملة؛ وإلا سقطت قيمته في سوق الكتابة: «قيمة الأديب بإنتاجه ومواهبه، لا بوظيفته ومرتبه... وإن الأديب لا يُنتِج ولا يعمل إلا معتدّاً بنفسه واثقاً بها، وهذه العزَّة وهذه الكبرياء الأدبية هما عُدَّة الأديب؛ فإذا خسرَهما لم يَصلحْ بعدهما لشيء!».

وإن لم يكن يصنع ما يُكتَب التغييرَ فإنه يرسم معالمه؛ وهذه هي مهمة القلم، دون أن يُحمَّل ما لا يطيق أو يُطلب من حمَلَته السكوت بحجَّة عجزهم عن التغيير؛ وإن هذا من قول العجَزَة للهروب من أمانة الكلمة، أو الخوَنة خوفَ افتضاح حالهم: «... وهذه كلمة صغيرة في موضوع كبير، أعرف أنها تثير مناقشات وتحتمل جدالاً، وأنها لم تلمَّ بأطراف الموضوع؛ وإنما هي تنبيهٌ إلى فسادٍ، ودعوةٌ إلى إصلاحٍ».

فهذا هو الضابط الصحيح لِـمَا تكتب: «أن يكون في سبيل الإصلاح»، وما أوسع ميادين الإصلاح! وما أكثر حاجة الناس إلى مُصلحين يكتبون ما ينفعهم، لا ما يعجبهم؛ كما قال المنفلوطي: «كنت أرى، فأفكِّر، فأكتب، فأنشر ما أكتب؛ فأُرضي الناس مرةً وأُسخطهم أخرى من حيث لا أتعمد سخطهم، ولا أتطلَّب رضاهم. إني ما كنت أكتب للناس لِأُعجبَهم، بل لِأنفعَهم، ولا لِأسمعَ منهم: أنتَ أحسنتَ؛ بل لأجدَ في نفوسهم أثراً مما كتبت».

وهذا الأثر لا يكون إلا إن أوقع الكاتب مِبضعَه (القلم) فيما يُصلحهم، حتى ينتمي حقيقةً إلى واقعه ووطنه؛ فالفنَّان الذي يحسُّ بوطنه، بطبقته هو عينٌ وأذنٌ وقلبٌ لهذا الوطن - كما يقول مكسيم غوركي - ورسمه يكون بالريشة وبالكلمات، فرسالة الفنِّ بين الرسم والكتابة[4].

وهذا الانتماء للوطن وللقضية هو ما يُوجِب أن تكتب في كل ما تستطيع، مع ما سبق من ضوابط الحياد والإصلاح والإخلاص، والعزاء هنا أن هذا لا ينحصر في كتابة دون أخرى؛ فحاجة الوطن كبيرة، وثغور الكتابة كثيرة، وليرابط كل كاتب حيث ينفع؛ لا يدخل العدوُّ من جهتك.

وجدتُني أتعافَى من الصدمة ويرجع إليَّ بعض توازني مع ذلكم التحليل، واستحضرتُ أنني إن عملتُ بالكتابة أو كتبتُ لنفسي فالمهم استحضار رسالة الكتابة السامية (الإصلاح)، فلن يكون قلمي مأجوراً إن كتبتُ لأعيش؛ بل إن بعتُ نفسي وقلمي لمن يدفع لي فكتبتُ ما يريد، لا ما يوافق الحق والصواب.

والكتابة بستان، وأجمل ما يكون في البستان تنوُّع الأزهار والثمار؛ فأذواق الناس متباينة، وإن شئتَ الإصلاح فلا بد أن تزرعها فاكهةَ وورداً وقُوتاً؛ فالكلمة رسالة، وما أكثر ما يحملها من الكتابة، والله جلَّ في عُلاه خاطبَ خلقَه - وهو أعلم بهم - في مستويات متعددة؛ فكانت رسائله للغافلين تختلف عن رسائله للمستكبرين، ورتَّب في الحوار والإصلاح مراتب للقول والكلام: {ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْـحِكْمَةِ وَالْـمَوْعِظَةِ الْـحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: ٥٢١].

فإن أردنا لرسالة الكتابة (الإصلاح) أن تتحقق فيما نكتب فالواجب بثُّها عبر مختلف موجات الإرسال؛ فمِن الناس مَن يستهويه الأدب يتأثر به ويطرب له، ومنهم مَن لا يأخذ في رأسه إلا قوارع المنطق والحِجَاج فلا بد لقضايانا أن تطرقه في أوراق بحثية ومحاكمات منطقية دقيقة موثَّقة، ومنهم المتعجِّل يكفيه المقال وربما الرسائل القصيرة ليحمل ما فيها ويمضي معنا إن اقتنع، يقابله الهادئ طويل النَّفَس واسع الصدر لا يختـرق حصون فكره إلا المصنَّفات ذوات العدد في الأوراق أو المجلدات؛ ولا غنى لأصحاب القضية عن أحد من هؤلاء، فهم من الوطن؛ ومَن أراد الانتماء الحقَّ خاطبَ الجميعَ، فالمركب لا يمضي بواحد دون آخر.

فإن جاءت كلماتي هذه عرجاء لا تقنع فلعل النظر في مكر أعدائنا ينفع؛ ألا يهاجموننا اليومَ بالكلمات محمولةً في مجلات هابطة وكتب مشوَّهة وحقائق مقلوبة ومناهج دراسية منحرفة، سُخِّرت لها ماكينات إعلامية تستهلك ماليّاً نحو ما تستهلكه الطائرات والمدفعية، تتغلغل بهـا كلِّها في مجتمعاتنا، فتصنع لنفسها ناطقين بلسانها منا. ولو أنك دققت في انحراف شبابٍ ومثقفين لاكتشفت دون عناء كبير أنما دُخل عليهم عبر كاتبِ سوءٍ أحبُّوه، أو قزَمٍ حسبوه قامةً فقلَّدوه، أو عبر منصَّة ثقافية مشبوهة، أو نادٍ فكريٍّ أو أدبيٍّ يتشبَّع بالإصلاح ويتجشـأ الإفساد. ومن كلام دبلوماسي بريطاني كأنه يكشف سرَّ انبهار كثيرين منا بعدوِّنا: «إن استأنستَ بلغةِ أحدٍ وأدبِه، إن عرفتَ وأحببتَ بلاده ومدنها وفنونها وشعبها؛ فستكون مستعداً بشكل لا شعوري لاقتناء ما تريده منه أكثر من مصدرٍ لا تعرفه بدقة، ولِدعمِه حين تعتبر أنه على صواب، ولتجنُّب معاقبته بقسوةٍ إن أخطأ»[5]. ثم يأتينا مَن يُنكر خطورة رسالة الأدب، وينسى أن ما حفظته (الإلياذة) عن تاريخ القدامى وفتح عمُّورية «السيف أصدق أنباءً من الكتب» عن فتوحات العباسيين مثلاً أبقى على الزمان من كل مكتوب!

فهذه دعوةٌ على خطِّ تلكم الدعوات من فرسان القلم لتجديد الكتابة في كل ما ينفع الوطن ويخدم القضية؛ فكم من كاتبٍ يردِّد في نفسه اليومَ ما صرخ به الطنطاوي منذ أربعينات القرن الماضي: «آسف على قوةٍ فيَّ وفي أمثالي من حَمَلة الأقلام، تذهب هدراً وتضمحلُّ والوطنُ يحتاج إليها»[6]؛ لأنه على نحو ما قال في الموضع ذاته: «في كل يوم تنبت أقلامٌ غضَّةٌ، فلا يتعهدها أحدٌ بسقيٍ ولا رعايةٍ، فتجفُّ وتموت. وتحطم عواصف الأيام وأرزاؤها أقلاماً متينةً كأشجار السنديان طالما أظلَّت وبسقت، فلا يبكي عليها أحد!».

إن الوطنَ لا ينهض في معركة البناء بالبنادق؛ فإنما هي لحراسة حدوده، وإن نزلت في المدن أفسدتْ أكثر مما تُصلح، فإنْ أردْنَا نهضةً بروحٍ وجسدٍ فعلينا سلوكُ سبيل الإصلاح؛ ومن أهم طرقاته الكتابةُ، فَلْنأخذْ بأيدي الكتَّاب دون تضييق ولا إرهاب، ولْيطرق الكتَّابُ أبوابَ الإصلاح الاجتماعي والثقافي والسياسي جميعها بكلماتهم؛ ليقوموا بالأمانة التي حُمِّلوها، فبقيامهم بأمانة القلم يتحقق انتماؤهم للوطن، وإلا خانُوا الأمانة والوطن، وكانوا حقّاً أقلاماً مأجورةً.


 


[1] في سبيل الإصلاح، علي الطنطاوي، دار المنارة، ص23.

[2] في سبيل الإصلاح، ص14.

[3] في سبيل الإصلاح، ص129.

[4] كيف تعلمت الكتابة، مكسيم غوركي، ترجمة: مالك صقور، دار الحصاد، سوريا، ص39.

[5] الثقافة والقوة الناعمة... حروب الأفكار في السياسة الخارجية، مركز برق، ص3.

[6] في سبيل الإصلاح، ص112.


أعلى